Archive for the ‘Law/Droit’ Category

المحكمة الدولية و عولمة القانون

Saturday, August 21st, 2021

المحكمة الدولية و عولمة القانون

بقلم المحامي فواز سالم كبارة

لم يعد السؤال يطرح اليوم إدا ما كنا مع أو ضد المحكمة الدولية بحد ذاتها بل أن هذا الموضوع أصبح يبحث في دول العالم بصفة شاملة و في الدول النامية و الضعيفة بصفة خاصة من زاوية عولمة القانون لأن موضوع القانون الجزائي و مؤسساته أصبح معولما في أكثر من ميدان و أصبح واقعا في عدد من هذه الدول و في جو جماعي من انعدام الثقة بالمؤسسات و بالقيم الديمقراطية و بالعدالة الوطنية أي بالقيم الأساسية لدعائم الوطن. إن الأزمات العالمية مسؤولة عن هذا الواقع بدئا في أزمة الحرب العالمية الثانية و ما نتج عنها من الإعلان العالمي لحقوق الانسان عام 1948. مثال ذلك قضية الجنرال بينوشيه التي أضافت إلى هذا المضمار دروسا و عبرا مهمة و نواة قانون جزاء دولي قضت إلى إنشاء محكمة جزاء دولية دائمة. لقد ارتقت الانسانية و ارتفعت بقيمها لتنشئ عدالة جزائية عالمية دولية تعلو على القواعد القانونية المحلية و مبادئ السيادة الوطنية و حصانة المسؤولين فيها الغرض منها وقف الممارسات التي يقوم بها أصحاب السلطة من سياسيين و عسكريين متمرسين بالسلطة بحق شعوبهم أو بحق مجموعات أخرى. و لكن هذا المبدأ مع مثاليته لم يخل من الشوائب القانونية و العملية و السياسية. فما هي أسس قانون الجزاء الدولي، ما هي آثاره على السيادة الوطنية و ماهي انعكاساته على حصانة حكام الدول و المسؤولين فيها؟

أولا) مبادئ قانون الجزاء الدولي و شروطه و العقبات التي تعترضه: تعددت المصادر التي عرفت الجريمة الدولية التي يعاقب عليها قانون الجزاء الدولي. فالتعريف الأول للجرائم ضد الإنسانية جاء في اتفاقية لندن المتعلقة بمحكمة نورمبرغ العسكرية تاريخ 8 آب 1945 و ربطها بجرائم ضد السلام و بجرائم حرب، أي بجرائم الإبادة (طبعا كانت المحاكمة في حق الضباط الألمان و المسؤولين النازيين و الفاشيين عن أفعال التعذيب و مخيمات النقل و الإبادة العنصرية إبان الحرب العالمية الثانية). و هذا ما عبر عنه نظام المحكمة الدولية لجرائم يوغوسلافيا الصادر في 20/11/1996 بقوله أن هذه الأفعال لا تتعلق بمصالح دولة معينة بل تهز الضمير الجماعي… إنها جرائم معرف عنها في القانون الدولي بكونها اختراقات شنيعة “للقانون الانساني الدولي”، و هذا ما نصت عليه قرارات الأمم المتحدة رقم 827 و 955 و ثبته نظام محكمة الجزاء الدولية المنصوص عنها في اتفاقية روما تاريخ 18 تموز 1998، مع التنويه هنا بأن دولا تمثل نصف سكان المعمورة قد صوتت ضد هذه الاتفاقية منها الولايات المتحدة و الصين و الهند و اسرائيل (لم ينتسب إليها لبنان).

من جهة أخرى فإن الظروف و الخصوصيات التي دارت من خلال محاكمة الجنرال التشيلي بينوشيه أثبتت أن عولمة القانون أخذت مجراها. فلكي ترفض حصانة رؤساء الدول الحاليين و السابقين ارتكزت هيئة اللوردات في قرارها تاريخ 25 تشرين الثاني 1998 على المبادئ المنبثقة عن محاكمات نورنبرغ و استشهدت بشكل صريح “بمبادئ القانون الدولي” كما أفاد اللورد نيكهولس من بيركنهيد Niccholls of Birkenhead بقوله “أن القانون الدولي قد ثبت بأن بعض أنواع من السلوك بما فيها التعذيب و حجز الرهائن هي غير مقبولة من أي كان. و هدا ما يمكن تطبيقه على الجميع و بشكل أشد على رأس الدولة، و قول العكس هو استهزاء بالقانون الدولي”.

«  international law has made plain that certain type of conduct , including torture and hostage-taking, are not acceptable conduct on the ârt of anyone. This applies as much to heads of state, or even more so, as it does to every one else; the contrary conclusion would make a mockery of international law”. ( R… v/ Bow St Stipendiary magistrate and others ex parte Pinochet Ugarte – 1998 – 3 WLR 1456).

و عليه و نتيجة لتجمع الاجتهادات و قرارت الأمم المتحدة و الاتفاقيات الدولية و نظام محكمة الجزاء الدولية يمكن تلخيص عناصر الجريمة بحق الانسانية بأربعة عناصر اساسية:

و عليه و نتيجة لتجمع الاجتهادات و قرارت الأمم المتحدة و الاتفاقيات الدولية و نظام محكمة الجزاء الدولية يمكن تلخيص عناصر الجريمة بحق الانسانية بأربعة عناصر اساسية:

  1. هجوم عام و موجه ضد مجموعة معينة و كبيرة من الناس
  2. يجب أن يكون الهدف من الجريمة سكان مدنيين محددين مستهدفين كمجموعة. و يمكن أن يكون هذا الفعل مرتكب من قبل دولة أو تنظيم يؤمن بهذه الأفعال.
  3. إن الفعل غير مرتبط بنزاع عسكري مسلح. فهو مستقل عن الأعمال الحربية.
  4. لا يمكن وصف أنواع الأفعال الجرمية و حصرها : فالقتل، الإبادة، الاستعباد، النقل القسري و الابعاد الجماعي، الاعدام الفوري و الجماعي، الخطف، التعذيب، الاغتصاب ، الاستعباد و الاستغلال الجنسي، العقم الاجباري و كل نوع من أنواع الإخضاع الجنسي و الجسدي تعتبر نوعا من أنواع الجرائم بحق الإنسانية إذا ما توفرت فيه أحد الشروط الثلاث السابقة أو أكثر.

و قد لخصتها المادة الخامسة من اتفاقية روما بجرائم الابادة الجماعية، بجرائم الحرب و بالجرائم ضد الانسانية.

و هذه الجرائم معرفة في المواد 6 و 7 و 8 من الاتفاقية. و يراعى في ذلك وجوب توفر الركن المعنوي المنصوص عليه في المادة 30 أي الارادة في فعل الشيء و العلم به. و لا تكون المعرفة بجرائم الحرب مطلوبة لأن العلم بها و بنتائجها بديهيا. و تصبح الجريمة من اختصاص المحكمة بعد تعريفها و الموافقة عليها من قبل جمعية الدول الأطراف. و من شروطها عدم سريان مفعولها على الجرائم المرتكبة قبل سريان المعاهدة. و لا تطبق على الاشخاص الاعتباريين و الدول و لكن لا يستثنى الأشخاص بسبب صفتهم الرسمية أي لا حصانة بوجه المحكمة الدولية. و لا يسري مرور الزمن على الجرائم المرتكبة بحق الانسانية و ذلك منذ أن تبنت الجمعية العامة للامم المتحدة هذا المبدأ في قرارها رقم 2391 تاريخ 26/11/1968 و أكدته في قرارها رقم 2712 الصادر عام 1970 و تبنته الاتفاقية الاوروبية الخاصة الصادرة عن المجلس الاوروبي عام 1974 و تبناه نظام محكمة الجزاء الدولية في المادة 29.

و لأسباب سياسية و نتيجة لجدال واسع لم يتم التفاهم على تعريف لمفهوم العدوان و الارهاب. علما أن الأفعال المذكورة أعلاه و المعرف عنها في اتفاقية روما غالبا ما تكون ناتجة عن عدوان. إلا أن الدول الكبرى و على الأخص الولايات المتحدة رفضت إدراج العدوان في عداد الجرائم.

و التفكير بإحالة مسؤول إلى محكمة جزائية دولية (أكانت خاصة أم ضمن اتفاقية روما) تنبثق عن الاعتقاد بأن مرتكب الفعل سينجو من العقاب في بلده أو في البلد الذي ارتكب فيه الجرم ، لخطورة الفعل المرتكب و لما سيترتب عليه من نتائج و أضرار على المجتمع و الأنسان و الأشياء ، للطبيعة الدولية للجرم أو الجرائم المرتكبة و شجب الراي العام العالمي لها ، و رغبة الرأي العام في الإقلال من هذه الجرائم و عدم ترك الجناة من دون عقاب لمنع غيرهم من ارتكابها و التعويض لضحاياها.

ثانيا) آثاره على السيادة الوطنية: إن القانون الدولي يرتكز على مبدا أساسي يميز الدول فيما بينها ألا وهو مبدأ السيادة و احترام الحدود بمعناها القانوني و الجغرافي (البري و البحري و الجوي). و إذا نظرنا إلى المثل السابق المتعلق بالجنرال بينوشيه فإن قبول القاضي الانكليزي طلب الاسترداد لصالح دولة أوروبية كان عرضة للانتقاد لأسباب تتعلق بالسيادة و لأسباب معنوية و نفسية. فالحقوقيون و القانونيون الوطنيون الذين كانوا يعارضون في مجملهم الجنرال و نظام الحكم الدكتاتوري العسكري الذي تسبب لهم بضرر و ملاحقات شخصية مباشرة، و يتهمون بينوشيه بدعمه لانكلترا ضد الأرجنتين ابان حرب المالوين. عارضوا في غالبيتهم طلب استرداده الذي بدا و كأنه يعطي أفضلية و أحجية للشمال على الجنوب أي لأوروبا على حساب أمريكا الجنوبية. و طرح العديد منهم السؤال المعاكس: هل يمكن تصور الأرجنتين تحاكم السيدة تاتشر للجرائم التي ارتكبتها أثناء حرب المالوين، و هل تقبل فرنسا أن يحاكم رجالها في أفريقيا عن جرائم مسئولين عن ارتكابها أثناء الاستعمار و حرب التحرير ؟ و إلام تفضي ملاحقة الضباط و الجنود الفرنسيين بالنظر لمسؤوليتهم عن المجازر المرتكبة في رواندا ؟ و هل تقبل الولايات المتحدة بمحاكمة رئيسها و مسؤوليها و عسكرييها من قبل سلطات أجنبية على أفعال ارتكبوها على أراضيها ؟ أليس هذا ما يفسر سبب إحجام الولايات المتحدة عن الانضمام إلى اتفاقية روما المتعلقة بإنشاء محكمة الجزاء الدولية؟ يضاف إليه أن فكرة إجرا المحاكمة في اسبانيا البلد المستعمر القديم كانت تبدو مصدمة لهم . هذا السلوك لا يعني رفض الأرجنتين لمبدأ عولمة القانون بالنسبة لهذا النوع من الجرائم (بالعكس لكون الارجنتين من الدول المؤيدة بحماس لفكرة المحكمة الدولية في روما)، و إنما ينبي عن قلق من فكرة و مفهوم الهيمنة و التسلطconception hégémonique و انتقاص من سيادة الدول الضعيفة. إلا أن مبدأ السيادة بدأ يضمحل مع تنازل الدول عن صلاحياتها السيادية في أكثر من موضوع خاصة في المجال الاقتصادي و الأمني و المالي و البيئي و غيرها ، مثال ذلك اتفاقيات التجارة العالمية و الوحدة الاوروبية و شنغن و ماسترتش (العملة الاوروبية الموحدة) و مركوسور و غافي و غيرها مما لا يتسع المجال لذكرها هنا. ففي مجال التجارة الدولية مثلا نلاحظ تجاوز القوانين الوطنية المحلية لصالح قانون التجار lex mercatoria و هذا ما يعتمده و يطبقه المحكمون الوطنيون و الدوليون. فبعدما كانوا مجرد موكلين عن التجار أصبح المحكمون قضاة حقيقيين مستقلين، متشاركين مع القضاة الرسميين بشكل أدى إلى تقارب بين العدالة العامة و العدالة الخاصة. بشكل مواز يمكننا ملاحظة أهمية القوننة الخاصة، و انتشار قواعد اللباقة و حسن سلوك المشاريع و الشركات (code de conduite) الذاتية أي الصادرة عن الشركات ذاتها أو التجمعات المهنية أم الصادرة عن الأمم المتحدة ، يضاف إليها المبادرات الخاصة فيما يتعلق بتنظيم العلاقات الاجتماعية. و هذا ما يستنتج مما جاء في دراسة لمكتب العمل الدولي بتاريخ تشرين الثاني 1998 (منشورة على موقعه الالكتروني www.ilo.org) إذ قال أنه في نظام اقتصادي معولم، يبدو ظهور دور المشاريع و الشركات في الميدان الاجتماعيي و كأنه إنتقال للسلطة من الدولة الأم إلى المشاريع الخاصة و المتعددة الجنسيات، و ينبي بانحدار أثر و أهمية الدولة و المنظمات العمالية المحلية في سوق يتطور بشكل مستمر . و لكن تبقى السيادة لدستور الدولة و قوانينها في الشؤون السياسية الداخلية و المدنية كالاحوال الشخصية و موضوع الجنسية و القضائية و تنفيذ الاحكام الاجنبية.

ثالثا) انعكاس قانون الجزاء الدولي على حصانة حكام الدول و المسؤولين فيها: يتمتع الملوك و الرؤساء و الحكام (على اختلاف تسمياتهم و رتبهم) و بعض المسؤولين في بعض الدول بحصانة يوليها إليهم دستور بلدهم أو القوانين المرعية تحميهم من الملاحقة على الأفعال التي يقوموا بها أثناء ممارستهم لمسؤولياتهم و تنئيهم عن الملاحقات القضائية. و تنتفي هذه الحصانة فور انتهاء مسؤولياته ما لم ينص القانون على خلاف ذلك و ما لم يكن الجرم الملاحق به سياسيا او فكريا. و كان هذا الموضوع عرضة لخلاف بين الفقهاء و الاجتهاد ما زالت آثاره تتفاعل حتى تاريخه. و لئن حسمت اتفاقية روما هذا الموضوع فهي لا تسري إلا على الدول التي ابرمتها. سنعرض هنا على سبيل المثال أربع قضايا و اجتهادات قانونية: قضية الجنرال بينوشيه، قضية العقيد معمر القذافي، قضية الرئيس ميلوسفيتش و قضية الرئيس الأميركي ريغن، ثم نعقب عليها.

1- إن الجنرال التشيلي بينوشيه أتهم بالتعذيب و الخطف و الإبادة أي بتهم يعتبرها القانون الدولي بمثابة جرائم ضد الانسانية و جرائم حرب أي “جرائم تتصل بالمجموعة الانسانية العالمية و التي لا يمكن أن تبقى دون عقاب” كما نصت عليها مقدمة اتفاقية روما تاريخ 17 تموز 1998 المتعلقة بإنشاء محكمة الجنايات الدولية و بنظامها. إن أول طلب لاسترداده جاء من قبل قاض اسباني ثم توالت الطلبات الفرنسية و السويسرية و السويدية. و كان على القضاء الإنكليزي أن يبت بمجموع هذه الطلبات و أن يقر بمبدأ وجود حصانة أو لا و من ثم أن يقبل أو أن يرد طلبات الاسترداد. و لكي ترفض حصانة رؤساء الدول الحاليين و السابقين ارتكزت هيئة اللوردات في قرارها تاريخ 25 تشرين الثاني 1998 على المبادئ المنبثقة عن محاكمات نورنبرغ التي كرست أول مبدأ من مبادئ سقوط الحصانة أمام مبدأ الجريمة في حق الإنسانية.

و لكن بدا من وقائع القضية أنه إذا كان متفق عالميا على وصف الجرائم و طبيعتها، فأن فكرة عولمة القانون من حيث التنفيذ و العقوبات لم تنضج بعد . إذ أنه عوضا من أن يقوم قاض إنكليزي بالرد على طلب قاض اسباني كان من الأنسب أن ينظر في أساس الموضوع قاض دولي (كما جاء فيما بعد في اتفاقية روما) تكون وظيفته الحكم في قضايا الإبادة و الجرائم المرتكبة في حق الانسانية. و بموجب المادة 13 من هذه الاتفاقية تتضمن هذه الاوصاف كل الافعال المرتكبة بشكل منظم جماعي ضد مجموعة من السكان المدنيين و العلم بها. و تشمل السجن و ما يشابهه من أشكال حرمان الحرية الجسدية حسب ما هو متعارف عليه دوليا كالتعذيب و الملاحقات و المضايقات و الإخفاء ، خاصة تلك المرتبطة بأسباب سياسية. في غياب هذه المحكمة و بالقياس لوضعية الملف كمن الحل الأقل سؤا في إجراء محاكمة الجنرال بينوشيه في أوروبا. قانونيا يمكن الاستناد على الصلاحية المبنية على شخصية الضحية و جنسيتها أو بشكل أوسع على الصلاحية العامة. لأن رفض تسليم المتهم يعني عدم العقاب و يشكل تراجعا في مبدأ الجريمة و العقاب الذي يمس المجموعة الدولية.

2- تشبه قضية العقيد معمر القذافي من الناحية القانونية القضية السابقة. فقد أقام أهالي ضحايا طائرة دي سي 10 التابعة لشركة UTA الفرنسية التي سقطت بتاريخ 19/9/1989 نتيجة لإعتداء دعوى أمام القضاء الفرنسي بالنظر لجنسية الضحايا، و اصدرت محكمة الإستئناف الجزائية قرارا بتاريخ 20 تشرين الأول 2000 يقضي بسجن مسؤولين من التابعية الليبية (من قسم المخابرات) لترتب مسؤوليتهما عن تفجير و سقوط الطائرة مما أودى بحياة 170 راكبا معتبرة هذا العمل ارهابيا و مشينا بحق الانسانية. و تمادى القرار في حيثياته ليبحث عن المسؤول الرئيسي عن الفعل ليخلص إلى ملاحقة رئيس الدولة أي الرئيس معمر القذافي عن فعل مرؤوسيه معتبرا أن حصانة الرئيس تسقط عندما يتصف الفعل المرتكب بجريمة دولية تخالف الضمير العالميconscience universelle. و لكن محكمة التمييز الفرنسية في قرارها خالفت هذا الحكم و نقضته فيما يتعلق بملاحقة الرئيس القذافي و اعتبرت أن حصانة رؤساء الدول مصونة بموجب الأعراف و مبادئ المجاملة الدولية comitas gentium التي تحول دون ملاحقتهم أثناء ممارستهم لسلطاتهم ، و اعتبرت أنها تزول بانتهاء مهماتهم و عملهم و بالتالي يمكن عندئذ معاقبتهم.

3- قضية الرئيس ميلوسفيتش و اعوانه: نتيجة للحرب التي دارت في دولة يوغوسلافيا السابقة و نتيجة للانقسام التي حصل في الجمهوريات التي كانت تتألف منها الدولة السابقة و نتيجة للممارسات التي حصلت بحق بعض رعايا الجمهوريات المنشقة ككرواتيا و الهرسك و البوسنة عن الجمهورية الصربية الرئيسية ، اتهم الرئيس الصربي ميلوسيفيتش و بعض جنرالات الجيش الصربي (و بعض رجال الميليشيا و المخابرات) بممارسات لا انسانية و تصفيات جماعية و اغتصاب. و تشكلت محكمة جزاء دولية بقرار من مجلس الأمن عام 1993 لهذا الغرض و وضع لها نظام داخلي و أصول محاكمات ، و من أهم بنود هذا النظام ما جاء في الفقرة الثانية من المادة السابعة التي تنص على أن الصفة الرسمية للمتهم لكونه رئيسا للجمهورية أو للوزراء أو موظفا ذي رتبة أو مسؤولية عالية لا تعفيه من مسؤوليته الجنائية و ليست سببا مخففا للعقوبة. لقد تم القبض على الرئيس الصربي و على المسؤولين العسكريين المتهمين بارتكاب مجازر و احيلوا إلى المحكمة التي تألفت لهذا الغرض و تجلس في لاهاي.

4- قضية الرئيس الأميركي رونالد ريغن: إثر الغارة الأميركية على ليبيا في 15 نيسان 1986 و ما ترتب عليها من قتل و إصابة أكثر من مائتي ضحية مدنية، رفع أهالي ضحايا الغارة دعوى ضد الرئيس الأميركي و المسؤولين العسكريين و المدنيين الأميركيين أمام القضاء الأميركي ، و لكن القضاء الأميركي رد الرعوى متذرعا بتمتع هؤلاء المسؤولين بالحصانة (AJIL , 1990, p 705) .

أن مبدأ حصانة رؤساء الدول و المسؤولين فيها يعود إلى مطلع القرن العشرين عندما كان هذا المبدأ يتلازم مع مبدأ سيادة الدول، و يعتبر أن إخضاع صاحب سلطة أجنبية لسلطة قضائية محلية يعني اغتصاب سلطة أجنبية كما جاء في قرار محكمة الاستئناف الفرنسية تاريخ 23 آب 1870. و لكن هذا المبدأ تعرض لانتهاكات مختلفة. الأول في اتفاقية فيرساي لعام 1919 عندما اتهم الأمبراطور الألماني ويلهلم الثاني في اشعال الحرب و نصت المادة 227 منها على انشاء محكمة جنائية خاصة لمحاكمته، كما نصت المادتان 228 و 229 منها على محاكمة الضباط الالمان و الاتراك على خرقهم قوانين الحرب و اعرافها و على المجازر المرتكبة بحق الشعب الارمني ، و الثاني عام 1945 أثناء محاكمات نورمبرغ المشار إليها أعلاه. و مع تطور مبدأ حقوق الإنسان و حماية القواعد الإنسانية الأساسية بدأ هذا العرش يتزعزع من تحت بعض الملوك و الرؤساء والذين جالوا و صالوا في الاستقواء على شعوبهم و على الأمم الأخرى اثنيا و طائفيا و عنصريا.

و الخلاصة التي توصلت إليها محكمة التمييز في موضوع العقيد القذافي تعرضت بدورها لانتقادات عدة. فقد رأى عدد من الفقهاء أن القواعد العرفية التي كان يبنى عليها مبدأ المجاملة الدولية يسقط عندما يتعلق الموضوع بالنظام العام الدولي المرتبط بالحقوق الأساسية للأنسانية. فما أورده اللورد نيكهولس من بيركنهيد Niccholls of Birkenhead في مرافعته في قضية الجنرال بينوشيه ينطبق تماما هنا. و في هذا السياق يؤكد الفقهاء تيكسييه، غوزي، غونيهيك و باشولييه و غيرهم أنه لا يوجد تعارض بين مبدأ المجاملة الدولية و القانون الجزائي الدولي بمعناه الشمولي، و أنه لا يجوز أن يتعارض القانون الوضعي مع مبادئ عامة أساسية، كما يؤكد في أطروحته السيد دومييه. و على صعيد القانون و الاتفاقيات الدولية فإن مبدأ المجاملة الدولية لا يندرج في عداد القواعد المنصوص عنها في اتفاقية فيينا تاريخ 29/5/1969 المتعلقة بقانون الاتفاقيات و التي تعطي القوة الالزامية للاتفاقيات و القواعد التي تندرج فيها jus cogens. و هذا ما أكدته محكمة العدل الدولية سابقا في قرارها تاريخ 20/2/1969. و هذا ما كرسه الاجتهاد الفرنسي في عدم مرور الزمن على الجرائم المرتكبة بحق الانسانية (تمييز جزائي تاريخ 6/10/1983). كما أن الاجتهاد الفرنسي في اجتهاد شهير (اجتهاد أكوارون jurisprudence Aquarone – مجلس شورى الدولة تاريخ 6/6/1997) رفض تفضيل العرف الدولي على القاعدة الجزائية. و بالتالي فإن حصانة رؤساء الدول و المسؤولين فيها لا تعلو على المبادئ الانسانية الأساسية و تخضع الجرائم المرتكبة بحقها للملاحقة بغض النظر عن المركز الذي يتبوؤنه. أي بتعبير آخر، لا تحصنهم حصانتهم عن الأفعال المرتكبة بحق الانسانية بما يخالف القانون و الضمير الإنساني الجماعي و الشمولي. و لكن موقف القضاء الفرنسي مع تحفظه و تردده أكثر تشريفا من موقف القضاء الأميركي الذي يستعمل مبادئ القانون الدولي الانساني ضد الآخرين ، و يتحصن عندما يتعلق الموضوع بحماية المسؤولين الأمريكيين عن سوء أفعالهم . و لم ينبر الفقه لينتقد قرار القضاء الأميركي. و هنا تبرز بكل أسف ازدواجية المعايير .

و لكن إذا اصبح القانون عالميا او معولما بشكل غير منظور و متقطع، ينبغي التساؤل عن كيفية تطوره و آثاره و عن تقييم حظوظه و مخاطره.

1- المخاطر أولا : لا نعني هنا بصفة خاصة المخاطر الاقتصادية التي ينقسم الأخصائيون حولها، باعتبارهم أن العولمة الآقتصادية يرافقها ازدياد الخلل في التوازن و المساواة الاجتماعية سواء في الدول الغنية أو في معظم الدول الناشئة بما فيها الدول الصناعية الحديثة. و الدليل على ذلك المؤتمرات المتناقضة و التجمعات المضادة التي ترافق اجتماعات منظمة التجارة العالمية. و لا نقصد أيضا المخاطر الثقافية، و فقدان الهوية عبر توحيد المراجع على صعيد المعمورة، و لا نعني بالمقابل مخاطر الانطواء و الصراع الثقافي أي ما يسمى “بصدام الحضارات choc de civilisation ” العزيزة على هنتغتون و ” نهاية التاريخ ” العزيزة على فوكوياما و مضافا إليها ما هو أخطر أي صراع الديانات و التي يكتب التطرف بعض فصولها بكل أسف. و لو اردنا حصرها بالمخاطر القانونية فإن فكرة قانون عالمي مثيرة للقلق. تقلق أولا الحقوقيين الذين اعتادوا النظر إلى القانون من خلال مبدأ السيادة و دولة منشأه، و تقلق المواطنين المنتمين إلى عالم سقطت فيه القيم و المبادئ و لا تحترم بعض الدول الكبرى فيه و المنظمات الدولية أسس الديمقراطية و مبادئ العدالة و المساواة، ثانيا. فكيف نتحدث عن معاقبة دول و رؤساء دول في الوقت الذي تجول اسرائيل و تصول و تحتل أراضي و تصادر ممتلكات و تهجّر سكان و تقتلهم و تغتال دون محاكمة و لا تنفذ قرارات مجلس الأمن و ذلك دون رادع؟ و بالعودة إلى مثال قضية بينوشيه كيف يمكن القبول باسم مبدأ الصلاحية الشمولية compétence universelle أن يقوم قضاة كافة الدول بالنظر و الحكم في جرائم دولية بدون حد أدنى من الضوابط و الضمانات ؟ ضمانات متعلقة بأصول المحاكمات بدئا بحق الدفاع و بضرورة وجود محكمة مستقلة و منصفة و متجردة . فمن مراجعة وقائع هذه القضية، إن الشك في تجرد أحد قضاة الدرجة الأولى هو ما برر قرار مجلس اللوردات الصادر بتاريخ 17 كانون الأول 1998 بإلغاء الحكم الصادر ضد بينوشيه :”the important principle is justice, not revenge “. يضاف إليه ضرورة وجود ضمانات في الأساس أيضا كمبدأ عدم رجعية قوانين العقوبات المتشددة و الأشد وطأة . إن ضعف هذه الضمانات تساهم في خلق ما سماه أحد المعلقين “بعدالة الكاو بوي”. يضاف إليه عدم ضمانة عدم استعمال العدالة الدولية لأسباب سياسية.

في الوضع الراهن لا يكتفى بطرح الموضوع في الحقل الجزائي فحسب، بل إن مجموع قواعد القانون الدولي، أكان جزائيا أو لا، يكاد يقع في خطأ التسلط على حساب النظام الحقوقي الذي يقضي بعدم وجود تناقضات في فكرة العولمة و مسارها و انسجام المعايير المستخلصة منها . و هذا ما يتناقض مع ما يحصل. إن التناقضات كثيرة و شاسعة بين المفهومين الأساسيين للعولمة المعاصرة أي العولمة الاقتصادية من جهة (التي تتميز بتوجه لتوحيد المعايير بشكل مهيمن tendance à l’uniformisation de type hégémonique )، و من جهة أخرى شمولية مبادئ حقوق الانسان universalisation des droits de l’homme التي تواجه بالمقابل خطر الانفلاش و التجزئة.

فمن الجهة الاقتصادية، إن التقنيات القانونية التي تؤدي إلى الهيمنة متعددة بشكل أن كل الدول العظمى ساهمت فيه بدئا بالدول المستعمرة كبريطانيا و فرنسا مرورا بالاتحاد السوفييتي وصولا إلى الولايات المتحدة الأمريكية الآن و لو بشكل مختلف.

أول شكل من أشكال التقنيات القانونية المستعملة هو لا حدودية بعض القوانين extraterritorialité (مطبقة بشكل رئيسي من قبل الولايات المتحدة الأميركية خاصة في الحقل الضريبي و منع الاحتكار). هذه الممارسة التي يمكن أن تبدو مشروعة إذا كان القصد منها معاقبة فعل يترتب عنه آثار مباشرة مهمة في الدولة المعنية و لو أنه ارتكب من قبل أجنبي في بلد أجنبي (كقانون منع الاحتكار) ، تصبح غير مشروعة و مناقضة لمبادئ القانون الدولي في الحالات العادية المطلقة. نذكر على سبيل المثل هنا قوانين الحظر الأمريكية الصادرة عام 1996 التي حرمت التجارة مع كوبا ( قانون هلمس بورتون) و مع ليبيا و إيران (قانون داماتو كنيدي). إن الحظر هذا الذي يرافقه عقوبات يطول الشركات في العالم كله. إن الهدف المعلن من هذه القوانين هو تشجيع ديمقراطية النظام فيما يتعلق بكوبا و محاربة الإرهاب فيما يتعلق بإيران و ليبيا . و لكنه يبدو من الصعوبة القبول بالتفسير و التعليل الأمريكي لهذين القانونين و لآثار أسبابهما على أراضي الولايات المتحدة من وجهة نظرية السببية. فمن الصعوبة دعم القول أن لاستثمار بترولي تقوم به شركة أجنبية (غير أمريكية) في ليبيا أو إيران علاقة بالولايات المتحدة و أن له آثار على أراضيها . في الحقيقة إن هذا النوع من لا حدودية القانون تؤدي بشكل رئيسي إلى عولمة القانون الأمريكي . ناهيك عن القطبة السياسية المخفية .

إن الهيمنة يمكن أن ترتدي ثوبا آخر يتمثل بتصدير قوانين و نظم معينة جاهزة للتطبيق codes clés en mains و حللت عالمة الإجتماع الأمريكية سيلبي هذه الممارسة التي أطلقت عليها تسمية explicit selling و انتقدتها بشدة إذ اعتبرت أنه يمكن تحديد و فرض الشكل الثقافي و الاقتصادي و الاجتماعي لشعب و أمة ما من خلال ايراد النظام القانوني الذي يؤثر على تنظيمها الاجتماعي بأسره و ذلك دون الحاجة لاحتلال الدولة أو للاستثمار في عملية تطويرها الاقتصادي و الاجتماعي . و هذا ما نلمسه في دول الخليج العربي بالإضافة إلى احتلال العراق و فرض نظام و دستور سياسيين.

و من المعلوم بأن العديد من الدول يقوم على جذب المستثمرين من خلال اعتماده تشريعات أكثر تشجيعا و حماية لمصالحها الخاصة. هذا الاستعمال للقانون في خدمة السوق العالمي (الاستثماري) يؤدي إلى أن يصبح أداة لخدمة المصالح المالية بشكل مميز، مع العلم بأن القانون هو من حيث المبدأ أحكام وطنية عامة ملك للدولة التي أصدرته و لو أنها تفضل و تشجع المصالح الخاصة بالمستثمرين. هناك نوع آخر من الهيمنة الأكثر فعالية و تأثيرا ألا و هو انفلات النظام الحقوقي الدولي و ضعفه أمام حاجات السوق العالمي و ظهور مراكز و تجمعات تخضع لقانون السوق و لحاجات رأس المال و متطلباته دون غيره ، مما حدا ببعض المحللين إلى القول بأن السوق (le marche) يحل مكان الأمم و يفرض نفسه على الدول و يصبح قانونا مستقلا.

أما من جهة حقوق الانسان فإن المنهجية مختلفة. و لا يمكن تجاهل بعض المعارضة و الاحتجاج الذي يلقاه الاعلان العالمي لحقوق الانسان لعام 1948 من قبل من يرى فيه نوعا و مظهر آخر من التسلط و الهيمنة الثقافية الغربية. و لكن الاعضاء الثمانية عشر الذين يشكلون هيئة حقوق الانسان ينتمون إلى حضارات متعددة، و بالرغم من بعض التأثيرات الغربية التي نفحها وجود اليانور روزفيلت و رينيه كاسين، فإن النص النهائي لا يعبر عن رغبة تسلط و هيمنة لا بل العكس فإنه يعرض فكرة شمولية عامة تعترف بكافة الثقافات بقدر ما تعبر هي بنفسها و تعترف بالمساواة و العدالة فيما يتعلق بالحق و بالكرامة الانسانية. في الحقيقة إن التعددية في قواعد حقوق الانسان تؤدي إلى مخاطر التشرذم و التفرقة أكثر منها إلى مخاطر الهيمنة و التسلط. و هذا ما يمكن ملاحظته من مختلف التقنيات القانونية و الحقوقية.

أولا : لا يوجد في الاعلان العالمي لحقوق الانسان تفريق أو تفضيل أو هرمية بين الحقوق المدنية و السياسية من جهة و الحقوق الاقتصادية و الثقافية و الاجتماعية، فشمولية حقوق الانسان تستند إلى وحدتها. و تبع هذا الاعلان العالمي شرعتان صادرتان عن الأمم المتحدة عام 1966 تتناول الأولى الحقوق المدنية و السياسية و الثانية تشمل الحقوق الاقتصادية و الثقافية و الاجتماعية و غيرها. و لكن عدد كبير من الدول لم تبرم بعد هاتين الشرعتين. فمنها من يفضل الاولى على الثانية و بالعكس. و هذا ما يؤدي إلى ازدياد الخلاف و التفرقة و تشرذم الحقوق خاصة في غياب وسائل الرقابة و تناقضها. إن آلية الحقوق المدنية و السياسية أكثر تطورا من آلية الحقوق الأخرى. و يمكن استنتاج ذلك على صعيد الأمم المتحدة كما يمكن ملاحظة ذلك على الصعيد الأوروبي. فمحكمة حقوق الانسان الأوروبية تختص في النظر بالقضايا المتعلقة بالحقوق المدنية و السياسية، و لكنها تحاول أن تتناول الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية بطريقة غير مباشرة كفرض وجود محاكمة عادلة و متوازنة بتقديمها مساعدات قضائية و عن طريق رفض التمييز على صعيد الحقوق الاجتماعية. مع العلم بأن إمكانية اللجؤ إلى المحكمة الأوروبية في حال خرق الحقوق المعلن عنها في الشرعة الاجتماعية الأوروبية ما زات مشروعا قيد الدرس.

و ثانيا، يعود هذا التشرذم أيضا إلى ظهور أدوات اقليمية في موضوع حماية حقوق الانسان. إن التوزع الاقليمي ليس متناقضا مع فكرة الشمولية و العالمية بقدر ما يوجد تطابق عام بين النصوص. فالاتفاقية الاوروبية لعام 1950 و الاتفاقية الأمريكية لعام 1969 و الشرعة الأفريقية لعام 1981 و أخيرا الاتفاقية العربية لحقوق الانسان الصادرة عام 1994 تشير كلها إلى الاعلان العالمي لحقوق الانسان. و لكن مقارنة النصوص قد تظهر بعض التناقضات. فمضون الشرعة العربية ذات الطابع الديني يبدو غير منسجم مع مضون الشرع الغربية العلمانية. يضاف إليه غياب أداة و وسائل المراقبة في الشرعة العربية و عدم كفاية مضمون الشرعة الأفريقية.

و أخيرا يوجد طريقة ملتوية تؤدي إلى تشتيت مبادئ حقوق الانسان و هي القيام بتأميمها وطنيا عن طريق وضع تحفظات بوجهها لدى المصادقة عليها و إبرامها. ليس المقصود هنا التحفظات التي تتناول الحقوق الاساسية لأن الغرض من هذه الشرع هي إيجاد قاسم أدنى مشترك من الحرية و حماية الأفراد، أي جميعهم متساوون بالكرامة و الحقوق أينما وجدوا. و يبقى أن يتمكن الفرد من طرح السؤال و عرض الموضوع و هذا غير متوفر في الدول التي لم تقر بحق الفرد بإثارة الموضوع و المقاضاة فيه فرديا. في هذا السياق نذكر بأن الولايات المتحدة واكبت إبرام شرعة الأمم المتحدة المتعلقة بالحقوق المدنية و السياسية بمجموعة من التحفظات و الإعلان عن تفسيرات و اجتهادات خاصة فيما يتعلق بعقوبة الإعدام التي اعتبرت أنها تنطبق على القصار و فيما يتعلق بالتعذيب بقولها أن النص يفسر انسجاما مع الدستور الأمريكي. و ها هي اليوم تطعن بمبادئ حقوق الانسان و الحريات العامة تحت شعار المحافظة على الأمن (قانون Patriot Act و أمر التجسس على المواطنين الأميركيين)

من هنا إن التناقض بين آليتي العولمة الهادفة من جهة إلى شموليتها و من جهة ثانية إلى تفتيتها و شرذمتها يؤدي إلى تناقضات على الصعيد التشريعي normatif incohérences au plan. و هذه التناقضات تنبع أساسا من ظاهرتين: في بادئ الأمر يعود ذلك إلى مصادر التشريع العالمية من كل حدب و صوب أكان المرجع و المصدر عاما أو خاصا أي القوانين الوطنية أو قانون التجار lex mercatoria و هذا ما يعتمده و يطبقه المحكمون الوطنيون و الدوليون. و هذا ما أدى تعايش بين العدالة العامة و العدالة الخاصة كما ذكرنا. بشكل مواز يمكننا ملاحظة أهمية القوننة الخاصة، و انتشار قواعد اللباقة و حسن سلوك المشاريع و الشركات (code de conduite) الذاتية أي الصادرة عن الشركات ذاتها أو التجمعات المهنية أم الصادرة عن الأمم المتحدة، يضاف إليها المبادرات الخاصة فيما يتعلق بتنظيم العلاقات الاجتماعية.

و عندما تتدخل الدول فيكون ذلك على أصعدة تشريعية متعددة تتناقض و تتنافس فيما بينها. فمثل قضية بينوشيه يبرز في الحين نفسه أهمية المحاكم الوطنية و ضرورة الاسترداد أي ضرورة التعاون القضائي الدولي. إن إنشاء محكمة الجزاء الدولية يضع هذا الموضوع في رتبة فوق القوانين supranational دون نكران دور الأخرى لأن مقدمة إنشاء هذه المحكمة تشير إلى أنها مكملة للمحاكم الجزائية الوطنية. و لإكمال الصورة وجب التذكير أيضا بأن الاختصاص يمكن أن يكون موزعا داخليا infranationale إذا أخذنا بعين الاعتبار القوانين الاقليمية الوطنية، أو دوليا أي منبثق عن منظمة دولية أو اقليمية.

2- الحظوظ ثانيا : تكمن الحظوظ في تعددية الثقافات و المراجع الحقوقية. فهي على اختلافها و بالرغم من تناقضها كما ورد أعلاه تشكل عامل غنى ثقافي و حضاري يسمح للانسانية بولوج طريق الوحدة و اللقاء. و بانتظار ذلك و على الطريق تسلك الأخيرة سبيل الحوار المستمر. الم تحقق في طريقها هذا العديد من المكاسب بتوحيدها الكثير من المعايير التقنية و المصطلحات العلمية. الم تتوحد بعض القواعد القانونية مثال اتفاقية فيينا المتعلقة بالبيع الدولي لعام 1980 و اتفاقية روما المتعلقة بعقود التجارة الدولية لعام 1994 و غيرها من اتفاقيات متعلقة بتنفيذ الأحكام و الملاحة الدولية الخ… مضافا إليها شرعة حقوق الأنسان المتفق على مبادئها المختلف على تطبيقها و على محاكمة مخالفيها؟ خير مثال على هذا التفاعل الحضاري و الثقافي القانوني يردنا في نظام محكمة لاهاي الجزائية المؤلفة بقرار مجلس الأمن لعام 1993 المتعلقة بيوغوسلافيا و الذي يتضمن 125 مادة مستوحاة من آفاق قانونية مختلفة: انكلوسكسونية و رومانوجرمانية و غيرها و قد أدلى قضاة من مختلف أقطار المعمورة بدلوهم في موضوع هذا النظام بحيث أنه تعدل لمرات قبل أن يتم إقراره بشكله النهائي كنموذج عالمي. فمبدأ تعددية الثقافات القانونية يقوم على قاعدة حوار و تبادل متوازن و رفض الفكر الأحادي الجانب (نسبة لنظرية الإنسان الأحادي الجانب العزيزة على الفيلسوف ماركوز) بكل ما لهذه الكلمة من معان فلسفية و فكرية و سلطوية كما نوهنا سابقا. و لكن لكي لا تبقى هذه التعددية عرضة للأهواء و تسير بشكل عشوائي، ينبغي أن تتوحد الجهود لتنظيم قواعد الحوار و التفاعل الثقافي و الحضاري و هذا ما دأبت الأمم المتحدة على القيام به في لجانها المتخصصة و قد نتج عنها أعمالا و مقررات و اتفاقيات و نماذج قوانين برسم الدول المنتسبة في حقول مختلفة تؤمن للبشرية تقدما و رخاء. إلا أن الخلل يكمن في زعزعة الاستقرار القانوني الدولي و استفراد دولة عظمى بمقدرات الأمم المتحدة و عدم اكتراثها بعدد من قراراتها و انظمتها و بمبادئ العدالة الدولية مما يزعزع استقرار العدالة الدولية و اسس عولمة القانون.

على الصعيد المحلي ، لقد أخطأ لبنان عام 1998 و في عهد الحكومة التي كان يترأسها المرحوم الرئيس رفيق الحريري في عدم الانضمام إلى اتفاقية روما التي تعنى بمعاقبة الجرائم التي تمس بالانسانية و تنص على انشاء محكمة الجزاء الدولية و التي يحال إليها المتهم عندما يوصف الجرم المثار بموجبها باعتداء على الانسانية. لو كان الأمر كذلك لكنا وفرنا الجدل القائم حول إنشاء محكمة دولية و الشكل الذي ترتديه بعد أن نتأكد من تتطابق وصف الجرائم النكراء و الممارسات التي حصلت في لبنان لعقود خلت مع تحديد اتفاقية روما. و لربما كانت خشية الحكومة اللبنانية في حينه أن يتناقض مضمون هذه الاتفاقية ومنطوقها مع أحكام قانون العفو الذي شمل جرائم و ممارسات ارتكبت اثناء الحرب اللبنانية علما أن الجرائم المرتكبة بحق الانسانية المنصوص عنها في الاتفاقية لا تسقط بمرور الزمن.

إن اللجوء إلى قضاء أجنبي (أو دولي أي غير وطني) للبت في جريمة ارتكبت على أرض وطنية يجب أن ينطلق من ثلاث اعتبارات:

الأول قانوني: ينطلق من طبيعة الجريمة و مكان ارتكابها و جنسية مرتكبها و جنسية الضحية أو الضحايا. و هذا غير متوفر حاليا لأن الجرائم قد ارتكبت على الأراضي اللبنانية بحق لبنانيين أو مقيمين على الأراضي اللبنانيية. و حتى إثبات العكس ينتفي عن الجريمة العنصر الأجنبي الذي قد يدفع أو يؤثر على طابعها و اختصاصها الوطني المحلي lex loci delicti. و هذا ما يفسر محاكمة الرئيس العراقي السابق و أعوانه للجرائم بحق الانسانية المنسوبة إليه و لنظامه على الأراضي العراقية علما أنه لم يحل إلى محكمة الجزاء الدولية لأن العراق لم ينتسب إلى إتفاقية روما. و لم تجري له محاكمة خاصة خارج العراق.

الثاني اجتماعي: يتعلق بالواقع الاجتماعي و البنيوي المحيط بالمجموعة التي ترعى عملية الملاحقة و المحاكمة. و هنا ينبثق موضوع الثقة بالجهاز المولج بمتابعة التحقيق و الاتهام و المحاكمة. و غني عن القول أن الكتاب معروف من عنوانه. فالجزء الأول منه أي التحقيق أوكل إلى لجنة دولية: مما يعني انعدام الثقة بتحقيق وطني ناجز لسببين منفصلين أو متصلين معا. الأول عدم توفر التقنية العالية لتحقيق الغاية منه و الوصول إلى النتائج المرجوة، و الثاني عدم الثقة السياسية بالقيمين على التحقيق أي بتجرد الجهاز الأمني و العدلي و القضائي اللبناني. أو بتعبير آخر وجود تفسيرات مختلفة في معاني الجريمة و اتجاهاتها و مراميها و اتجاهات التحقيق و الجهات المستفيدة منه. علما أن معظم الجهات السياسية قد اعطت نتائج التحقيق و أصدرت أحكامها على المتهمين قبل أن يباشر التحقيق الفعلي .

الثالث: سياسي: إن الاختصاص المكاني يمكن أن يصبح دوليا بناء لقرار من مجلس الأمن عندما يعتبر أن العمل يهدد الأمن و السلام العالمي أو الاقليمي أو عندما يدخل في الموضوع عنصر أجنبي يقضي ذلك. و هذا ما يتوفر في قضية جريمة اغتيال الشهيد الرئيس رفيق الحريري على سياق القرار 1559 و وجود القوات السورية في لبنان على خلفية الصراع الأميركي- الفرنسي – الإيراني- السوري – الإسرائيلي في المنطقة. و هذا ما نقل التحقيق من يد القضاء اللبناني إلى لجنة تحقيق دولية. نتيجة لما سبق و لأسباب مرتبطة باستنتاجات و بديهيات مسبقة نوه عنها تقرير لجنة التحقيق الدولية تسعى بعض الجهات المحلية و الدولية لفرض محاكمة دولية على فرضية وجود مسؤولية عنصر اجنبي في الجريمة لا يمكن استدراجه إلى محاكمة إلا بقرار من مجلس الأمن لعدم امكان استرداده و محاكمته في لبنان. إلا أنه لا يخفى عن بال المطلع الخلاف الفقهي القائم حول الطبيعة القانونية للوجود الأمني غير اللبناني على الأراضي اللبنانية و طبيعة التكليف الصادر عن الحكومة اللبنانية و وضعيته بعد اتفاق الطائف و التعديل الدستوري. و من المنطق القانوني أن تسير الأمور في نفس السياق. أي أن الوصف و التصنيف الذين حتما اللجوء إلى لجنة تحقيق خارجية دولية يقضيان بإجراء المحاكمة بإشراف محكمة دولية (أو ذات طابع دولي كما يحلو للبعض تسميتها مع تحفظنا على هذه البدعة). ذلك لا يعني أن عودة الملف إلى ربوع القضاء اللبناني المشرف غير ممكنة بل مستحبة، و لكن آلية التنفيذ في حالة ثبات وجود عنصر أجنبي بعيد المنال تعيق ذلك. فمن ينفذ الحكم و أين؟ هنا يكمن جوهر الخلاف!

و لا بد هنا من خواطر شخصية و تعليق عام و مع التحفظ لخصوصيات الجرائم التي تهز جوارح اللبنانيين و محبي السلام، لا يخفى في هذا المضمار الطابع السياسي لأي قرار يصدر عن مجلس الأمن بحق أي دولة عندما تنعدم المساواة و تتعدد المعايير خاصة على خلفية النزاع العربي – الاسرائيلي و الاطماع البديهية في حقول البترول العراقية و الإيرانية و السورية و الخليجية و ازدواجية المعايير فيما يتعلق في حقوق الشعوب في استخدام الطاقات المتوفرة لأسباب مدنية (نتذكر ضرب مفاعل العراق و اليوم تلاحق ايران بينما تنام اسرائيل على ترسانة نووية عسكرية و مفاعل ديمونا بدأ بالاهتراء و يشكل خطرا على الجوار)، ناهيك عما ينشر عن مخطط لتقسيم المنطقة طائفيا. و قرارات مجلس الأمن تبدو للبعض و كأنها وسيلة ضغط ليس إلا و ليس الغاية منها إحقاق حق . فقرارات تتراكم و يخفيها غبار التاريخ دون تنفيذ بحق دول مدللة، و قرارات ترتجل و تفرض و يسلط سيفها على دول أخرى لمآرب سياسية مناوئة و أطماع اقتصادية مستقبلية. فرد فعل الشعور القومي سيغلب على طرف من القضية و يطرح السؤال غير القانوني: هل المحكمة الدولية غاية يراد منها إحقاق حق؟ أم حق يراد منه غاية سياسية؟ من جهة أخرى، و الشيء بالشيء يذكر، هل يسمح للعراق بمحاكمة جورج بوش و اركان حربه على أفعال جيشه في العراق و ما ارتكبه في سجونه و قد دخله بدون اية شرعية دولية؟ و هل يقبل بتطبيق اتفاقية جنيف؟ هل من باب يمكن للدول الضعيفة أن تطرقه لتطلب منه العدالة الدولية طالما أن مجلس الأمن بيد الدول العظمى؟ و متى تنتسب الدول التي يشكو منها العالم إلى اتفاقية روما ليمكن محاسبتها؟ و بأي منطق و من أي منطلق نقنع الأصولية و التطرف العقائدي السائد (أو ما يسميه الغرب بالإرهاب) بجدوى مبادئ الحوار و السلام و العدالة الدولية؟ ألا نذكر كيف باءت محاولات ملاحقة رئيس وزراء اسرائيل شارون بتهمة جرائم بحق الانسانية بالفشل أمام القضاء البلجيكي بعد أن قامت الحكومة البلجيكية بتعديل قانونها لتحول دون ذلك؟ أليست العدالة الدولية في النهاية عدالة المنتصر كما جاء في محاكمات نورمبرغ؟

مراجع

BIBLIOGRAPHIE

القطاعات الإنتاجية في لبنان ضحيّة القوانين والمواصفات والإتفاقيات الخاطئة 16-06-2015

Saturday, August 21st, 2021

القطاعات الإنتاجية في لبنان

ضحيّة القوانين والمواصفات والإتفاقيات الخاطئة

(دراسة)

لم يعد خافياً على أصحاب القطاعات الإنتاجية في لبنان على أنّ القوانين التي إعتُمدت والمواصفات القياسية التي أُنزلت والإتفاقات التجارية التي أُبرِمت منذ 1990 تصبّ جميعها في خانة إستهدافها ودفعِها للإقفال. إنها حقاً مؤامرة حيكَت من قبل مؤسسات غربيّة بحجّة مساعدة لبنان على إعتماد الإنفتاح الإقتصادي وسيلةً لغزو منتجاته للأسواق العربية والعالمية بينما الهدف هو فتح الباب واسعاً أمام غزو المنتجات الغربية للأسواق اللبنانية والحلول محل الإنتاج الوطني.
لقد إنطلت على المسؤولين اللبنانيين في وزارات الإقتصاد والصناعة والزراعة والمالية كذبة الإنفتاح والعَولمة وسيلةً لدفع عجلة النمو وإستقطاب الإستثمارات والتكنولوجيا. فجنّدت مؤسسات رسمية أوروبيّة وأميركية محاميات لبنانيات كي تاخذن في الوزارات المختلفة مراكز لوضع قانون حماية الإنتاج الوطني وقانون حماية المستهلك ولإعتماد المواصفات القياسية الأوروبية المستحدثة للمنتجات اللبنانية ولدفع السلطات الجمركية على تخفيض الرسوم الجمركية على السلع المستوردة الى الحدود الدّنيا وتمرير كل ذلك على مجلس الوزراء ثمّ مجلس النواب وإعتمادها كقوانين ملزمة يصعب تعديلها.
لقد مرّ على مفاوضات لبنان للإنضمام الى منظمة التجارة العالمية عشرون سنة دون أن يتعدى عتبة العضو المراقِب بالرغم من إصدار قانون حماية الإنتاج الوطني وقانون حماية المستهلك وتخفيض الرسوم الجمركية الى معدل يقرب من 5%. لم يصبح لبنان عضواً كامل العضوية في هذه المنظمة لأنّ الولايات المتحدة تضغط عليه لكي يُلغي الرسوم الجمركية على ما تبقى من رسوم حمائية لمنتجات قليلة لا يتعدى عددها أصابع اليد الواحدة.
المؤسف المُبكي أنه تمّ تمرير قانون حماية الإنتاج الوطني وقانون حماية المستهلك على مجلس الوزراء ومجلس النواب وتمّت المصادقة عليهما دون أن يدرس لا مجلس الوزراء ولا مجلس النواب هذين القانونين بعناية وبوَحي من مصلحة لبنان واللبنانيين. يكفي أن يكون من أعدّ هذين القانونين جهابظة مُعيّنين من قبل USAID والمفوضية الأوروبية ومدفوعٌ أجرهم من قبل هاتين الهيئتَين الى ما شاء الله.
لو نظرنا الى النتائج التي ترتّبت على هذين القانونين وعلى تخفيض الرسوم الجمركية منذ عشرين سنة وحتى الآن وعلى توقيع إتفاقيات التبادل التجاري الحر لرأيناها تتلخص بالآتي:

  1. إقفال صناعات عديدة كصناعة النسيج والملبوسات والأحذية والأدوية والتوقف عن زراعات كالشمندر السكري والعدس والحمص والفول والتفاح والصناعات الغذائية كالفول المدمّس والحمص بالطحينة وتخفيض إنتاج الألبان ولحوم الدواجن الى ما دون الـ 50% من حاجة الإستهلاك المحلّي.
  2. هجرة الكفاءات والرساميل الى دول أخرى كأفريقيا للإستثمار فيها بدل الإستثمار في لبنان.
  3. هجرة ما يزيد عن عشرين ألف مواطن لبناني سنويّاً ذوي الإختصاصات العُليا والمتوسطة الى خارج لبنان بسبب قلّة فرص العمل فيه.
  4. إرتفاع العجز التجاري الى ما يزيد عن 17 مليار دولار سنوياً مع إنخفاض مضطرد في قيمة الصادرات وخاصةً صادرات الصناعات الغذائية التي كان يعوّل عليها الكثير.
  5. إعتماد لبنان على إستيراد ما يزيد عن 80% من غذائه وبالتالي ضرب سياسة الأمن الغذائي بالصميم وترك لبنان يعتمد على الدول الأخرى لتوفير الغذاء الذي يحتاج إليه بغض النظر عن أسعاره ونوعيّته وحتى توفّره بظل الزيادة المضطردة لعدد السكان في العالم.
  6. إبعاد لبنان عن إمكانية إنتقاله من دولة في طور النمو الى دولة نامية ثم الى دولة صناعية بظل دولة ريعيّة مستهلكة وليس دولة منتجة.

في قانون حماية الإنتاج الوطني

صدر قانون حماية الإنتاج الوطني بموجب المرسوم رقم 1204 تاريخ 18/12/2006 وتمّ نشره بالجريدة الرسمية العدد 14/ في 3/4/2008 وذلك بعد أن وافق عليه مجلس الوزراء في 18/3/2008 وبعد أن كان ألغي المرسوم الاشتراعي رقم 31 تاريخ 5/8/1967 بالقانون الصادر في 8/12/2006 كي يحل قانون حماية الانتاج الوطني محلّه.
إن الغاية من هذا القانون كما هو واضح من عنوانه هو حماية الانتاج الوطني، من منتجات صناعية وزراعية، من المنافسة غير المشروعة التي قد تحصل من منتجات مماثلة مستوردة بصورة مشروعة الى لبنان.

أولاً: حماية الانتاج الوطني تنطلق بموجب المادة 2 من هذا القانون من “تلقي جهاز حماية الانتاج الوطني الشكاوى المتعلقة بمكافحة الإغراق والدعم المتزايد في الواردات التي ترد من الصناعة أو الزراعة المحلية أو من ينوب عنها ويتولى أمر تسجيلها وإتمام عمليات التبليغ والنشر بأي أعمال أخرى وتطبيقاً لأحكام المادة 3 من قانون حماية الانتاج الوطني. ووفقاً لأحكام هذا المرسوم تتولى هيئة التحقيق ادارة التحقيق بأساليب حيادية وموضوعية، وعليها أن تصدر التوصيات اللازمة في كلّ مرحلة من مراحل التحقيق وترفعها الى وزير الاقتصاد والتجارة لانجاز الاجراء اللازم”.
فبينما تنص المادة 2 على أن وزير الاقتصاد والتجارة ينشىء بموجب قرار جهازاً لحماية الانتاج الوطني يرتبط مباشرة بالمدير العام، فإن القانون لم يلحظ كيفية انشاء هيئة التحقيق والتي تتولى كل التحقيقات والدراسات المرتبطة بأي شكوى ترد. وتعود لهذه الهيئة صلاحيات “إصدار التوصيات الخاصة بقبول أو رفض الشكاوى أو حول إتخاذ الاجراءات المؤقتة أو تعهدات الأسعار أو إنهاء التحقيق أو المراجعة، وكذلك قرارات النشر في الجريدة الرسمية خلال 10 أيام من تاريخ رفع التوصية كي يصدر وزير الاقتصاد والتجارة القرارات اللازمة بموجبها” (المادة 13).
إذاً كان من الواجب لحظ كيفية انشاء هيئة التحقيق ودرجة إختصاص المحققين، لما لها من دور هام في التحقيق وإصدار التوصيات.

ثانياً: تنص المادة 4 على انه “تسري الاجراءات والرسوم والتدابير التي تفرض وفقاً لأحكام هذا المرسوم على المنتجات المستوردة التي سجّل بها بيان جمركي”.
يعني ذلك أن حماية الانتاج الوطني بموجب هذا القانون لا تنطبق على المنتجات المهرّبة الى لبنان أو التي تمر عبر المعابر الشرعية دون بيان جمركي. وبالتالي فإن هذا القانون لا يحمي الإنتاج الوطني حماية كاملة بل منقوصة نقصاً فادحاً، خاصّة إذا ما علِمنا بالتجاوزات الحاصلة في المعابر الشرعية وغير الشرعية.

ثالثاً: إن التحقيقات في أي شكوى منوطة بما سمّته المادة 5 “بالمصلحة الوطنية العامة التي تأخذ بعين الإعتبار مصلحة الصناعة أو الزراعة المعنيّة، ووضع المنافسة المحلية للمنتج موضوع التحقيق وحاجات المستعملين الصناعيين أو الزراعيين ومصالح المستهلكين”.
إذاً فشكوى الصناعيين أو المزارعين لا تعني بالضرورة أن يُؤخذ بها. ولا ندري من يقرر الأخذ بها ومن يقرر المصلحة الوطنية العامة. هل هي هيئة التحقيق أم جهاز حماية الانتاج الوطني أم وزير الإقتصاد والتجارة أم مجلس الوزراء؟

رابعاً: تنص المادة 11 من القانون أنه “لا تعتبر الشكوى المقدمّة من الصناعة أو الزراعة المحلّية أو من ينوب عنها إلاّ إذا كانت نسبة المُنتجين المحلّيين المؤيّدين للشكوى تشكل أكثر من 50% من إجمالي إنتاج المنتج المماثل من الصناعة أو الزراعة المحلية الذي أيّد الطلب أو عارضه، وعلى أن لا تقل نسبة المنتجين الذين يؤيدون الشكوى عن 25% من إجمالي إنتاج الصناعة أو الزراعة المحلية من المنتج المماثل”.
ذلك يعني أن مجرّد قبول طلب الشكوى يقتضي إثباتاً يصعب إقراره من الجهة المقدّمة للشكوى أو من جهاز حماية الإنتاج الوطني المتلقي للشكوى، وبالتالي يصبح عرضةً للتأويل والأخذ والرّد، خاصةً وأنّ إحصاء الإنتاج على صعيد الوطن لأي مادة ليس بالأمر السهل وكذلك إثبات عدد المنتجين لهذه المادة.

خامساً: تعطي المادة 22 من القانون هيئة التحقيق مهلة تتراوح بين 60 و 120 يوماً لإجراء تحديد أوّلي لثبوت الإغراق أو الدعم والضرر أو الضرر البالغ. وتعطي المادة 23 الهيئة مهلة 120 يوماً إضافية لإجراء تحديد نهائي لثبوت الإغراق والدعم والضرر. كما تعطي المادة 26 الهيئة مهلة قد تصل إلى ثمانية عشر شهراً من تاريخ بدء التحقيق كي تُنهي إجراءات التحقيق.
هذا يعني أنّ على مقدّم الطلب إنتظار مدة قد تصل الى ثمانية عشر شهراً لمعرفة قرار هيئة التحقيق النهائي. وفي هذه الأثناء وبموجب المادة 6 “لا يجوز عرقلة إجراءات التخليص الجمركي للمنتج موضوع التحقيق” وبالتالي فإنّ المستورِد قد يلجأ إلى زيادة مستورداته من ذات المنتج وتخزينها مستفيداً من الرسوم المخفضّة قبل صدور قرار بزيادتها.

سادساً: إنّ إجراءات التحقيق الواردة في الفصلين الرابع والخامس والتي تشمل تحديد الإغراق وتحديد الدعم وإثبات الضرر والتهديد بإحداث ضرر والتأخير في إقامة الصناعة أو الزراعة المحلية جراء الإغراق أو الدعم هي في الواقع إجراءات بالغة التعقيد تستوجب جمع قدر كبير من المعلومات من البلدان المصدّرة إلى لبنان والتي قد لا تتوفر بصورة صحيحة تماماً، الأمر الذي يمكن أن يدعو هيئة التحقيق إلى إلغاء طلب التحقيق وإغلاق الملف وبالتالي إبقاء الإستيراد على مستواه الذي ينافس ويؤثر بالإنتاج المحلي.
ثمّ إنّ المواد 83 و 84 و 85 تحدد إمكانية إلغاء الرسوم التعويضية بعد وضعها بمدة سنة إذا ما رأت الهيئة مبرراً لذلك، وفي جميع الحالات لا يجوز أن يتعدى فرض الرسوم التعويضية مدة خمس سنوات على أي منتج.
ذلك يعني أنّ الحد الأقصى لهذا الإجراء الحمائي هو خمس سنوات وهي مدة قصيرة لا تحفّز المستثمرين في تحديث منشآتهم ولا في إحياء مشاريع صناعية وزراعية جديدة كون الدعم أو الإغراق سوف يُستأنف بعد هذه المدة.

سابعاً: قد تكون الإجراءات الوقائية من التزايد في الورادات والمنصوص عنها في الفصل السادس من قانون حماية الإنتاج الوطني هي الأكثر فاعلية والأسهل من المنتجات المستوردة إلى لبنان.
ذلك أنّ هيئة التحقيق تعتمد على المعلومات والإحصاءات المتوفرة في لبنان لإتخاذ توصيتها بوضع قيود على الكميات المسموح إستيرادها أو وضع رسوم جمركية، إضافةً للرسوم المعمول بها على المنتج موضوع التحقيق. ثم إنّ مدة سريان التدابير الوقائية بموجب المادة 95 هي ست سنوات يجوز تمديدها إلى عشر سنوات. وهذه المدة، خلافاً للرسوم التعويضية، هي كافية لحماية الإنتاج المحلي كي يحدِّث منشآته ويخفّض من كلفة إنتاجه ويحسّن نوعيته.
ومع أن هذه الإجراءات تسري على المنتجات التي يزداد حجم إستيرادها إلى لبنان، فإنه من الطبيعي أن يحصل ذلك لكل منتج منافس بإسعاره للمنتجات المماثلة في لبنان إن كان ذلك نتيجة لإجرءات إغراقية أو لدعم إنتاجه في بلد المنشأ.

مع أنّ قانون حماية الإنتاج المحلي لا يشير إلى الإتفاقات الإقتصادية المبرمة مع دول أو مجموعات فإننا نستنتج أنّ تطبيق أحكامه يسري على كل الدول بغض النظر عن الإتفاقات المبرمة ونرجو أن يكون كذلك.
إننا ننادي المسؤولين وعلى رأسهم وزير الإقتصاد والتجارة ووزير المالية ورئيس مجلس الوزراء بإعتماد رسوم جمركية فاعلة على كل المنتجات المستوردة والتي يمكنها أن تنافس مثيلاتها من المنتجات المحلية أو تلك التي يمكن أن تنتج في لبنان إذا ما كانت محميةً حماية جمركية كافية وذلك قبل وشريطة دخول لبنان بمنظمة التجارة العالمية. ذلك أنّ أفضل وسيلة لتحفيز الإنتاج المحلي وتخفيف حجم الإستيراد تكمن في الحماية الجمركية الثابتة بدلاً من اللجوء إلى الإجراءات المعقّدة من جهة والآنية من جهة أخرى لقانون حماية الإنتاج الوطني. وإذا إعترضت بعض الدول الشركاء في منظمة التجارة العالمية على التعرفات الجمركية الفاعلة وبالتالي لم توافق على دخولنا المنظمة فليكن والأحرى بنا البقاء خارجها لأنّ لا مصلحة للبنان بدخول المنظمة إلاّ بالرسوم الجمركية المرتفعة نظراً لأنّ صادراتنا هي متواضعة نسبة لحجم إستيراداتنا ويصعب زيادتها بسبب إرتفاع كلفة إنتاجنا في لبنان.
أمّا إذا إختار المسؤولون دخول منظمة التجارة العالمية برسوم جمركية منخفضة ترضى عنها الدول الأعضاء / الشركاء كي يصبح لبنان عضواً فإنه يتوجب على وزير الإقتصاد والتجارة إعتماد التدابير الوقائية النهائية المنصوص عنها في قانون حماية الإنتاج الوطني إعتماداً مفرطاً من أجل حماية الإنتاج الصناعي والزراعي في لبنان وعدم اللجوء إلى فرض رسوم مكافحة الإغراق أو الرسوم التعويضية التي تأخذ وقتاً طويلاً لإقرارها وبسبب قصر مدة صلاحيتها.

في قانون حماية المستهلك

منذ وُضِع قانون حماية المستهلك موضع التنفيذ في 4/2/2005 إنكّبت الهيئات الاقتصادية والصناعية والتجارية على دراسة مواده بدقة وخلُصت إلى أنّ القانون جائر جداً يقتضي التوقف عن تنفيذه والعمل الجاد على تعديله.
وهنا لا بدّ من التأكيد على ضرورة التعاون مع وزارة الاقتصاد للخروج بقانون لحماية المستهلك يؤكد على حمايته والمحافظة على مصلحته لكن بالتزامن مع المحافظة على مصلحة المحترف والمصنع والتاجر وعدم إعتبار المستهلك مستهدفاً بينما مؤدّو الخدمة مجرِمون إلى أن تثبُت براءتهم. ففي الحصيلة النهائية إن الأطراف المذكورة هم مواطنون شرفاء همُّهم العيش الكريم.
يتميز هذا القانون بإعطائه صلاحيات واسعة ومطلقة لأفراد مديرية حماية المستهلك من مراقبين ومعاونين وأفراد الضابطة العدلية في مداهمة المحلات والمستودعات ومصادرة البضائع وأخذ عينات وكتمان أوراق. إن مضمون ملاحظاتنا التفصيلية على القانون هي التالية:
أولاً: إن روح القانون مبنيّة على أنّ المحترف والمصنّع لا بد وأنهما يبغيان غشّ المستهلك في كل تصرفاتهما، وعليه وجبت حمايته من عبثهما والعمل الجاد على كشف الغشّ الذي لا بدّ وأنه مخبّأ في مكان ما. هذه هي القاعدة أمّا الإستثناء فهو الفشل في كشف الغش وليس نيّة المحترف والمصنّع لخدمة المستهلك والعمل الشريف لكسب الرزق الحلال.
من هنا جاءت العقوبات في الفصل الخامس عشر جائرةً لا تترك للخطأ غير المتعمّد مجالاً بل تعاقب المحترف والمصنّع أقصى درجات العقوبة لا توازيها إلاّ جرائم التعدّي والسرقة.

ثانياً: لقد وضِعت الصيغة الأولية لقانون حماية المستهلك فـي عهد الوزير المرحوم باسـل فليحان ولم يتضمن المشروع في ذلك الوقت أياً من عقوبات السجن المجحفة التي وردت في القانون الذي أقِرَّ لاحقاً. ومّما قاله الوزير فليحان خلال مناقشته للصيغة الأولية للقانون “… إنني لا أرضى أن يُسجن أيّ من الناس فهذه الصيغ مرفوضة لدي …”، لكن فوجئنا بصدور قانون حماية المستهلك وبالعقوبات المجحفة بالسجن من ثلاثة أشهر إلى عدة سنوات بالإضافة إلى عقوبات بالملايين لا تُحتَمَل لا في الظروف العادية للسوق ولا في يومنا هذا، ومختلف القطاعات الإقتصادية في لبنان تتكبّد الخسائر الكبيرة بسبب الأزمة الخانقة التي نعاني منها.
إنّ مبدأ فرض عقوبات بالسجن في القانون المذكور، وخاصةً في الظروف الحالية التي تتعرض لها إدارات الدولة وأجهزتها والسلك القضائي للمساءلة والإتهامات بالفساد من مختلف النواب والسياسيين، يوحي بعدم الإطمئنان إلى حسن تنفيذ هذا القانون. وعليه فإننا نطالب بإلغاء عقوبة السجن من هذا القانون وإعادة النظر بمقدار الغرامات.

ثالثاً: إنّ مثل هذه العقوبات ستخيف المحتـرف وتجعله يتردد في التعاطي بالمواد الغذائية، والتي هي الأكثر إستهدافاً بهذا القانون. لا بل ستجعله أكثر إطمئناناً للتعاطي بالمواد الغذائية المستوردة على حساب المواد الغذائية المنتجَة محلياً لأنه يعلم بقرارة نفسه أنّ المحاسبة سوف تكون أسهل على المنتجات المحلية كون المصنّعين في متناول اليد، بينما مصنّعي المستورَد هم خارج الحدود اللبنانية ويصعب الوصول إليهم. ناهيك على أنّ إمكانية المحترف للدفاع عن نفسه في حالة إكتشاف مخالفة لمنتج مستورد تصبح أكبر لأن حجّته ستكون أقوى بأنه هو وسيط بيع وليس مصنِّعاً وبأن المواد المصنّعة دخلت لبنان بعد مرورها على أجهزة الرقابة المختصة وحصلت على موافقتها فأين مسؤوليته؟ وهنا لا بد من فصل مسؤولية المستورد عن مسؤولية البائع.
رابعاً: إن المادة 8 لا تحـدد المخالفـات علـى المواد الغذائية غير الموضّبة وتتركها إلـى إجتهادات مراقبي مديرية حماية المستهلك. كما أن المخالفات في هذه المواد غير مشمولة في الفصل الخامس عشر – العقوبات.
إنّ هذا الأمر سيشجع المحترف اللبناني للتعاطي بالمواد غير الموضّبة والتي لا تحمل إسم المصنّع ولا تاريخ الإنتاج والصلاحية. وعلى هذا، فإن القانون سيعيد المساءلة إلى الوراء ويعيد لبنان إلى أوائل القرن الماضي بالتعاطي بالمواد الغذائية. كما أنه سيخيف المصنّع من توضيب إنتاجه ويشجعه على بيعه غير موضّب.
 
خامساً: إن نص المادة 11 – في الإعلان الخادع – غير محكوم بضوابط واضحة وهو يترك العنان لاجتهاد مراقبي مديرية حماية المستهلك.
 
سادساً: إن إمكانية المخالفات الواردة في الفصل الثالث عشر – معاينة المخالفات – من المادة 71 إلى 81 لا تحدد بصورة واضحة كيفية أداء مهام مراقبي مديرية حماية المستهلك.

  1. هل ستتم بواسطة تكليف خطي لدى كل معاينة بذاتها أم لهم الحق فـي المعاينة كما يشاؤون؟
  2. مـن يكلّف الموظفين المختصين فـي الوزارات الأخرى للقيام بمهام المعاينة ولمن يتم تسليم تقاريرهم؟
  3. لماذا لحظت المادة 74 وضع السلعة المشتبهة حتى 45 يوماً تحت الحجز بينما يمكن الحصول على نتائج معظم التحاليل خلال أسبوعين؟
  4. لحظت المادة 77 إنه يجوز الإستغناء عن التحاليل المخبريّة في حال كان الغشّ أو التقليد واضحاً. هذا الأمر خاضع للإجتهاد الشخصي من المراقب.

سابعاً: ذكر القانون فـي مواده 9، 14، 47، 79 أنّ وزير الاقتصاد سيصدر قرارات أو يقترح إصدار مراسيم من مجلس الوزراء بغية تنفيذ جوانب عدة من القانون.
كما لحظت المادتين 39 و 40 على أنّ المجلس اللبناني للإعتماد سيحدد المختبرات ووكالات الإعتماد ومكاتب المراقبة المحلية والدولية وكذلك شروط منح مؤسسات علمية صلاحية إصدار شهادات المطابقة تنفيذاً لقانون حماية المستهلك.
إنه بغياب كل المراسيم والقرارات المذكورة يصبح تنفيذ القانون شبه مستحيل، وعليه انتظار صدور المراسيم والقرارات قبل البدء بالتنفيذ وليس في أول شباط 2005 كما أعلنت وزارة الاقتصاد.
 
ثامناً: إنّ الفصل الخـامس عشـر – العقوبات – لم يحدد المسؤول الذي تقع عليه عقوبـة السجن. هل هو مدير قسم الإنتاج في المصانع أو مدير المبيعات لدى المحترف أم تقع عقوبة السجن على مدير عام المؤسسة أو الشركة أو رئيس مجلس إدارتها؟
 
تاسعاً: إن العقوبات مـن حبـس وغرامات مدداً ومبالغ واسعـة الطيف وتترك مجالاً كبيراً لمزاج القاضي وقناعاته بدل أن تكون أكثر حصراً أو أكثر تفصيلاً.

عاشراً: توزيع الغرامات بموجب المادة 128 تجعـل مـن القضاء ومديرية حماية المستهلك طرفان منتفعان من تحديد المخالفات والعقوبات، الأمر الذي يحفز الطرفان لإستخدام أقصى المعايير في تحديد المخالفات وأقصى العقوبات.

حادي عشر: لم تلحظ المادة 41 ضرورة الإحتفاظ بعيّنة رديفة للعينة التي أُرسلت للفحص ولا مكان حفظها حتى يُعاد الفحص في حالة الاختلاف على النتائج أو لزيادة التأكيد منها.

ثاني عشر: أعطت المادة 55 المستهلك حق إعادة السلعة المشتراة بعد مدة أقصاها عشرة أيام شرط ألاّ تكون قد تعرّضت لسوء الحيازة لديه. إنّ مثل هذا الحق يترك مجالاً واسعاً للمستهلك بإعادة سلع تلفَت وخاصةً إذا كانت مواداً غذائية، دون إمكانية إتهامه بإهمال حفظها.

ثالث عشر: تعطي المادة 81 مديريـة حماية المستهلك حـق إحالـة المحاضر إلى النيابة العامة مباشرةً وبذلك فإنّ صاحب العلاقة قد لا يستفيد من حق طلب تحقيق أو تحليل إضافي كما أعطته ذات المادة هذا الحق.

رابع عشر: إنّ الإعلان عن الثمن بالليرة اللبنانية، كما جاء بالمادة 5، يكون ممكناً وعادياً في ظل إستمرار الإستقرار النقدي. أمّا فـي حال إنخفاض سعـر الصرف بدرجة كبيـرة (كما حصل في السابق) فإن التشدّد في تطبيق هذه المادة سيؤدي إلى خسائر كبيرة للمحترف. كما أنه يوجد لغط كبير لجهة القياس الرسمي للأوزان والأحجام كما تبيّن من أوزان السلع الموضّبة من مشتقات الحليب كالأجبان والألبان.

خامس عشر: يصعب وضع بلد المنشأ، المذكور في المادة 7، على عدد كبير من السلع مثل الأدوات المنـزليـة والخرضـوات والألعاب إذ أن المـورّد يكتفي بوضع بلـد المنشأ (وخاصة الصين) على الصندوق الخارجي وليس على السلعة نفسها. وسيتسبّب وضع لاصقات من قِبَل المحلات أو التجار بكلفة إضافية يدفع المستهلك بالنهاية ثمنها.

سادس عشر: إعتماد اللغة العربية بموجب المادة 9. إنّ عـدد كبير مـن السلع تكون ملصقاتهـا بالفرنسية أو الإنكليزية وليس للتجار القدرة على وضع ملصقات بالعربية على كل السلع وهي بمئات الآلاف. كما أنّ هذا التقييد يؤدي إلى إستحالة استيراد بضاعة إلاّ عن طريق الوكيل الذي يكون عادةً الوحيد القادر على طلب بضاعة مع ملصقات بالعربية، ممّا يقلل المنافسة ويرفع الأسعار في السوق.

سابع عشر: نصّت المادة 67 من هذا القانون على تأسيس جمعيات المستهلك وأهدافها وصلاحياتها المطلقة، ممّا أكسبها حصانة معنوية لم تعطَ لأي دائرة رسمية من قبل لا سيّما في إعداد برامج إعلانية وإصدار نشرات والبث عبر وسائل الإعلام وتقديم الإستشارات والتقاضي بإسم المستهلكين وإقامة الدعاوى وذلك بدون أن تحدّد هذه المادة أي ضوابط لهذه الأعمال. ذلك يعني أنّ باستطاعة إحدى جمعيات المستهلك أن تنشر خبراً غير دقيق عن إحدى الشركات، أو أحد التجار، ممّا يؤدي إلى التشهير به حتى الوصول إلى مقاضاته وأن تخرج من أي محاكمة بدون مساءلة أو حتى تعويض على الشخص المتضرر البريء لعدم وجود نص في هذا القانون يحمِّلها تبعات أعمالها الخاطئة في حال حصل ذلك.
وإن تطبيق قانون الجمعيات على جمعيات المستهلك كما نصت المادة 68 هو خير دليل على صحة كلامنا. ذلك أنّ أقصى عقوبة ممكن أن يحكم على جمعية هي حلّها ومصادرة أموالها مهما بلغت، أي ممكن وبكل بساطة أن يكون هناك قرش واحد في صندوق هذه الجمعية مع الأخذ بعين الإعتبار أنّ موارد معظم الجمعيات تكون من التبرعات. فمن يعوّض التاجر المشهر به بعد إثبات براءته وخسارته؟
لذلك نقترح إعادة النظر بهذا القانون لهذه الجهة أيضاً وعبر إضافة نص خاص يمكّن التاجر أو المحترف من خلاله مقاضاة جمعيات المستهلكين عن أي خطأ من هذا النوع صادر عن أي جمعية كانت وعن أفرادها وأعضائها بالتكافل فيما بينهم لأي عمل من شأنه الإضرار بمصالح التجار والمستثمرين.

تحليل بعض مستوردات لبنان وإمكانية تخفيضها

في محاولة لتبيان المواد التي يمكن إنتاجها في لبنان بصورة سريعة تقريباً سعياً لزيادة الإستثمار ولتوفير فرص عمل للّبنانيين، تبيّن أنّ المواد الواردة في الفصول التعريفيّة الجمركيّة التالية هي القابلة لمثل هذه المحاولة:

الفصل الجمركي نوع المنتج قيمة مستوردات 2014 بملايين الدولارات تقدير قيمة الإنتاج المحلي الممكن منها بملايين الدولارات
4 ألبان ومنتجاتها 402 321
7 خضار 147 132
8 فاكهة 159 135
10 حبوب 361 289
16 محضرات لحوم وأسماك 116 93
17 سكر ومصنوعاتها 165 148
18 الكاكاو ومحضراته 96 67
19 محضرات حبوب ودقيق 244 220
20 محضرات خضر وثمار وفواكه 89 80
21 محضرات غذائية متنوعة 203 183
22 مشروبات كحولية 132 79
25 اسمنت وملح وكبريت 135 95
30 منتجات الصيدلة 1,141 913
34 صابون ومحضرات غسيل 138 124
39 لدائن ومصنوعاتها 695 347
48 مصنّعات ورقية و كرتونية 297 208
57 سّجاد وأغطية أرضية 30 24
58 نسج ومطرزات 31 23
60 أقمشة مصنّرة 30 23
61 البسة مصنّرة 203 183
62 البسة غير مُصّنرة 305 183
63 أصناف أخرى نسيجية 55 39
64 أحذية 147 103
69 منتجات خزفية 226 170
70 زجاج ومصنوعاته 125 94
73 مصنوعات من حديد صب 236 189
74 نحاس ومصنوعاته 109 76
76 المونيوم ومصنوعاته 205 154
82 عدد وأدوات من معدن 47 28
83 أصناف متنوعة من معدن 85 68
85 الآت وأجهزة كهربائية 922 553
96 مصنوعات متنوعة 98 69
98 الأثاث والأدوات المنزلية 11 7
المجموع 7,385 5,420

تشكل قيمة المنتجات الممكن إنتاجها في لبنان للحلول محل بعض المستوردات 5,4 مليار دولار من أصل 7,4 مليار دولار أي 72% من ذات المنتجات. تحتاج هذه المنتجات إستثمارات لإنتاجها تُقدّر بخمسة مليارات دولار ويمكنها توفير خمسين ألف فرصة عمل جديدة.

الخلاصة

على المسؤولين أن يعوا أنّ ضياع 25 سنة في متاهات فزلكة العَولمة وإقتصاد السوق قد جعلت من لبنان بلداً مستهلكاً غير منتج. ثمّ أنّ فرضية أن لبنان هو بلد سياحي منفتح ثبُت فشلها بظل الأزمات الأمنيّة المتلاحقة فخسرنا السياحة وخسرنا الإنتاج.
عليهم أن يُعيدوا النظر بكل السياسات العقيمة التي إعتمدوها وأن يلجأوا الى إعتماد رسوم جمركية فاعلة على كل المنتجات المستوردة والتي تنتج أو يمكن أن تنتج في لبنان.
عليهم أن يوقفوا العمل بكل إتفاقيات التبادل التجاري الحرّ وإتفاقية اليورو متوسطية وإتفاقية المنطقة الحرة العربية ويعتمدوا مبدأ حرية التجارة والمتاجرة بدل تكبيل لبنان بإتفاقيات تبادل حرّ كون الأخيرة تجعل من لبنان بلداً مستهلكاً. لا بأس إذا ظلّ لبنان خارج منظمة التجارة العالمية لأنه لم يستفد ولن يستفيد من تخفيض الرسوم الجمركية تخفيضاً قاسياً لمراعاة شروط أعضاء المنظمة، بل توقّف عن تطوير قطاعاته الإنتاجية وقام بتصدير كفاءاته وطالبي العمل والرساميل الى خارج لبنان.

المهندس موسى فريجي

mfreiji@tanmia.com.lb

mfreiji@tanmia.com.lb

بيروت في 16/06/2015

حق الانسان المدني الشخصي

Saturday, August 21st, 2021

حقوق الانسان المدنية الشخصية الأساسية

يتكاثر الحديث قولا و فكرا و كتابة مؤخرا عن حقوق الانسان. و يلقى هذا الموضوع رواجا و اهتماما بسبب يقظة الشعب العربي و انتفاضته هنا و هناك على أنظمة حكم لا تشكل بالنسبة إليه المثل الأعلى و الهدف المنشود. و يربط هذا الموضوع عادة بقضية الديموقراطية و الحريات العامة و بأصول المبادئ العامة لحقوق الانسان التي انبثقت مع فجر عصر النهضة في الشرق و الغرب في مواجهة الملكيات و السلطات الزمنية و الدينية المتسلطة و سوء ممارستها لنفوذها حينئذ و طغيانها على شعوبها. و قد لاقت هذه المبادئ تطبيقها العملي بعد الثورة الفرنسية و فترة التخبط و الفوضى التي تميزت بها، ثم تكرست بمثابة حقوق أساسية في الإعلان الصادر الصادر عن الثورة الفرنسية و في الإعلان العالمي لحقوق الانسان المنبثق عن الأمم المتحدة و ألحق في شرعة الأمم المتحدة.

و ما يهمنا في هذه الدراسة هو تناول جانب أساسي من حقوق الانسان ألا و هو حقوق الانسان المدنية الخاصة أي التي تتعلق بذاته و بشخصه و بجسده و ما يتفرع عن ذلك من نقاط سنعرض لها بالتفصيل فيما يلي. و موضوع حقوق الانسان الشخصية الأساسية الخاصة هذا قلما تم التطرق إليه فكرا و فقها و قانونا في لبنان و العالم العربي. فقد غلب الطابع السياسي و موضوع الحريات العامة على هذا النقاش. و في غياب قانون مدني موحد يعرض لمبادئ حقوق الفرد الشخصية و يحددها بشكل مباشر و يتناول الحقوق الأساسية للمواطن، كما هو الحال في القانون المدني في فرنسا و في التعديلات الدستورية في الولايات المتحدة مثلا، نجد بشكل مبعثر هنا و هناك (في قانون العقوبات أو في قانون الموجبات و العقود و في بعض قوانين الأحوال الشخصية و غيرها من القوانين التي تعنى بجوانب مختلفة من بعض الحقوق كالملكية الفكرية و البيئة و حماية المستهلك و قانون حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة و قانون العقوبات) بعض المواد و القواعد التي تمنح جانب من بعض هذه الحقوق أو تحميها أو تعاقب بعض التعديات عليها. و قد عمل الاجتهاد على ملء بعض من هذا الفراغ.

لذلك سنقوم أولا بعرض حقوق الانسان الشخصية و ثم نتعرض لمصادرها و تاريخ نشأتها ثانيا. و في هذا السياق نتعرض ثالثا للإشكاليات الأدبية و الدينية و التاريخية التي يثيرها هذا الموضوع. ثم نقدم رابعا المدارس الحقوقية التي تعتبر مصادر القانون المدني و حقوق الإنسان على إختلاف مناهجها. ثم نستعرض خامسا نبذة عن هذه المبادئ كما هو متعارف عليها في القانون الدولي. كما نتناول سادسا الحقوق التي تعرض لها القانون و الاجتهاد و طريقة معالجتهما لبعض المشاكل و الثغرات التي تعترض المواطن بمواجهة هذا الموضوع. و لكن البحث لن يكتمل ما لم نتطرق في بند سابع إلى كيفية تطبيق هذه الحقوق و الادعاء بها، و من هي الجهة التي يحق لها التذرع بهذه الحقوق في بند ثامن. و في البند التاسع و الأخير نعرض لنتائج قوننة هذه الحقوق. في الختام يبقى أن كل نظام قانوني و مبدىء أخلاقي و حقوقي لا قيمة لهما ما لم يلقيا طريقهما إلى التطبيق العملي.

أولا: ماهية مشروع قانون حقوق الانسان اللبناني المدنية الشخصية و عناصره:

أن إدراج هذه الحقوق في نظام قانوني موحد يجعل من التعدي عليها فعلا، إداريا أو تعاقديا باطلا حكما لتعارضها مع النظام العام و بالتالي يكون لهذه الحقوق مفعول حمائي وقائي سابق و هذا ما ينسجم مع روحية الدستور و المعاهدات و المواثيق الدولية التي وقع عليها لبنان، و ليس مفعولا علاجيا بعد أن يحصل الضرر لأنه لا يحق للغير تناول خصوصيات و حقوق الفرد دون موافقته المسبقة. و عليه نقترح أن تدرج هذه الحقوق في مواد قانونية بشكل قانون مدني (يمكن أن تكون في صلب قانون الموجبات و العقود مثلا) كما يلي:

1) حق الانسان في الحياة

و يشمل هذا الحق حق الانسان في الحياة و الإغاثة و الإعانة ، و الطفل بالولادة و ما يتفرع عن هذا الحق العام من حقوق تحمي الحياة. و منع التعدي على الجنين في بطن إمه مما يستتبع عدم جواز الاجهاض إلا في حالات مبررة طبيا أو أخلاقيا و مع إحترام إرادة الأم.

2) حق الانسان المدني:

و يترتب على ذلك التمتع بكافة الحقوق التي ينص عنها الدستور و الحقوق و الموجبات المدنية بما تشمل من الحق بالجنسية و التملك و الزواج و البنوة و الميراث و كافة الحقوق التي تنص عليها القوانين الوضعية

3) حق الانسان بالعدالة و المساواة بين المواطنين أمام القضاء مع تكريس مبدأ أن المواطن برئ حتى تثبت إدانته:

يترتب على هذا الحق أنه لا يحق توقيف أي مواطن إلا بموجب القانون و في حالاات محددة و لمدة معقولة. و يترتب على كل تعسف تعويض لصالح الموقوف تعسفا.
كما أنه يحق لكل مواطن الحق بالدفاع و بعدالة وطنية منصفة، سريعة و مجانية و هذا ما ينص عليه قانون أصول المحاكمات.

4) حق الانسان على اسمه:

إن إسم الانسان (أكان إسم العائلة أو الأسم الكامل أو الأسم الفني المستعار الذي كونه الفرد شهرة أو مكانة عملية أو إجتماعية أو فنية أو علمية) يمثل له قيمة و أهمية في حياته و بعد مماته له و لمن له حق من بعده.

5) حق الانسان على جسده :

إن موضوع جسد الانسان متشعب و يشمل قضايا مختلفة منها ما يتعلق بحق الإنسان بجسده و حريته التصرف به دون التعرض لسلامته الجسدية، و منها ما يعاقب عليها في قانون العقوبات و منها ما ورد في إتفاقيات دولية و منها ما يستنتج من اجتهادات المحاكم. و يستتبع ذلك مجموعة من الحقوق الفرعية. و يمكن فرد أبحاث لهذا الموضوع لحساسيته. و لكنني سأختصر النقاط الأساسية التي يشملها هذا البند:

– حق الإنسان و حريته في التصرف بجسده و التمتع به دون التعرض لسلامته

– منع التعدي على جسم الانسان و نفسه (التعذيب النفسي) بالأذى و الضرب و التعدي الجنسي و التشويه بأي طريقة أو أسلوب لأي سبب من اللأسباب و هذا التحريم يشمل السلطات العامة كما يشمل الضغط النفسي و التعذيب في العمل (psychological harassment) لدفع الموظف إلى الخطأ أو ترك العمل، و يشمل أيضا الاستغلال في ظروف العمل للوصول إلى مآرب شخصية أو جسدية منافية للحشمة و غيرها.

– منع حجز حرية الانسان الجسدية عن طريقة الخطف أو الاحتجاز (إلا بموجب القانون) و الاعتقال التعسفي على أن يعاقب كل تجاوز لحد الاحتجاز غير القانوني و أي تعسف في استعمال القانون.

– منع التعدي على الجسد لأي سبب من الأسباب و يشمل هذا المنع الضرب الذي يتعرض له الأولاد و المستخدمون و التلامذة و الطلاب في المدارس و العاملين في بعض المهن.

– عدم جواز إجراء إية تجارب على جسم الانسان بدون علمه و موافقته الصريحة و ضمن حدود و شروط يحددها القانون

– منع التعامل و بيع الأعضاء البشرية على أن يصدر قانون ملحق بهذا القانون يحدد شروط هبة الأعضاء

– – حق الانسان في الضمان الصحي و العناية الطبية الجدية و في أدوية صحيحة (الأمن الصحي). و يترتب عليه مسؤولية الجسم الطبي عامة و الاستشفائي منه خاصة في العناية بالمرضى و الحالات الطارئة على الأخص، مع مراعاة مبدأ مسؤولية الجسم الطبي و حدودها القانونية. يضاف إليه أن مسؤولية الصيدليات تجاه المريض تتحول بنتيجة هذا القانون إلى مسؤولية شخصية بين المواطن و الصيدلي و ليس إلى مسؤولية الأخير تجاه هيئة مراقبة الغش كما هو الحال في التشريعات القائمة حاليا. و يلحق بهذا الحق سلامة المواطن ضد آفات التدخين و تعاطي الممنوعات.

– حق الانسان بضمان الشيخوخة و الحصول عى حياة تقاعدية كريمة.

6) حق الانسان على صورته:

إن للإنسان حق على صورته و صورة جسمه ، فلا يحق لأي طرف تصويره بدون موافقته، و لئن أخذت في مناسبة عامة فلا يحق له استعمالها لأي سبب من الأسباب، و تستوقفني هنا الموضة الرائجة بعرض صور مناسبات على الصفحات الاجتماعية الالكترونية بشكل يفرض على الفرد نشر صوره على الملأ رغما عن إرادته. و هذا غير مسموح به و يمس بالخصوصيات. و من الملاحظ أن صورة المواطن عرضة للتصوير في معظم الأماكن العامة لأسباب أمنية. فلا يجب أن يكون هذا التصوير عشوائيا و أن تكون له ضوابط قانونية. و هذا الحق يتعلق بصورة الانسان في حياته و بعد مماته إذ لا يحق لأحد تصوير جثمان المتوفي دون رضى العائلة.

7) حق الانسان في كرامته و سمعته و سيرته:

لكل إنسان كرامته و اعتباره و تاريخ و سيرة ذاتية تتكون مع الزمن. و قد يرث المرء هذه السيرة عن آبائه و أجداده فيتكون لديه رأسمال معنوي يعتبر إرثا له و تراثا للمجتمع الذي يحيط به. و قد يكون هذا الارث و هذه السيرة ملك المجتمع و الأمة لتعلق تاريخ الرجل أو المرأة بماضي الشعب. فهذا الحق يحول دون المساس به و التعرض له تحت طائلة المنع أو العقوبة و دفع التعويض عن الضرر المعنوي الذي يلحقه بصاحب العلاقة. و هذا الحق يستمر بعد وفاة الإنسان فلا يحق لأي كان التعرض لسيرة المتوفي تحت طائلة استعمال هذا الحق من ذوي العلاقة كما سنرى لاحقا.

8) حق الانسان في التعلم:

و يرتبط هذا الحق بمبدأ محو الأمية و إلزامية التعليم (الإبتدائي على الاقل) و حق كل مواطن في إيجاد مكان لولده أو له في مدارس و جامعات وطنية لها رفعتها و مستواها التعليمي و تؤمن المساواة في التعليم لكل المواطنين. فالتعليم الخاص هو مكمل و ليس القاعدة.

9) حق الانسان بحرمة ملكيته الشخصية :

إن الملكية الفردية هي بحماية الدستور و القانون و للأسف هناك مساس كبير بهذا الحق من حيث ميدأ حق الملكية المالية المادية (عينية أو غير غير عينية). و يجب صونه من حيث المبدأ. و القانون اللبناني يحتاج إلى حسن تطبيقه و السرعة بتنفيذ أحكام القضاء بهذا الخصوص. و من المؤسف أن تقع جرائم بسبب التعديات على الملكيات الشخصية و لجوء بعض الجهلاء إلى فض النزاعات بوسائل يندى لها الجبين. أما حماية الملكية الفردية من زاويتها الخصوصية فنعرض لها من زاوية حق الإنسان بحريته الشخصية و خصوصيته فيما يلي.

10) حق الانسان بحريته الشخصية و ذاتيته و خصوصياته:

– أولا يتعلق هذا الحق بإراته الشخصية و عدم إلزامه قسرا على إتخاذ أو عدم إتخاذ قرار في أي موضوع كان. فالتوقيع على أي اتفاق أو إرغامه على القبول بأمر و لو كان رضائيا بشكل يمس بحق من حقوقه الأساسية و يحد منه يعتبر باطلا. فحق التعبير أو حق الاستقالة من العمل هي من الحقوق الرئيسية المتعلقة بالحريات العامة. و هذا يستدعي تعديل قانون حماية المستهلك.

– و يعني هذا الحق ايضا تحريم الدخول إلى المعلومات الشخصية الذاتية للفرد لأنها ملك ذاتي لشخصه و ذاته. و تشمل هذا الحماية منزله، سيارته، أملاكه الخاصة، عمله، شبكة الاتصالات التي يستعملها و يدرج فيها من معلومات هي ملكه أو صور خاصة به إلخ … و يشترط لاعتبار الشيء تابعا أو ملكا له أن تكون تربطه به صلة قانونية كصك ملكية أو عقد إيجار أو عقد وكالة أو عارية أو استثمار أو ما شابه ذلك.

– يحرم هذا الحق على أية مؤسسة إنشاء و أو الاحتفاظ بمحفظة معلومات (data) متعلقة بأي إنسان دون موافقته. على السلطات و أو الهيئات المخولة بإنشاء هذا النوع من المحافظ و المعلومات بموجب القانون (ضمان إجتماعي، هاتف، كهرباء، أمن عام، ألخ) إرسال نسخة عنها إلى صاحب العلاقة سنويا لمراجعتها و التدقيق فيها و تصحيحها.

– لا يجوز بيع هذه المعلومات أو التداول فيها دون موافقة صاحب العلاقة

– و يشمل هذا التحريم المعلومات و السيرة الذاتية الماضية أي أثناء حياة المواطن و بعد وفاته.

– مع توسع دائرة الاتصالات و شبكاتها لا بد من التأكيد على ضرورة صون الخصوصية وحرمة المعلومات الشخصية. و لا بد لنا من الشكوى هنا من تفشي ثقافة الاستهتار بهذا الموضوع عن طريق عرض الخصوصيات على صفحات المجلات و الجرائد و الصفحات الالكترونية عبر الأثير بشكل أن الكرة الكونية باتت تعرف تحركات كيت مع زيد و مغامرات جون مع بارت و من كان في سهرة سعاد في منزلها في لونغ بيتش إلخ… إن نشر هذه المعلومات إنما يدل على استخفاف فاضح بمبدأ احترام خصوصية الذات. و لئن كان هذا الفعل من عمل أصحاب العلاقة أنفسهم ، فنطرح عليهم السؤال ما عسى يكون موقفهم عندما يتناول الشارع معلومات أكثر حساسية بالنسبة لحياتهم الخاصة؟ و عليه فإن القانون يجب أن يحرم نشر معلومات تتناول حياة أي مواطن دون موافقته الشخصة المسبقة.

11) حق الانسان في حرمة الموت:

و يتناول هذا الحق حق الانسان بالصلاة عليه و الدفن بكل كرامة و عدم التعرض لحرمة جسده و مدفنه بعد الممات. و لا مناص من القول أن لهذا الحق تبعات تتعلق بممارسته و نتائجه على الورثة و أصحاب الحقوق بحيث لا يحق لأحد اقتطاع نصيبه من الميراث قبل ممارسة حق الميت في الصلاة و الدفن أصولا. و عند غياب إمكانية مادية للقيام بذلك على الأقرباء و من ثم المجتمع القيام بذلك لأن هذا الحق متعلق بالانتظام العام. أما الشق الثاني فلكل صاحب علاقة كما سنرى فيما يلي أن يثير الدعوى و يمنع التعدي على حرمة جسد أو مدفن المتوفي. كما يشمل هذا الحق حقه على صورته الجسدية بعد مماته.

12) حق الانسان في حرية معتقده و التعبير عن فكره:

هذا المبدأ الذي كرسته شرعة حقوق الانسان و يحميه الدستور اللبناني يتناول حرية الفكر و المعتقد و التعبير عنه دون تطاول أو المس أو التعرض للفكر الآخر. فحرية الإنسان تنتهي عندما تبدأ حرية الانسان الآخر. و كل تجاوز يتناول المحرمات الدينية خارج الإطار التحليلي العلمي، و كل كتابة تتناول الحياة الخاصة أو السيرة الذاتية أو تشويه لتاريخ أحد و أو يشكل تهديدا للسلم الوطني يعتبر بمثابة تجريح و قدح و ذم و تشويه للحقائق. و هنا يأتي هذا الحق ليتصدى لكل عابث به، ليمنع حصوله و يردع القيام به و أو يوقع في مرتكبه عقوبات و تعويضات لصالح كل من تضرر من جرائه. و يتفرع عن هذا الحق مجموعة من الحقوق الفرعية: حرية الصحافة المكتوبة و المسموعة و المرئية و المبثوثة على الانترنت و حدودها. حرية التجمع و التعبير. حرية الجمعيات و النقابات. حرية السينما. حرية الاجتماعات. حرية التظاهر. حرية الاضراب. حرية التعليم. الحق بالإختلاف. يراعى في هذه الحقوق حقوق الانسان الشخصية و عدم المساس بها.

13) حق الانسان في المساواة في فرص العمل و المعاملات:

و لئن اعتبر الدستور أن المواطنين متساوون في الحقوق و الواجبات فإن القانون اللبناني لم يلحظ بعض الاحتياجات بالرغم من وجود التفاتة من قانون العمل للمساواة بين الرجل و المرأة. إلا أن بعض ذوي الحاجات الخاصة يحتاجون إلى معاملات خاصة و تقنيات و تجهيزات تسمح لهم بالعيش الكريم، و ألا يبقوا على قارعة طريق المجتمع. و لقد شكل القانون 220/2000 خطوة نوعية في هذا الاتجاه، و لكنه ما زال يشكو من نقص في المراسيم العملية و بطئا في التطبيق الفعلي. و عليه فإن إدراج مبدأ المساواة بين كافة المواطنين على إختلاف إنتماءاتهم الدينية و المذهبية و العرقية و الجنسية و احتياجاتهم الفكرية و الجسدية يكرس عمليا حقا لا يمكن لأحد أن يراوغ فيه و أن يلتف عليه، و يحفظ لكل صاحب حق نصيبه في العيش بكرامة. و يستتبع هذا الحق إلغاء التمييز بسبب الانتماء الطائفي أو المذهبي ما يؤدي إلى إلغاء الطائفية و المذهبية.

14) حق الانسان في العيش في استقرار إجتماعي :

يشمل هذه الحق مجموعة من الحقوق تصب في معظمها في خانة المواطن بصفته مستهلكا و تنفذ إلى عدد من المواضيع التي تتعلق بسلامته الاجتماعية. من هذه الحقوق:

– الحق في السكن: ليس المقصود أن للمواطن حقا في منزل و بالتالي أنه على الدولة أن تؤمن له ذلك. و ليته كان كذلك. و لئن كنا نميل إلى وضع الحق في أن يكون لكل إنسان مأوى كمبدأ أساسي، على أن تقوم الدولة و المجتمع بما أوتيا من إمكانيات بتأمين ذلك لكل مواطن. و لكن الواقع غير ذلك، و لبنان ذو نظام ليبرالي (من حيث المبدأ، و لو أن ذلك قابل للمناقشة في أكثر من ميدان)، فعلى المجتمع ممثلا بالدولة أن يؤمن الأسباب و الوسائل القانونية و الاجتماعية و الاقتصادية التي تتيح لكل مواطن أن يتمكن من التملك أو استئجار مسكن يعيش فيه بشكل كريم و عزيز. و يشكل موضوع السكن معضلة كبيرة في لبنان لم يتمكن السياسيون منذ عدة عقود من حلها. فموضوع السكن يضع حق الملكية المصون دستوريا بمواجهة قانون ايجار أصبح مع مرور الزمن أقرب منه إلى قانون إجتماعي يجعل من المستأجر شبه مالك مما يتناقض مع مبدأ الحرية التعاقدية التي ينص عليها قانون الموجبات و العقود، و يجعل المالك دون إيراد يتناسب مع تتطور العصر و التحولات الاقتصادية. و لئن حل قانون الايجار لعام 1992 هذه المشكلة جزئيا فما زال هذا الواقع يحول دون أن يكون الاستثمار العقاري وسيلة اقتصادية منتجة تسمح لفئة من أصحاب راس المال، من جهة، في الاستثمار العقاري ليعود عليها بريع و عائدات معقولة تتطور مع تطور نسب التضخم المالي و تتطور الأسعار، و من جهة أخرى تسمح لفئة أخرى من الشعب في إيجاد شقق قابلة للإيجار بأسعار تتماشى مع واقع السوق المالي و الوضع الاجتماعي. و هذا التوازن بين أيجارات الشقق و تطور الأسعار يجب أن يتوازى مع تطور نسب الأجور و التضخم بشكل مترابط كما يحصل في الدول الراقية ليتمكن المالك من الحصول على دخل مستقر من جهة و يسمح للمستأجر من جهة أخرى في المحافظة على توازن بين دخله و مصروفه. و هذا ما يؤمن امن كل منهما و سلامتهما و استقرارهما المعيشي و المادي. و هذا ما يطلق عليه الأمن الاجتماعي و الاقتصادي. و لكن لا يمكن إطلاق أسعار الايجارات دون ضوابط تتمثل بوجود مساكن اجتماعية أو ضوابط للأسعار تحول دون جنوحها و تحدد سقف الزيادات كمؤشر زيادة الأسعار و الأجور مثلا. كما أن جنون القيم العقارية تشكل اليوم عائقا دون تملك شريحة كبيرة من المواطنين لمسكن معقول.

– الحق في حماية المستهلك: إن المواطن هو مستهلك على كل الأصعدة. فهو مستهلك يومي لحاجاته الأساسية أولا و بالتالي فإن وجود قانون لحماية المستهلك ليس الغرض منه مراقبة المنتجين و التجار و معاقبتهم فقط كما هو الحال حاليا، بل في اعتبار أمن المواطن الغذائي و السكني و اليومي و سلامته (ملبس و شؤونه اليومية) هو حق أساسي. و كل مخالفة للمواصفات الأساسية التي تتعلق بأمنه و سلامته هي مخالفة أساسية لا تعرض المخالف إلى ملاحقة من قبل السلطات المختصة فحسب، بل تعطي للمواطن المعني الحق باتخاذ صفة الادعاء الشخصي ضده. و المواطن بالإضافة لاستهلاكه لمواد غذائية هو مشتر لأدوات منزلية و شخصية و آليات و سيارات و مواد و ما شابه ذلك من اشياء لا يمكن حصرها و تعدادها ثانيا، و عليه فإن سلامته و أمنه و حقوقه المادية و الضمانات التي يجب أن ترافق بعض الأصناف المباعة، يجب أن يصونها قانون حماية المستهلك بصفة الأخير صاحب حق شخصي أصلي. يضاف إليه أن هذا المواطن قد يؤمن على حياته و أن يقترض مبالغ و أن يشتري أدوات و مواد و آلات بالتقسيط و أن يتعاقد لشراء وحدة سكنية الخ.. و هنا نرى أن القانون الحالي لا يحميه (تستثني المادة 17 من قانون حماية المستهلك المصارف و شركات التأمين و الهيئات المهنية). و عليه يجب أن تكون حماية أمن و سلامة المواطن الجسدية و المعنوية و المالية من أي تعسف و استغلال و غش و غبن و من اضطراره إلى توقيع عقود لا حول له و لا قوة له فيها و غالبا ما يجهل مضمونها، و تقيه من أي ضرر مالي أو مادي أو معنوي ينتج عن ذلك، فوق كل إعتبار. و يتضمن هذا الحق حمايته أيضا من الإعلان الكاذب و الدعايات غير الصحيحية و التي ترمي إلى التأثير في إرادة المواطن و المستهلك بشكل غر سليم و بشكل مناف لحقيقة الشيء و الخدمة المراد الترويج لها و بيعها.

– حق الانسان في الغذاء (الأمن الغذائي): و يستتبع ذلك، و تأكيدا لما ورد أعلاه، حق الانسان بغذاء سليم خال من الغش و خاضع لمواصفات صحية و فنية متعارف عليها. و تخضع التشريعات المتعلقة بمحاربة الغش في لبنان لمراقبة وزارة الاقتصاد. قد تساعد وشاية المواطن عن سوء تصرف تاجر أو بيعه لمواد فاسدة أو التقدم من السلطات المعنية بشكوى في ملاحقة الفاعل. و لكن المواطن اللبناني يشعر في معظم هذه الحالات أنه يشي أو “يخرب بيت أحد”. و لكن عندما يشعر أنه يمارس حقا أساسيا في أمن غذائي يقام بالاعتداء عليه من قبل آخرين فاسدين فالمقاربة تختلف. و عليه يجب أن يدرج قانون حماية المستهلك الغذائي ضمن بند حق المواطن الغذائي.

– الحق في حماية البيئة: إن إنتشار الآفة البيئية بأشكالها المختلفة زراعيا و حرشيا و سكنيا و على الطرقات و في المحلات و من خلال بيع أدوات و استعمال مواد لا تتضمن المواصفات الحمائية و البيئية التي تصون المواطن تدفع بنا للمطالبة إلى تطوير التشريعات و التشدد في تطبيقها حماية للثروات الطبيعية و المناخ و سلامة المواطنين و أمنهم. إن تكريس هذا المبدأ من بين الحقوق الأساسية يجعل تطبيقها و سهر المواطن على تطبيقها بصفتها أحد حقوقه الرئيسية أكثر فعالية.

15) الحق بالأمن و السلامة العامة:

و لن نطيل في عرض هذا الحق الذي يتناول السلامة العامة و أمن المنازل و خاصة على الطرقات و هذه حقوق بديهية و تعمل جمعيات مختلفة مع وزارة الداخلية على بلورة قانون سير “حديث و عصري” نأمل أن يحفظ الحقوق و الأولويات. و يشمل هذا الحق إمكانية ادعاء المواطن على الدولة و أو المؤسسات و أو المتعهدين عن الأضرار المادية و المعنوية التي لحقت به بسبب االتقصير و أو الاهمال و أو الخطأ لدى تنفيذ أو عدم تنفيذ أشغال أو إجراءات سلامة بديهية (كوضع إشارات سلامة على الطرقات أو حماية حفرة إلخ…). كما يشمل هذا الموضوع حق المواطن بحماية مدنية (بضم الميم) أي بوجود سيارات إطفاء و إسعاف و دفاع مدني متطورة في كل قضاء و مدينة، و ضرورة توفر خطط معلومة من قبل السلطة العامة لدرء مخاطر الكوارث الطبيعية على إختلافها. و ينتج عن توفر هذا الحق ليس معاقبة السارقين و المعتدين بعد حصول الجنحة أو الجناية أو حادث السير فحسب، بل ملاحقة المقصرين من المسؤولين في تبيان مسؤوليتهم و ثبوتها.

16) حق المواطن تجاه الإدارة:

إن الدولة أو الإدارة وجدت في خدمة الشعب و ليس العكس. و بالتالي فللمواطن حق على الدولة بخدمة شفافة و سريعة و مثلى ضمن إطار من الحوكمة و من الحد الأدنى من التكلفة. يضاف إلى ذلك أن المواطن يجب أن يبقى بمنأى عن أي تعسف و تجاوز لحد السلطة و التجاوزات التي يمارسها البعض. إن تكريس هذا الحق في القانون يؤدي إلى تمكين المواطن من التوجه ضد من تسوله نفسه استغلال نفوذه للتعدي على حقوقه و مصالحه أو عرقلتها. مع العلم أن قانون الموظفين يعاقب على بعض هذه المخالفات و التعسف في استعمال الحق و النفوذ، و لكن أصول تقديم الشكوى شائك و طويل. كما يسمح للمواطن بملاحقة الادارة و الموظفين عن سوء تصرفهم و تقصيرهم في واجباتهم.

17) حق الانسان على نتاجه الفكري و الأدبي و الفني و العلمي:

مع التوسع العلمي و التقني و الأدبي و الفني و مع توسع شبكة الاتصالات الكونية و تعدد الاتفاقيات الدولية التي تحمي الملكيات الفكرية و الانتاجية (صناعية و اختراعات و غيرها) على اختلاف أنواعها لقد أصبحت القوانين التي تحمي الملكية الفكرية في لبنان و المراسيم التطبيقية بحاجة إلى مراجعة و تطوير و توحيد، يضاف إليه أن المستهلك لا يجد نصيبه في هذه القوانين. و عليه يجب تحديث هذه القوانين بحيث تحمي على السواء المفكر و المنتج و المخترع و المصنع و المستهلك.

18) حق الانسان في الثقافة:

مع انتشار وسائل النشر و الاعلام و الثقافة أصبح المرء أسير إعلام و ثقافة موجهة تسيطر عليها وسائل مكتوبة و مرئية و غير مرئية و غير مضبوطة و تستعمل وسائل نشر و تأثير إعلامي تتجاوز قدرة الضبط و السيطرة الفردية في معظم الأحيان. و ما الأنترنيت و الهواتف و الحواسب المحمولة سوى خير دليل على الثقافة المعاصرة التي تحمل فتات من المعلومات الموجهة التي تؤدي إلى غسل أدمغة العامة و الشباب الذي أصبح يفتقر إلى مراجع معروفة و موثقة و خاضعة لرقابة علمية و ذاتية. إن هذا الحق يجعل المواطن في حماية القانون ضد كل تعسف في تحوير الحقائق الموضوعية المعلنة للجمهور بكل الوسائل العامة.

ثانيا: مصادر حقوق الإنسان الشخصية و تاريخ نشأتها:

قبل انتشار الاديان السماوية دأب المفكرون و الفلاسفة على تحليل الفكر الانساني و استنباط قيم أساسية و معتقدات تؤسس لمجتمع فاضل يعيش المرء فيه بأمان و سلام و يحظى فيه ببعض الحقوق الأساسية.

1) حقوق الانسان في البوذية: البوذية معتقد أسسه في الهند أحد النساك في القرن السادس قبل الميلاد من قبيلة سكيا (Sakya) في مدينة كابيلافاستو (Kapilavastu) إلى شمال بيناريس (Benares). و انتشر على امتداد العصور إلى شمال القارة الأسيوية فشمل الصين و كوريا و اليابان و فيتنام و غيرها. و كلمة بودا أو بوذا (bouddha) تعني بالهندوسية النبيه و المنفتح و العلامة. و يقوم هذا المعتقد على مبدأ أساسي هو الشر (duhkha) أكان جسديا أم نفسيا. فبالنسبة للبوذية إن كل مشاكل الحياة و آفاتها تتمثل بموضوع أساسي و هو الشر. و يجب اعتماد اربعة مراحل أو حقائق أربعة (Arya-Satya) للخروج منه و بلوغ الخلاص (Nirvana): حقيقة الشر، حقيقة مصدره، حقيقة توقيفه و أخيرا الحقيقة المطلقة أي الطريق الأخير أو سبيل الخلاص من الشر (Marga) و ارتقاء الفضائل الثمانية و بلوغ المثال (Nirvana). و الشر شمولي مادي و معنوي، كمفارقة الأحباء، كالشر بمعاشرة الأشرار، كشر الشيخوخة، كشر المرض، كشر النقصان و عدم الحصول على مشتهاه الخ.. و الشر، ثانيا، أمر يشمل الإنسانية جمعاء. فعلى المرء أن يحدد الشر الذي يؤذيه و يشغله. أما الحقيقة الثانية فتتعلق بتحديد مصدر الشر هذا. و يعتبر بودا أن جهل الإنسان و نهمه يؤديا به إلى رذائل ثلاث تنبثق عن الشر و هي: الجشع و الحقد و الغلط. و هذا ما يحدو بالانسان إلى اللجوء إلى المرحلة الثالثة أو الحقيقة الثالثة و هي لجم الشر ليتمكن من اتخاذ قراره و القيام بعمله بعد تفكير و تمحص و نضوج (vipaka) و بعيدا عن التأثير و الانفعال. و عندما يتخلص الإنسان من آفات الشر و ما ينتج عنه من أذى و باطل يرقى إلى المرحلة السامية من النضوج و المثال حيث يصبح له ملكة الفضائل الثمانية و هي الرأي الصائب، النية الحسنة، الكلمة الطيبة، النشاط الجسدي السليم، مجهود طبيعي، انتباه مركز، الوسائل المعيشية المناسبة، و تركيز ذهني صحيح. و هناك وسيلتان للوصول إلى طريق هذه المثاليات (Marga) : اليوغا (Yoga) و التأمل (meditation أو dhyana) و هذا ما يسميه بودا بالتعاليم[ Encyclopedia Universalis, Vol. 3 ثالثا: اشكالية تاريخية: الدين و الحقوق:

إن معالجة موضوع الحقوق الأساسية للإنسان، و بالنظر للسرد التاريخي الذي سبق، تطرح إشكاليتين:

* الإشكالية الأولى أصولية و أدبية لا يمكن تجاوزها تعود إلى مسببات القهر و الاضطهاد اللذين أديا إلى لجوء الانسان إلى المطالبة بحقوق إنسانية بمعزل عن القيم الدينية و الاجتماعية السائدة. و هذا ما دفع بإليانور روزفلت و رينيه كاسين إلى وضع حجر الأساس لشرعة حقوق الإنسان الملحقة بشرعة الأمم المتحدة بالتعاون مع لفيف من الحقوقيين العالميين غداة الحرب العالمية الثانية. فالسؤال الذي يفرض نفسه: هل يمكن الاستنتاج من علوم التاريخ أن الدين يتناقض مع الحقوق المدنية الأساسية للإنسان؟ و هل أن المبادئ القانونية الأخلاقية المطلقة هي مبادي فلسفية كما ذكر أرسطو؟ أو بتعبير آخر، هل تخضع الفلسفة للثيولوجية أم يخضع علم الدين للفلسفة؟ أم هما مستقلان؟ و هل يمكن التحدث عن مبادئ حقوق الانسان و قيمها بمعزل عن الدين؟ أو بتعبير آخر هل تتناقض مع الدين؟ أما الاشكالية الثانية فهي تنفيذية أي تتعلق بابتعاد أهل القيم و أدبيات السلوك المثالي عن المبادئ التي ينادون بها كما حصل مع رجال الدين و الثورات و إنغماسهم في متاهات السلطة و نتائجها القمعية. فهل تعتبر مبادئ حقوق الانسان نوعا من أنواع المثاليات أو اليوتوبيا؟

إذا ما عدنا إلى المبادئ و القيم و التعاليم الدينية المشار إليها أعلاه على إختلاف انتماءاتها، نخلص إلى القول بأن الأديان السماوية حفظت حق الانسان بشكل أو آخر. إن الأخلاق أو القيم (ethics) المشتقة من اليونانية (ethos) و من اللاتينية (ethicus) و التي دأبت العقائد الشرقية و الفلسفة الأغريقية على التباهي بها و نشرها لا تضاهي القيم و الأخلاق الحميدة التي بشر بها الأنبياء و الرسل في الأديان السماوية من خلال الممارسات الدينية و الدنيوية التي دعوا إليها. فالصراع ليس قائما بين الدين و الفلسفة أو بين الدين و الأخلاق مطلقا. فالقيم هي قواعد نظرية و عملية تسمح بالتفكير في في أسس الممارسة الأخلاقية (axiology). إن الزواج المنطقي الذي جمع بين المفكرين المشرقيين و الغربيين الدينيين و الفلاسفة اليونانيين و المبادئ الأخلاقية و القانونية التي انبثقت عنها خير دليل على ذلك. و لا ضرورة برأينا للخوض هنا في متاهة البحث عن أحقية الإيمان و المنطق في موضوع حقوق الانسان. فالهرمية هنا غير مفيدة لأن الموضوعين متلازمان كما يكتب محمد أركون[ Mohammed Arkoun, la question éthique et juridique dans la pensée islamique, vrin 2010]. إن حصر قاعدة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر بالشؤون الدينية العبادية الإلهية تعود برأينا لتفسير فقهي متشدد أطلقه الإمام أبن حنبل و تمسك به بعض أتباعه أمثال إبن تيميه و الجوزي و أبي الحسن الأشعري و غيرهم من المفكرين المعاصرين قد تكون له أسبابه الموضوعية في حينه (على غرار ما حصل مع لوتر و كالفن بالنسبة لكنيسة و بعض الممارسات التي ثاروا عليها). و لكن لهذه القاعدة تفسير منطقي سلوكي قيمي (ethos) يتجاوز الحدود الدينية التي فسرت لها لتشمل المعاملات و الممارسات الانسانية الاجتماعية في العلاقات اليومية في المجتمع أفرادا و جماعة[ Michael Cook, Commanding right and Forbidding Wrong in Islamic Thought, Cambridge, UP 2000
]. إن وضع قواعد حقوق و واجبات مستخلصة من فرائض الانسان تجاه أخيه الانسان تؤدي إلى قيام مجتمع يقوم على قيم أخلاقية مثالية و مبادئ شرف تحدد حقوق الفرد و سلوكه تجاه الفرد الآخر. فكلما كثر إقرار الخطاب الديني لما يدركه العقل من أحكام زادت قيمة احتمال صحة الحكم العقلي لمجمل تلك الأحكام. و إذا أيقنا أن الله قد بعث الأنبياء و الرسل ليبلغوا للبشر الدين و قيمه، يمكن الكشف و المطابقة بين ما يحكم به العقل و ما يحكم به الدين. و عندما نستنتج تطابقا بين قيمهما من حيث أن ما يحكم به الواحد يدعو إليه الآخر، فذلك يدل على استبعاد حصول الصدفة، و لا بد من أن يكون حكم العقل الانساني هو حكم عاقل صحيح لا ريب فيه لا يتعارض مع قيم الحق و الأخلاق التي تدعو إليها الديانات. و قد تنبه بعض المفكرين لأهمية هذه القاعدة و شموليتها و عدم جواز حصرها في أمور دينية فحسب و قاموا بدراسة مميزة عن امتدادها التاريخي و الانتروبولوجي و الاجتماعي في ذاكرة المجتمع الشرقي (م كوك). فلماذا البحث إذا عن مبادئ لحقوق الانسان ضمن إطار قانون مدني مستقل (يحلو للبعض إطلاق تعبير “علماني” عليه، علما أن هذا التعبير لا يعني إلحادي قط بل يعني أنه غير خاضع للسلطات الدينية)؟[ E. Dubout et S. Touzé, Les Droits Fondamentaux Charnières entre Ordres et Systèmes Juridiques, Pedone 2010, ]

إن عودة سريعة إلى تاريخ المشرق و المغرب تفصح لنا عن أسباب الصراع بين دعاة حقوق الانسان المطلقة و السلطات الزمنية و الدينية.

منذ انتشار الدعوات الدينية و منذ أن آمن الناس بالتعاليم السماوية، انحرف مسار ممارسة السلطة “الدينية المدنية” لتصبح مؤسسات لها أصولها و أشخاصها يتعاقبون على ممارستها بطرق لا تمت في كثير من الأحيان إلى القيم الأخلاقية و الدينية. و بات رجال الدين يحصرون في شخصهم السلطات الدينية الايمانية و الدنيوية أي أصبحوا يفتون و يحكمون بين الناس و يملكون ويتصرفون بمقدراتهم. و تتطور ذلك لتصبح سلطتهم مطلقة و يتكون لدى العامة من الناس شعور بالكبت و القهر نظرا للظلم و التعسف الذي مورس في كثير من الأحيان بحقهم. ففي روما أصبح الباباوات يشكلون سلطة تفرض إرادتها على الملوك و الأقطاعيات و الأفراد و ما نتج عن ذلك من صراعات و خلافات و انشقاقات وحروب. و انتشرت الفرق الدينية من الدومينيكيين و اليسوعيين إلى الفرانسيسكان و غيرهم في معظم أنحاء أوروبا و الأماكن التي تموضعت فيها في خدمة الرسالة المسيحية و مساعدة الناس و المحتاجين[ Arlette Heymann-Doat, Liberté Publiques et Droits de l’Homme, LGDJ 1990, Jacques Robert et Henri Oberdorff, Libertés Fondamentales et Droit de l’Homme, Montchretien 1989]. و لكنها سرعان ما انحرفت عن الأهداف التي أنشئت من أجلها و تحولت إلى أداة استغلال و بطش. و ارتكبت الكنيسة حماقات تاريخية نذكر أهمها تلك التي حصلت مع العالم غاليلو. و لم يغب هذا المشهد عن المشرق الإسلامي حيث انحصرت السلطة المطلقة في يد الأمير أو السلطان أو الخليفة (أو حاشيته حسب شخصيته) حيث كانت السلطة تنتقل معظم الأحيان بالوراثة أو بوسائل غير مشروعة و في مطلق الأحوال بطريقة مخالفة للقيم الدينية التي دعت أن يكون الأمر شورى بين الناس. و إنحرف القيمون على السلطة عن مسارها الطبيعي كمفتين و قضاة للحكم بين الناس إلى سلطة مطلقة لها الأمر و الرأي النهائي و الأخير ترضى حين يحلو لها الأمر و تغضب و تبطش حين لا يروق لها[ حسن ابراهيم حسن، تاريخ الاسلام السياسي و الديني و الثقافي و الاجتماعي، مكتبة النهضة الاسلامية، 1964]. و بكل أسف أصبحت المعادلة (بحسب منطق أرسطو) الراسخة في ذهن العامة لعقود طويلة: الدين يعني السلطة، السلطة تعني القمع، إذا فالدين يعني القمع.

و كان الحكم باسم الدين يعني الحكم باسم الايمان أي الخضوع لمشيئة الله، و الخضوع لمشيئة الحاكم تعني الخضوع لمشيئة الله الذي يحكم باسم الدين و مشيئة الله و الخروج عن الحاكم تعني الكفر و الزندقة و الردة و الحكم بالموت. فتوجب الخروج من هذه الحلقة المفرغة و هذا الفخ الذي يستعمل فيه الحكام (و الناطقون باسم الدين) الارادة الإلهية و يسخروها لصالح حكمهم و مشيئتهم و غاياتهم و نزواتهم الشخصية و يتجاوزون في معظم الأحيان القيم الدينية و يستغلون إيمان الناس و بساطتهم و رضوخهم فيسيؤن إلى الدين و الايمان[ Ignaz Goldziher, Le dogme et la loi dans l’Islam, Geuthner, 2000
]. و التاريخ حافل بمآثر هؤلاء على مد السنوات و على اختلاف المذاهب و الأديان. و خير دليل على ذلك ما حصل مع مفكر مصري شهير منذ فترة وجيزة حيث تم تطليقه من زوجته قسرا و خلافا لإرادة الزوجين على خلفية أفكار متطورة لا تروق لبعض رجال الدين. إن صون الدين و حماية الايمان من تعسف أهل السلطة تقضي بالحكم باسم الحق و القانون اللذين يستمدان قوتهما و أصولهما من مبادئ إنسانية اساسية تمت إلى أصول البشرية و حمايتها و إرساء قواعد الحرية و العدالة و القيم الأخلاقية بين الناس التي جاءت كل الديانات السماوية و المعتقدات البشرية (كالكنفوشية و البوذية مثلا) لتؤكد عليها ليسود السلام و العدل و الحرية و التوازن بين البشر. فأين الخلاف إذا بين حقوق الانسان و الدين؟ في الواقع، إنه خلاف بين من يدعون النطق و الحكم بإسم الدين و بموجبه و بين الدين نفسه و مضمونه الحقوقي الانساني.

هذا كان مبرر الإعلانات المتفرقة لمواثيق حقوق الانسان بمعزل عن الكنيسة و ظهور انتفاضات فكرية و شعبية منذ القرن السادس عشر كرسها الأعلانان العالميان لحقوق الانسان الصادران في أمريكا و فرنسا غداة الثورة الفرنسية و تجليا في الإعلان العالمي الصادر عن الأمم المتحدة (شرعة الأمم). أما في الشرق فقد برز ذلك في ظهور فرق ترفض السلطة المركزية و تبرر ثورتها و انتفاضتها بأفكار دينية و فلسفية جديدة و فقه يميزها و يبرر انتفاضتها و يظهر (بالنسبة لها) شذوذ السلطان أو الخليفة أو الأمير. و هذا ما يفسر تكاثر الفرق و الأفكار و الشيع الدينية و التي لا مجال لتعدادها و البحث في تفاصيلها هنا لكثرتها و أهمية بعضها. و لكنه حتى تاريخه، و إن تعددت الاجتهادات و التفسيرات و القيم الفلسفية فإن فرقة من هذه الفرق لم تتخذ موقفا سلبيا من الدين نفسه. و لكنه من المفارق و المضحك أن بعضها يكفر بعضها الآخر.

* أما الإشكالية الثانية فهي سلوكية و تتعلق بأصحاب المبادئ و المنادين بها. فقد علمنا التاريخ أن أصحاب المبادئ الإنسانية و القيم المثالية التي ثاروا من أجل تطبيقها لم يكونوا دائما القدوة في هذا المجال و لم يعطوا المثل الأعلى في هذا المضمار. فالثورة البولشفية قامت من أجل حماية مصالح الطبقة العاملة و المستغلة و حماية حقوقها بوجه الإقطاع و الاستغلال. فتحولت إلى أبشع صورة من صور الدكتاتورية و القمع النفسي و الأضطهاد الجسدي الفردي و الجماعي. أما الثورة الفرنسية فحدث و لا حرج عن الإغتيالات و الإعدامات و السرقات و استغلال النفوذ و العبث بمبادئها طوال قرن من الزمن استمر الحكم خلاله بشكل فردي و دكتاتوري متسلط لا مكان فيه لأبسط حقوق الفرد. و لم يستقر الأمر للثورة الفرنسية إلا بعد إصدار القانون المدني (قانون نابليون) الذي إقر الحقوق الأساسية للمواطن و فصل الدين عن الدولة عام 1905 و مجيء الجمهورية الثالثة.

* هذا ما يؤكد تلازم المبادئ المثالية أكانت تتعلق بالمبادي الدينية أم بحقوق الانسان الأساسية مع تطبيقها بشكل لا لبس فيه. و يستلزم ذلك وجود نظام حكم يؤمن سلامة حماية هذه المبادئ و حسن تطبيقها. و خير نظام يسمح من حيث المبدأ للحرية إلى التعبير عن ذاتها و للممارسات أن تخضع لنظام الثواب و العقاب و المحاسبة و الحوكمة هو النظام الديمقراطي على اختلاف أشكاله السياسية مدعوما بجهاز قضائي نزيه و مستقل. و هنا نرى أن الحقوق الاساسية التي نحن بصددها متلازمة مع الحقوق العامة أي الحريات العامة أي حرية التعبير و الانتخاب و العدالة، أي بتعبير آخر: لا مكان للحريات و الحقوق في نظام لا يحميها و لا يحكم بالعدل.

* ملاحظة أخيرة: لا يمكننا أن نغفل هنا أن اليمقراطيات الغربية تتشدد في حماية الحقوق الخاصة و العامة في بلادها و لصالح مواطنيها، و لكنها تضرب بها عرض الحائط و تتجاهلها تماما عندما يتعلق ذلك بدول و بشعوب أخرى تسعى الدول الغربية إلى استغلال مواردها أو التعاطي معها بطرق مختلفة لأسباب سياسية أو إقتصادية (و بعض الأحيان فوقية و عنصرية) و خير دليل على ذلك ما نشاهده و نلمسه في تعامل دول الغرب مع موضوع حقوق الانسان في العالم النامي، و تجاه المواطن العربي و المسلم في أراضيها، و في كيفية تغاضيها عن التجاوزات القانونية و الانسانية التي ترتكبها دولة إسرائيل، في الوقت الذي تستغل و تثير موضوع حقوق الانسان انتقائيا و بشكل مدروس بوجه بعض الدول و رؤساءها و حكامها في العالم الثالث على هوى السياسة العالمية و توجهات مصالحها.

رابعا: المدارس و التيارات القانونية

إنطلاقا مما تقدم و بعد عرض المصادر العقائدية و التاريخية لمبادئ حقوق الانسان و الإشكاليات الفكرية و العملية التي تعرضت لها، سنعرض للمدارس الحقوقية التي انبثقت عن تطور الفكر الديني و الفلسفي في المجال القانوني و حقوق الانسان. و تقسم هذه المدارس إلى ثلاث تيارات. لقد انقسم فقهاء الكنيسة المسيحية و أصحاب المذاهب الاسلامية إلى تيارين رئيسيين: الأول تيار يعتمد على التيولوجيا لاستنباط الحقوق الانسانية الأساسية و يضعها تحت سيطرة المؤسسات الدينية. و تيار ثان و بالرغم من أنه لا يخرج عن الفكر الديني فهو يفسح لإرادة الانسان و لفكره مساحة في استنباط الحلول و في وضع قوانين على غرار القوانين الرومانية.

إن القوانين الوضعية على اختلاف أنواعها و أشكالها هي من استنباط الفكر الانساني الذي طورها انطلاقا من حاجة الانسان إلى تنظيم أعماله و علاقاته. أما حقوق الإنسان فمهما تعددت أنواعها و أشكالها مع تطور الزمن و الأمكنة و التقنيات و حاجة الانسان إلى حماية في وجه أشكال المخاطر التي يتعرض لها، فهي تنطلق من حق أساسي و تنبثق عنه ألا و هو الحق في الحياة الكريمة الحرة و ما ينبثق عنها. و هذا أمر لا خلاف عليه بين الأديان و الفلسفات على إختلاف مذاهبها و مناهجها كما نوهنا سابقا. و لكن التعمق في موضوع حقوق الانسان و مصادر القوانين التي تحميها يظهر لنا مدى الشرخ الذي أحدثته في مختلف المدارس الفكرية بسبب اختلاف المصادر التي اعتمدتها و استندت إليها من جهة و بسبب إصتدامها مع السلطة القائمة من جهة أخرى كما تبين لنا من العرض التاريخي أعلاه و الاشكاليات المترتبة عليه.

و لكن الصراع الذي أدى إلى نشأة الفكر المدني الأخلاقي المتحرر من تسلط أهل الدين و شذوذهم و استغلالهم للدين و لإيمان الناس أدى إلى بروز تيار ثالث قام بوضع قوانين مدنية مستوحاة من المبادئ الإنسانية الأساسية التي تمخضت عن أفكار عدد من الفلاسفة و التي لا تشذ عن المبادئ الأساسية للديانات السماوية و المعتقادات الأخرى.

التيار الأول: تيار القانون الإلهي (ثيولوجي): و يتزعمه مار أغوسطينوس في القرن الرابع و الأشعري و ابن تيمية و إبن جوزية و غيرهم ممن اتبع فكرهم في ربيع الفكر الإسلامي. و هو يقول بالرجوع المطلق للارادة الإلهية في شؤون الناس و حل مشاكلهم و اعتبار أن القانون الوحيد الجائز تطبيقه على خليقة الأرض هو القانون الاهي و مشيئة الله المتمثلة بكتبه و تعاليمه. فلا حقوق خارج حدود الكتب و التعاليم الربانية و ما انبثق عنها. فمشيئة الله هي الأولى و الأخيرة، هي البداية و المرجع النهائي. فبالنسبة إليهم إن الحقوق منزلة من الله عز و جل و هي هبته لخليقته. فبالنسبة للأشعريين مثلا تنطلق الحقوق من حق الملكية الذي ليس سوى تكليف شرعي (أي ليس حقا بالمعنى الذي نحن بصدده) و إنما هي تفضل و منة من الخالق على خلقه.

التيار الثاني: تيار القانون المنطقي المكتوب (الوضعي): و قد تطور هذا الفكر مع الزمن و ظهر منذ القرن الثالث عشر تيار آخر يؤمن بالفكر الانساني و بقدرة الانسان على التبصر و التعقل و التوصل إلى الايمان و حل المشاكل الانسانية و الدنيوية بالعقل و المنطق. و كما سبق و شرحنا في مصادر الحقوق أعلاه فقد تأثر هذا التيار بحوار الحضارات و الفلسفات و دخول فسلفة و منطق أرسطو و منهجيته على تفكير العديد من المفكرين و الفلاسفة الحقوقيين في الشرق و الغرب. و هكذا جاءت المدارس الفكرية لتضع أسس القواعد القانونية الحقوقية الآيلة إلى تنظيم المجتمع. و قد ترأس هذا التيار مار توما الأكويني و من بعده المفكر دان سكوت و غيللوم أوكام الذين يعتبرون مؤسسين المدرسة القانونية الوضعية و واضعي حجر أساس القانون المكتوب. و لئن كانت هذه الخطوة بمثابة ثورة على الكنيسة في المجتمع الغربي، فإنها لم تكن غريبة عن الفقه الاسلامي الذي دعا إلى توثيق العهود و تقنين العلاقات فجاء عمل الفقهاء الخمسة الذين ارسوا النظام القانوني الاسلامي في العلاقات و العقود (المذاهب الخمسة) ثم تبعه أول نظام قانوني متكامل مكتوب ينظم العلاقات بين الأفراد على يد سليمان القانوني الذي صدر في عهده مجلة الأحكام العدلية. إن هذه الأحكام و القواعد الحقوقية نظمت العلاقات بين الناس و العائلة لكنها لم ترس نظام حقوق الانسان المدنية الأساسية.

التيار الثالث: تيار القانون المدني المكتوب: إن الحقوق السابقة الذكر تنبثق عن مبدأ أساسي يتفق عليه المفكرون و كافة التيارات الدينية على اختلاف اتجاهاتهم و قناعاتهم ألا و هو أن الانسان كائن حي. و هذه الحياة و ديمومتها تتطلب توافر عناصر تؤمن للانسان الاستمرار بأمان. و لكن هذا الانسان بما ميزه الله و فضله عن سائر المخلوقات هو كائن اجتماعي. فبما أن الانسان يفكر فهو موجود كما يقول الفيلسوف ديكارت، و أكده من بعده الفيلسوف كانت. و بفعل تفكيره العقلاني فهو يبحث عن الحق و العدالة الشخصية و يتوق إلى التوفيق بين القيم التي نشأ عليها و حقوقه الانسانية الأساسية. و لكن معظمها ينبثق عن قاعدة أساسية و هي أنها مستوحاة من الإرادة الإلهية و القيم الدينية و الأخلاق و التي أملاها الشرع. بمعنى أنها فوقية، أي كما يسميها المشرع اليوم “من فعل الأمير” أو بتعبير إنكليزي أكثر ملاءمة act of God . فهي لا تنبع عن إرادة الانسان و تفكيره و تكييفه لحقه بما يلحق مجتمعه و عاداته و تقنياته و علومه من تطور. و نتذكر هنا ما جاء في القاعدة الشرعية التي تقول: “لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان و الأمكنة و العادات”.

أدى كل ذلك إلى تمخض فكر النهضة منذ القرن السادس عشر، و عمل رواده عن دفع الشعوب الراسخة تحت نير الظلم إلى الانتفاض و المطالبة بحرياتها العامة أولا، ثم، و مع ارتفاع مستوى التقدم الحضاري و ترقى الفرد و المجتمع، ثانيا، على ترسيخ مبادئ حماية حقوق الفرد و حريته الشخصية، و ذلك إنسجاما مع قول المفكر جان بياجي “أن الذكاء ينظم العالم عندما ينظم نفسه”[ Xavier Levieils, Réflexions sur le lien entre Philosophie et Conversion dans la Pensée Chrétienne, op. cit.]. “فحق الانسان هو حق طبيعي، مشتق من موجب متأصل في الطبيعة البشرية ، هو حق يسمو على الحقوق الأخرى الوضعية، هو حق الحقوق”[ سليم عبو، الثقافات و حقوق الانسان، دار الإضافة 1998، ص. 86].

و هكذا نشأ التيار الثالث أو دعاة القانون المدني (و يطلق عليه البعض القانون العلماني بمعنى أنه يستمد مصادره من مبادئ فلسفية إنسانية صرف بعيدا عن المؤسسات الدينية دون أن يتنكر لقيمها). إنه نتيجة العقد المدني الاجتماعي، إنه القانون المدني الذي، و إن كان يستقي مصادر قيمه الأساسية من المصدرين الأولين لعدم إختلاف القيم الأخلاقية عن التعاليم السماوية، إلا أنه يختلف عنهما في أنه ينطلق من فكر الانسان و إرادته و يضع حقوق الفرد قبل كل إعتبار و ينطلق منها. و يضع لها الإطار التنفيذي و الحمائي. فبنظر فلاسفة القانون المدني يقف الانسان أمام اعتبارين رئيسيين: الحق و الواجب (أي المسؤولية) و لا علاقة لطرف الهي أو خارجي فيهما. ففي الواقع ليس المقصود عدم تدخل الله جل جلاله في شؤون الناس، فالانسان مسؤول بإيمانه أمام الله. و لكن القصد هنا عدم تدخل من أنتدب نفسه ممثلا عنه للتدخل في كل شاردة و واردة من حياة المجتمع و الأفراد بشكل أدى إلى حصول تجاوزات حفلت بها صفحات كتب التاريخ. و هذا ما حدا بالمفكر الروسي باكونين و التي نقلها عنه الشاعر الفرنسي بريفير إلى إطلاق مقولته الشهيرة “أبانا الذي في السموات .. إبق عندك !!”. بمعنى كف يد من يستغل الإرادة الإلهية بحق ضعفاء النفوس.

و لكنه بالرغم من مغالاة بعض المفكرين في الاعتماد على العقل الانساني محاولين القفز عبر السلطة الدينية إلا أنهم لم يستطيعوا أن يشذوا عن المبادئ التي تجمع الانسانية حول قيم مشتركة. و هذا ما حدا بالمفكر كوستي بندلي إلى التأكيد على أن معظم المفكرين و العلماء و الفلاسفة لم يكونوا برافضين لله و قيم الديانات و أخلاقها و إنما لطريقة استعمالها و استغلالها[ كوستي بندلي، إله الالحاد المعاصر، منشورات النور].

و يقول دعاة التيار الثالث هذا أنه بقدر ما للإنسان من حقوق أساسية، أسياسية كانت أم فردية مدنية، فهو تترتب عليه موجبات و مسؤولية تجاه الفرد الآخر و المجتمع. ففي التيارين الأولين (الثيولوجي و الوضعي الديني) تكون مسؤولية الفرد تجاه ربه و حقوقه مستوحاة مما يمن الله على الانسان. أما في المصدر الثالث المدني فتكون مسؤوليته تجاه مجتمعه (فردا و جماعة) الذي يؤمن له حقوقه و يدافع عنه بموجبها. إنه العقد الاجتماعي. و قد تجلت فكرة حقوق الانسان و حريته في كتابات و أفكار أطلقها عدد كبير من المفكرين و الفلاسفة أمثال لوك و فولتير و جان جاك روسو و مونتيسكيو و توكفيل و سبينوزا و شوبينهاور و هوبز و قاسم أمين و مصطفى عرابي و أتباع مدرسة سيسرون المثالية و غيرهم. و كان قد سبقهم إلى ذلك كرامويل الذي أسس أول ملكية ديمقراطية برلمانية في انكلترا و إعلان الماغنيا كارتا. و تمخض عن الصراع الدموي و الفكري اللذين سادا في الغرب الإعلان الأمريكي لحقوق الإنسان لعام 1776 و الإعلان العالمي لحقوق الانسان الصادر عن الثوار الفرنسيين عام 1793. و كما أعلن المفكر الثوري المحامي سان جوست (Saint Just) حينها “لا تكتب الحرية لشعب بدون قوانين”[ Le Droit International, Archives de Philosophies du Droit, Tome 32, Sirey 1987
].

و تمثل عصر النهضة بانتقال الفكر من التأثير الأغريقي- المسيحي Greco-Chrétien إلى ما يطلق عليه اليوم بالفكر أو الحضارة اليهودية – المسيحية judéo-chrétienne السائدة في المجتمع الغربي بعد المصالحة التي سادت بين الكنيسة الكاثوليكية و الكنيسة البروستانتينية أو الإنجيلية خاصة بعد انتماء عدد كبير من العائلات اليهودية إلى الديانة المسيحية البروتيستانتية خوفا من الاضطهاد و لكونها أقرب الى مفهومها و ممارستها من الكنيسة الكاثوليكية. و قد تثبت هذا المفهوم الحضاري بانتقال الثقل المالي و نفوذه من إيطاليا (لومبارديا) إلى هولندا و من ثم إلى لندن و من ثم إلى الولايات المتحدة، حيث يسيطر على مراكز القرار المالي و الاقتصادي مواطنون معظمهم ينتمون إلى الطائفتين اليهودية و البروتستانتية. و من نتائج انتقال الثقل المالي و الفكري إلى المجتمع الأنكلو-سكسوني (لوثري بمعظمه) بزوغ فكر أحادي الجانب كما يسميه المفكر هربرت ماركوز[ Herbert Marcuse, L’Homme Unidimensionnel, les Editions de Minuit,,1968 (One-Dimensional Man, Beacon Press Boston 1964) ] لا ينظر إلى الأمور بشكل موضوعي شمولي و لا يسعى لحل النزاعات بالتفاهم. فهو يرى الوقائع من زاوية الخير و الباطل. و بما أنه يتوهم بأنه يحمل الخير فإن الشر يأتي من الآخر. فانتقل المجتمع الأمريكي من عدائه لإبن الأرض الأصيل (الهنود الحمر) إلى الشيوعيين الذين “سيسلبون أموال الأمريكيين” ثم إلى المسلمين الارهابيين الذين “يعادون الأمريكيين و يعتدون عليهم و على أرواحهم و أملاكهم و على حلفائهم” (اسرائيل) بعد إضمحلال الشيوعية. و لم تتجلى هذه القناعة في الاعلام الموجه فحسب، بل في الكتب و الأبحاث الجامعية أمثال كتاب صراع الحضارات للمفكر صموئيل هنتكنتون[ Samuel P. Huntington, The Clash of Civilisations, and the remaking of the World Order, 1996. ] و نهاية التاريخ لفوكوياما[ Francis Fukuyama, The End of History, The National Interest, 1989]. و لكنه تصدى لهذا التفكير اليميني المتطرف بعض المفكرين الذين رفضوا هذا التوجه الخاطئ و اعتبروا أنه هناك سوء فهم للعلاقة المسيحية الإسلامية و للأسباب التي تحدو ببعض المسلمين القلائل إلى إتخاذ مواقف متطرفة و اضطرارها إلى اللجوء إلى العنف في بعض الأحيان[ Richard W. Bulliet, Christian Islamic relation, Columbia University, 2006, Michael Moore, Dude, Where’s my Country?, Warner Books, 2003].

إنطلاقا مما سبق يمكن تقسيم القوانين الأساسية (بمعناها المبدئي الفلسفي) كمصدر من مصادر هذه الحقوق الانسانية الفردية إلى ثلاثة أقسام:

القوانين الطبيعية أولا: أي تلك التي تستمد سلطتها من منطق الحياة و بديهية الخلق. فهي قوانين الطبيعة و سنن الخالق الذي جعل الانسان و الحياة و النظلم الكوني يخضعون لنظام تلقائي بحكم القوى الطبيعية التي لا يقوى على مقارعتها و يعمل على التكيف معها بغريزته و حب البقاء و التطور و قد جاءت التعاليم و المحرمات الدينية و القيم الاخلاقية التي أمليت على الانسان لتكون نظاما قانونيا روحانيا معنويا ملزما بطبيعته و بايمان الانسان به. و هذا ما نادى به التيار الأول. إنها القوانين التي تخضع لمشيئة تعالى كما وردت في الكتب و التعاليم.

و القوانين الوضعية ثانيا: أي تلك التي انبثقت عن مجموعة من العادات و القيم المتفق عليها و التي تتشكل بفضل فطرة الانسان الخلقية و رغبته في النظام و الإنسجام الاجتماعي و لكنها بالرغم من أنها تستمد قيمها من المبادئ الدينية إلا أنها تضع قواعدها انطلاقا من تحليل منطقي و ذكاء أكيد و ايمان بالعدالة و توازن الكون الذي خلقه سبحانه و تعالى. و يرى دعاة التيار الثاني أن الإنسان إنطلاقا من إيمانه جدير بوضع قوانين منطقية مكتوبة و منسقة على غرار النظام الروماني تجعله المسؤول الأول عن نفسه و عما يفعله في الكون أمام المجتمع و الأفراد قبل أن يتحمل مسؤوليته أمام خالقه.

القوانين المدنية ثالثا: و لكن التطور الفكري و قيام حركات النهضة الفكرية كما سبق و أشرنا، بغض النظر عن اختلاف مصادرها التاريخية، قادت إلى تكريس حقوق إنسانية فردية أساسية في مجموعة من الشرع و الاتفاقيات الدولية نذكر من أهمها الاعلان العالمي بحقوق الانسان لعام 1948، الاتفاقية الأممية ضد جرائم الابادة العنصرية لعام 1948، الاتفاقية الدولية لعام 1966 ضد كل أشكال التمييز العنصري، الشرعة الدولية المتعلقة بالحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية لعام 1966، إتفاقية 1980 المتعلقة بإلغاء كل أشكال التمييز ضد المرأة، اتفاقية 1984 المتعلقة بمنع كافة أنواع التعذيب و المعاملة غير الانسانية، الاتفاقية الاوروبية لحقوق الانسان لعام 1950 و ملحقاتها، الإعلان الاسلامي لحقوق الإنسان الذي أعلن بتاريخ 19/9/1981 أمام الهيئة العامة للأونيسكو بمبادرة من تجمع مسلمي فرنسا. و قد أدخلت معظم هذه المبادئ في تشريعات الدول التي ما فتئت محاكمها تحكم بموجبها عندما يتعرض أي إنسان مقيم على أراضيها لأي اعتداء على شخصه و حقوقه الأساسية (صادق لبنان على البعض منها). و ما انفكت هذه الحقوق تتطور و تنمو مع تطور الزمن و احتياجات المواطن الفرد بوجه التطور التقني و العلمي و الاجتماعي و الاقتصادي و السياسي. و انبثق عن هذه المبادئ مجموعة من التشريعات العامة و الخاصة في عدد من الدول التي ترجمت شرعة حقوق الانسان العالمية و الأوروبية إلى قوانين وطنية، فحفظت للإنسان المواطن حقوقا أساسيا أطلق عليها القوانين المدنية. لهذا سندرس فيما ما هية هذه الحقوق و عناصرها.

خامسا: ماهية هذه الحقوق و عناصرها بالمفهوم العالمي:

يمكن تعريف هذه الحقوق بشكل بسيط “بأنها الحقوق الأصيلة في طبيعتها و التي بدونها لا نستطيع العيش كبشر”. و هي تتكون من عناصر مادية و معنوية ترافق الانسان منذ نشأته حتى بعد مماته. و عناصرها: مادية و معنوية.

أ) فالعناصر المادية هي: جسده و يترتب عليه الحق بصحة جيدة، الحق بالطبابة، الحق ببيئة سليمة، الحق بملجأ و مأوى، حق بالغذاء. و للحصول على ما سبق فله الحق بالحصول على عمل يؤمن له عائد مادي ضمن الاطار و النظام الاجتماعي و الاقتصادي الذي ينتمي إليه. و الفرد إنسان إجتماعي و له حق في مجتمعه السياسي و الاجتماعي و الاقتصادي بالأمن و الحماية. و حق الانسان على جسده تستتبع مجموعة من الحقوق الفرعية التي حددتها الشرعة الأوروبية لحقوق الانسان و هي:

– الحق في الحياة لكل إنسان و حماية جسده و منع التعرض له
– حق الجنين في بطن أمه في الحياة و منع الاجهاض دون سبب مشروع بعد مرور زمن معين على الحمل
– منع الاعتداء على جسد الانسان و بتر أي عضو من أعضائه لأي سبب من الأسباب
– منع التعامل و التجارة في الأعضاء البشرية (استثناء بيع أعضاء معينة لأسباب متعلقة بالأبحاث أو لأسباب قاهرة مسموحة في بلدان قليلة)
– منع حجز حرية أو اختطاف أي إنسان
– عدم الاعتداء على الحياة (موضوع الموت الرحيم قيد المناقشة)
– تحريم التعذيب الجسدي
– عدم التفرقة بسبب اللون أو المرض أو الشكل أو الجنس أو المصدر (تفرقة عنصرية)
– الحق بالطبابة و العناية الأساسية
– منع إجراء أي تدخل يتعلق بجسده دون موافقته
– منع إجراء تجارب جينية غير مرخصة
– منع التجارب اتي تؤذي الانسانية و أو الفرد و تشكل خطرا ماديا أو معنويا عليه
– احترام حرمة الجثمان و صورته و حق المتوفي بجنازة و دفن أصولي
– احترام حرمة القبور و منع التعدي على الجثامين

ب) أما العناصر المعنوية فهي كل ما من شأنه أن يتسبب بضرر شخصي أو إجتماعي للفرد بمعناه الواسع. و من العناصر المعنوية:

– الحق بالكرامة و منع التعدي عليها
– الحق بحماية صورته المادية (منع استعمال صورته الشخصية لأي سبب دون موافقته أكان ذلك في حياته أم بعد مماته، فلا يحق تصوير جثمانه)، و صورته المعنوية أي عدم المساس بسمعته، بسيرته في حياته و بعد مماته و عدم التشهير بها)
– الحق بالأسم و حمايته (الأسم و العائلة عندما يشكل ذلك عنصرا مهما من حياه الشخصية أو المهنية) يضاف إليه حماية الأسم المهني الذي يتخذه الفنانون و الأدباء و المهنيون، و الأسماء المستعارة لأسباب شخصية و أمنية.
– حرية المعتقد و حرية التعبير
– الحق بمأوى و بمنزل ملائم
– احترام حرمة المأوى و المنزل و العنوان و منع التعدي عليها أو إفشاء أسرار متعلقة بها
– الحرية الشخصية مقدسة و يمنع التعدي على الخصوصية (هاتف، مراسلات، انترنت و ما شابه ذلك، معلومات شخصية طبية أو دراسية أو خاصة أو مهنية لا تتعلق بالجمهور)
– حرية الزواج
– حماية حقوق الفكر و التأليف و الاستنباط
– حرية العمل (عدم جواز تحريم أي متعاقد من العمل مع رب عمل منافس بشكل يحد من حريته)
– حماية المعلومات الخاصة بالفرد التي توضع بتصرف مؤسسات رسمية أو ما شابه من سؤ استعمال بما فيه الحماية من المعلومات المتواجدة على الانترنت و في الوثائق المعلوماتية و حقه في مراجعتها و التدقيق فيها
– حماية حرية الفرد الشخصية (حق السمعة و الصورة و السيرة الذاتية الخ.) أمام حقوق الفكر و النشر و الحريات العامة التي تتمتع بها الصحافة عامة على أنواعها

يترتب على من يتعرض لأي من هذه الحقوق عقوبات لصالح المتضرر أو ورثته أو أصحاب الحقوق يحددها قانون كل بلد. و ينظر القاضي في طبيعة الفعل المرتكب و أهميته ليحكم بالعطل و الضرر الناتج عنه لصالح الشخص المتضرر.

سادسا: موقف القانون اللبناني و الحقوق التي يحميها؟

1) عرض واقع الحال:

إن لبنان يميل حتى تاريخه إلى التيار الأول من حيث أن عقيدته القانونية الأساسية تنبثق من الإيمان بسلطة الشريعة الإلهية و مرجعيتها. و ينتمي إلى التيار الفكري الثاني من حيث أنه ترجم القيم الإلهية إلى قواعد قانونية وضعية مكتوبة مستوحاة من القواعد الدينية تارة و من مبادئ مختلطة طورا (القانون الروماني الجرماني المكتوب). و نرى أن القانون اللبناني الذي يعود بأغلبه إلى عهد الانتداب الفرنسي (و هو متأثر به و كان خاضعا سابقا لأحكام مجلة الأحكام العدلية العثماني) مع بعض التعديلات على مدى السنوات لا يتضمن من حيث علاقة الإنسان الفرد بحقوقه الشخصية سوى قانونين أساسيين: قانون الأحوال الشخصية (بشقيه الاسلامي و غير المحمدي) و قانون الموجبات و العقود. و هاذان القانونان مجتمعين يشكلان القانون المدني اللبناني. و يغيب عن تشريعنا مواد أو مبادئ تلحظ حماية المواطن(ة) كما هو ملحوظ أعلاه في شرع حقوق الانسان و على الأخص في شرعة الحقوق الأوروبية و التي تبناها القانون الفرنسي (المواد 9 و 16 من القانون المدني) و توسع في شرحها الفقه و الاجتهادان الأوروبي و الفرنسي.

و لكن ذلك لا يعني أن في لبنان شريعة الغاب و أنه لا يوجد بعض القواعد الحمائية. من نافل القول أن الدستور اللبناني في مادته الأولى فقرة ج يحمي حرية المعتقد و الفكر و سائر الحريات السياسية. و تعرف المادة الأولى من قانون الموجبات و العقود الموجب بأنها “رابطة قانونية تجعل لشخص أو لعدة أشخاص حقيقيين أو معنويين صفة المديون بحق شخص أو عدة أشخاص يوصفون بالدائنين”. و ينتج عن ذلك حق للدائن بوجه المدين. و يستنتج من هذا التعريف أن القانون المدني اللبناني ينظر إلى الموضوع من زاوية الموجبات و ليس من زاوية الحقوق الشخصية. و من ناحيته فأن قانون العقوبات يعاقب التعدي على الأشخاص و منعهم من ممارسة حقوقهم (مادة 329) ، و التعدي على الحرية (مادة 367) و على حرمة المنازل (مادة 370 و 571) و على السرقة (مادة 635)، و على القدح و الذم (مادة 385 و 582)، و على التعدي على النساء و اغتصابهن (مادة 530 و ما يتبع) ، و على التعدي على الجسد و القتل (مادة 547 و ما يلي) ، و على الحرمان من الحرية (مادة 569) و على التعدي على الأموات و حرمة القبور (مادة 478 و ما يليها)، و على التعدي على حرية االقصار في الزواج (مادة 483)، و على إفشاء الأسرار (مادة 571) .

و المشرع اللبناني قد أصدر بعض القوانين المبعثرة التي تعنى ببعض الحقوق المدنية كقانون 220/2000 الخاص بحقوق ذوي الحاجات الخاصة (المعوقين). و قانون 659/2005 المتعلق بحماية المستهلك (مع الملاحظة أن المادة 17 من هذا القانون تستثني أصحاب المهن الحرة و المصارف و شركات التأمين – فمن يحمي إذن مم؟). و قانون 720/1998 الخاص بإنشاء هيئة تعنى بشؤون المرأة و حقوقها. و قانون 75/1999 المتعلق بحماية الملكية الأدبية و الفنية و قانون 240/2000 المتعلق ببراءات الاختراع. و هناك بعض المواد في قانون العمل التي تحظر تشغيل الأولاد و تلزم رب العمل بمراعاة النساء في ساعات العمل و تحرم التشغيل مدى الحياة. كما أن لبنان قد إنتسب إلى عدد من المعاهدات الدولية التي تعنى بشكل أو آخر ببعض الحقوق الأساسية كمعاهدة الأمم المتحدة لعام 1998المتعلقة بمنع الاتجار بالأشخاص و خاصة الأطفال و النساء، و معاهدة التمييز ضد المرأة عام 1996، و معاهدة الحماية المدنية عام 2004 و غيرها. ناهيك عن قانون 174 المتعلق بالحماية الصحية من آفات التدخين.

و لكنه لا يوجد قانون أساسي كما ذكرنا يتعلق بالنظام العام يحفظ الحقوق الشخصية الفردية و يجعل من كل عقد أو علاقة أو ممارسة تتعارض معه باطلة حكما لتناقضها مع مبدأ أساسي و هو حق الانسان و يعرض مرتكبها للملاحقة. و هي لا تتصف بالصفة الشمولية المدنية و لا تندرج ضمن صفة حق المواطن الأساسية الشخصية المدنية و ما يترتب عليها من آثار و تعويضات.

و يقول قائل ماذا يشكو القانون اللبناني إذن؟ قد يغفل عن بال العامة و غير المهنيين دقة الفرق و الطابع القسري و الفوقي للقوانين اللبنانية التي ترمي إلى معاقبة الفاعل عن فعلته و زجره. و هذا ينبع من تأثر القوانين اللبنانية بالتيارين الأول و الثاني اللذين يعملان بمبدأ العقوبات عن الأفعال المحرمة أي لا جرم بدون نص و لا عقوبة بدون جرم. و هو لا ينص على قواعد الحقوق الانسانية التي يحق للمواطن الاعتداد بها و الاعتماد عليها للمطالبة بحقه. فبموجب القوانين الحالية على المتضرر إن يتقدم بشكوى و أن يطلب تعويضا إذا تلازم فعل الجاني مع ضرر مباشر، و إلا فعليه التقدم بدعوى المسؤولية المدنية عن الضرر الذي يلحقه ضمن إطار المسؤولية المدنية و تلازمه مع الفعل. و هذا الموضوع يستلزم أمرين: أولا: ثقافة مواطنية تحمل المواطن على اختيار الطريق القانوني السليم لاستحصال حقوقه المباشرة خارج إطار العقوبات التي تقر بها النيابة العامة و الهيئات الاتهامية، و الثاني أن يكون الضرر معترفا به قانونا و اجتهادا خارج إطار الفعل الجزائي و عقوباته. لأنه يوجد أفعال تؤدي إلى اضرار جسيمة على الأقل ماديا و تستوجب تعويضا دون أن تكون خاضعة للعقوبات المباشرة. مثال ذلك المسؤولية الناجمة عن أخطاء الجسم الطبي و عن فعل الأشخاص المعنويين و عن أصحاب المهن الحرة بسبب الأهمال أو الخطأ. كما يندرج ضمن ذلك مسؤولية الدولة و موظقيها عن تجاوز حد السلطة و حجز الحرية و غيرها من الممارسات.

يقابل ذلك غياب نصوص متعلقة ببعض الحقوق. مثال ذلك الحق في صورة الانسان و سيرته الذاتية و تاريخه. و هنا و بكل اسف لا يوجد أي نص يحمي هذا الحق. فعلى صاحب الحق أن يوثق حقه بشكل كتاب أو وثيقة أو قرص موثق و يودعه بشكل محدد في القانون رقم 75 و المراسيم الملحقة به ليثبت حقه به. و أية مخالفة أو سوء إستعمال ترتب عليه إقامة دعوى مدنية أو تجارية حسب نوع العلاقة، أم جزائية (في حالة الاحتيال و إساءة الاستعمال). كما لا يوجد نص يحمي إسم الانسان و سمعته المهنية و حقه في الزواج مثلا.

من هنا الحاجة لأن تكون الحقوق الأساسية للمواطن مدرجة في قانون صريح يحمي حقوقه، فيكون اللجوء إلى القضاء من السهولة بمكان لتحديد الفاعل و الضرر و المسؤولية و النتائج المترتبة عليه .

2) دور الفقه و الاجتهاد اللبنانيين:

في غياب نصوص صريحة قام الفقه و الاجتهاد اللبنانيان، مستوحيين من المبادئ الدينية و الانسانية البديهية و مستلهمين من الاجتهاد الفرنسي، باستنباط عدد من الحقوق الأساسية فدخلت بدورها في معجم قواعد الحق اللبناني. فبالإضافة إلى الضرر المادي الذي ينتج عن الفعل المباشر ضمن إطار نظرية المسؤولية أكانت تعاقدية أو ناجمة عن الخطأ أو الإهمال و القصد، فقد صدرت مجموعة من الآراء و الاجتهادات التي أقرت بالضرر المعنوي لصالح الفرد نتيجة لخطأ يرتكبه احد بحقه. مثال ذلك الأخطاء المهنية. فما هي الحقوق التي أقر بها الفقه و الاجتهاد اللبنانيان و ما هي مصادره القانونية؟

لقد أثيرت قضايا تتعلق بالخطأ الطبي و مسؤوليته الطبيب عن خطئه. و هناك شبة إجماع في الاجتهاد على أن مسؤولية الطبيب هي تقصيرية أو تعاقدية و هي نابعة عن موجب وسيلة و بذل عناية و ليس عن موجب نتيجة. و قد صدر في لبنان قانون الآداب الطبية عام 1994 و المتضمن تنظيما لمهنة الطب في لبنان و الذي يأتي تكريسا لمبادئ قسم سقراط. يقابله قوانين تنظيم المهنة و الأنظمة الداخلية لعدد من النقابات كنقابة المحامين مثلا و التي تفرض على المهنيين شروطا مسلكية و آدابا في علاقاتهم مع زبائنهم و فيما بينهم و في ممارستهم لمهنهم. و لدى تحليلنا لهذه الأنظمة و الشروط المسلكية التي تنص عليه، و بالرغم من تناقضها مع نص المادة 17 من قانون حماية المستهلك المشار إليها أعلاه، فإننا نستنتج أنها تستند إلى الناحية القانونية التعاقدية من جهة و تعتمد مبدأ المسؤولية التقصيرية أو الخطأ و بالنظر لآداب و نظام المهنة بالنسبة لحق الزبون المتضرر في المطالبة بالمحاسبة و بتعويضه. بينما تنطلق الحقوق المدنية الأساسية التي نحن بصددها من مبدأ أساسي و هو حق المرء المطلق كإنسان و كمستهلك و كمواطن بالخدمة و بالعناية و بحقه على جسده و حمايته.

و استلهم الاجتهاد اللبناني من الاجتهاد الفرنسي و من المبادئ الانسانية و القيم الدينية و الأخلاقية بعض الأسس و القواعد التي اعتمدها ليكرس في حالات معينة بعض الحقوق الفردية الشخصية الأساسية و ذلك انطلاقا من نص المادتين 134 و 263 من قانون الموجبات و العقود اللتين اعتبرتا أنه يمكن أن يعتد بالضرر المعنوي كما يعتد بالضرر المادي. و رأى بعض الفقهاء أن هذا الشرط الوارد في مجال المسؤولية العقدية يسري أيضا في المسؤولية التقصيرية لأن النصوص القانونية تكمل بعضها[ د. مصطفى عوجي- القانون المدني-ج 2، ص. 168]. و قد عرف الضرر المعنوي بأنه “الأذى الذي يلحق بغير ماديات الانسان فيمس بمشاعره او باحساسه او بعاطفته او بنفسه او بمكانته العائلية او المهنية او الاجتماعية محدثا لديه الألم النفسي او الشعور بالانتقاص من قدره”(م. عوجي مصدر نفسه). و مرة أخرى نلاحظ أن هذا الضرر المعنوي لا ينتج عن مساس بحقوق أساسية بل في معرض مسؤولية تعاقدية أو تقصيرية. فما هي الحقوق التي كرسها الاجتهاد بطريقة غير مباشرة في معرض تناوله للأذى و الضرر المعنوي؟

– حق الانسان على جسده و صورته: إن إصابة آنسة عزباء و فنانة بجروح في جسدها و وجهها ينتج عنه تعطيل و تشويه دائم يؤثر في تعاطيها مهنتها الفنية الغنائية يعطيها الحق بالتعويض عن الضرر المادي و المعنوي الذي لحق بها[ المحكمة الادارية الخاصة، 6/4/1970، ن ق 1970 ص 410 ] .

– حق الولد بحقه بالكرامة و المساواة: يحق للإبنة غير الشرعية ، ثمرة معاشرة خارج الزواج، أن تطالب والدها بالتعويض عن الضرر الذي لحق بها بتسببه بوجودها بشكل منتقص الحقوق كإبنة غير شرعية ذات مكانة إجتماعية منتقصة في هذه الدنيا. مما ألحق فيها ألما نفسيا رافقها مدى حياتها[ تمييز مدنية 14/4/1067، ن ق 1967 ص 835].

– كما يحق للأب أن يقاضي إبنته و عشيقها عن العار الذي ألحقته به بسبب استسلامها للغير في سن يقرب من سن الانعتاق من الولاية[ محكمة ابتدائية البقاع 21/7/1948، ن ق 1949 ص 554 ].

– الحق بالسمعة و الاسم التجاري: حكمت إحدى المحاكم على أحد المصارف بالتعويض لأحد عملائه بالتعويض المعنوي بسبب تأخره في فتح اعتماد و تحويل مبالغ إلى أحد المصارف الأجنبية في الوقت الذي كان الزبون قد سحب شيكات على المصرف الاجنبي لاعتقاده بوصول الاعتماد و الحوالة، فتعرض لرد الشيكات بدون رصيد و تزعزعت ثقة عملائه و زبائته في الخارج به مما تسبب له بأذى معنوى و تعرضت سمعته للضرر[ تمييز مدني 26/6/1956، ن ق 1956 ص 639].

– الحق في الأمان و الراحة النفسية: إن إصابة الانسان بألم نفسي و بحزن عميق أثر عليه معنويا من جراء تعرض شخص قريب أو لتشويه أو لحرمانه من محبته و عطفه و مساندته المادية و المعنوية يرتب على الفاعل الخاطئ أو المقصر تعويضا لصالحه[ تمييز مدني 18/6/1963. ن ق 1963 ص 1168].

– حق التمتع في الحياة: حكم الاجتهاد في أكثر من مناسبة و أرفق إلى جانب التعويض عن الضرر الجسدي التعويض عن الضرر المعنوي الناتج عن الحرمان من متع الحياة. مثل الرياضي الذي يحرم من ممارسة هوايته أو حرفته. و لم يقتصر الحرمان على الأممور و الاعاقات أو الأضرار الجسدية بل تعداها ليطال الأضرار الذهنية و الفكرية و النفسية[ د. مصطفى عوجي، المرجع نفسه، ص. 181 . و عاطف النقيب، النظرية العامة الناشئة عن الفعل الشخصي. 1983، ص 321].

– حق الوالدين بالتعويض عن الضرر المعنوي الناتج عن مشاهدة الضرر الجسدي الذي لحق بإبنهما و حقهما بتعويض عن الحزن والأسى الشديدين و الغصة التي تتكرر يوميا بمشاهدة تشوه إبنهما و عجزه عن القيام بأود نفسه. و هو حق مستقل عن الحق بالتعويض عن الضرر المادي و المعنوي المترتب لصالح الولد المصاب[ استئناف جبل لبنان رقم 533 تاريخ 4/7/1960، مصنف شمس الدين، 1960، المستشار].

– حق الأقرباء الشرعيين المطالبة بالتعويض المعنوي عما لحقهم من الحزن و الأسى بسبب إصابة قريب بحادث من شأنه تشويه جسمه بشكل يستدعي العاطفة

– حق زوج المرأة التي جرحت و تشوه وجهها على إثر حادث بتعويض عن الضرر المعنوي الذي لحق به بمعزل عن التعويض الذي يستحق للمرأة[ محكمة الجنايات تاريخ 5/1/1951 المحامي 12/1951 ]

– تكريس حق الأقارب و ذوي المصاب بتعويض معنوي عن الأضرار المعنوية المتسببة عن الآلام التي يعانيها أقارب المصاب أكان الحادث قد أدى إلى وفاة المصاب أم لا[ استئناف جبل لبنان رقم 221 تاريخ 25 حزيران 1962، مصنف شمس الدين، 1962، و أيضا ن ق 1962 ص 461].

– حق الانسان على جسمه و عورته: كل فعل يقع على عورات الغير و من شأنه أن يخدش عاطفة الحياء ، و أن الأفعال التي تقع على أجزاء الجسم من دون أن يكون لها طابع الفحش و من دون ملامسة عورات الغير تعتبر من الأفعال الفاضحة أو المنافية للحياء.

و بمقتضى المادة 134 موجبات و عقود يعتد بالضرر الأدبي كما يعتد بالضرر المعنوي و المادي. فللقاضي أن ينظر بعين الاعتبار إلى شأن المحبة إذا كان هناك ما يبررها من صلة القربى الشرعية أو صلة الرحم. و يحق للأقارب و ذوي القربى و للورثة و لسواهم من ذوي القربى الشرعية أو من ذوي صلة الرحم أن يطالبوا بالأضرار المادية و المعنوية التي نالتهم بسبب موت مورثهم بخطأ الغير. و لأشقاء المتوفي أن يطالبوا بمثل هذه الأضرار حتى و لم يكونوا من الورثة لأن الحق الذي يدعون به على هذه الصورة ليس منتقلا عن الميت بل هو شخصي متعلق بهم ناشيء عن صلة المحبة و القربى[ محكمة الاستئناف، قرار 751، تاريخ 31/5/1949 ، مصنف شمس الدين 1949 ، المستشار].

3) من يحق له حاليا إقامة الدعوى للمطالبة بالعطل و الضرر:

– المتضرر : أي الشخص الذي أصابه عطل أو ضرر من شأنه ترتب تعويض لصالحه. و يمكن إقامة هذه الدعوى أمام القاضي المدني او الجزائي (حسب نوع التعدي و ما إذا كان الضرر ناتج عن فعل جرمي من نوع الجناية أو الجنحة)

– الأشخاص الذين ينعكس الضرر عليهم بسبب تعطل المتضرر: فإذا حصل اعتداء على شخص و أدى إلى تعطيله عن العمل حق لمن يعيلهم من أفراد العائلة أن يقيموا الدعوى المدنية طالبين التعويض عما طالهم من ضرر مادي.

– الأقرباء الذين اصابهم ألم و ضرر معنوي بسبب الإعاقة أو التشوه أو التعطيل الذي أصاب قريبهم.

– في حال تنازل المتضرر عن الدعوى الجزائية لصالح طرف آخر، و في حال قيام شركة تأمين بدفع التعويض المادي للمتضرر لا يحق لهؤلاء الحلول الشخصي مكانه و القيام بالادعاء الجزائي مكانه. لأن الحلول الشخصي جائز فقط أمام القضاء المدني[ محكمة استئناف جنح في جبل لبنان رقم 103 تاريخ 6/3/1996 – المصنف في القضايا الجزائية 1996، و محكمة التمييز السابعة، رقم 96 تاريخ 27/6/1996، المصنف في القضايا الجزائية 1996].

– دائنو المتضرر: و هنا يجب التمييز بين حالتين: إذا كان الضرر يقع على أملاك المتضرر فيحق للدائن بصفته صاحب مصلحة عملا بأحكام المادة 268 معطوفة على المادة 276 موجبات إقامة الدعوى حفاظا على العين و الدين و أو تحصيلا لدينه. و إذا كانت تتناول حقا ماديا فيحق للدائن أيضا إقامة الدعوى لأن المال شيئ ملموس. أما إذا كان الضرر معنويا و أدبيا و يتعلق بالمساس بإسم و شرف و سمعة المدين إنحصرت المطالبة بالأخير فقط و هذا ما نصت عليه المادة 276 إذ جاء فيها ” ما خلا الحقوق و الدعاوى المتعلقة بشخصه دون سواه”.

– الورثة: من المعلوم أن الموجبات تنتقل بالوفاة (279 موجبات)، فإذا توفي المتضرر من الجرم انتقلت حقوقه أي الموجبات التي نشأت في ذمة من أوقع الضرر بحقه إلى ورثته. و المشكلة أن الذمة المالية التي يتحدث عنها القانون هي تلك القائمة عند حدوت الوفاة و ليس تلك التي تحدث بسبب إقامة الدعوى لدى الوفاة أو بعدها لأن المتوفي منئذ إقامة الدعوى ليس له ذمة مالية و لا تنشأ له حقوق منذ وفاته (268 موجبات). و لكن يبقى للورثة أن يطالبوا بما يترتب لهم من تعويضات مالية و معنوية ناتجة عن الفعل الذي أدى إلى الوفاة بعد أن يثبتوا أن ضررا لحق بهم من جراء الحادث أو الفعل و الوفاة. و إذا تعرض أحدهم للمتوفي بالتشهير و القدح و الذم فيحق للأقرباء حتى الدرجة الرابعة إتخاذ صفة الادعاء الشخصي بحق الفاعل.

4) بوجه من تقام الدعوى حاليا؟

– عملا بأحكام المادة 212 عقوبات فإن الدعوى تقام بوجه فاعل الجريمة و شركائه و المتدخلين فيها و المحرضين عليه
– أما في الدعوى المدنية التي ترمي إلى المطالبة بالتعويض فإنها تقام بوجه الفاعل و الشريك و المتدخل و المحرض بالاضافة إلى المسؤول بالمال و الوريث و الضامن و الهيئات المعنوية.
– و يحق مقاضاة الشخص المعنوي عن الضرر الذي يتسبب به عملا بأحكام المادة 122 موجبات و عقود معطوفة على المادة 210 عقوبات بحيث أن الشركة (أي الشخص لمعنوي) يكون مسؤولا عن الضرر المادي الذي تسبب به العاملون فيها الذين يعملون باسمها و لمصلحتها (مديرا أو عضوا في إدارتها أو ممثلا لها أو عاملا فيها) اثناء ممارسة عملهم فيها و لها و بوسائلها. كما أن الشخص المعنوي يمكن أن يمثل مدنيا بصفته مدعيا[ عاطف النقيب، المرجع ذاته ص. 162 و ما يليها ].

5) استنتاج عام

لا بد من توجيه تحية إكبار و تقدير للإجتهاد اللبناني الراقي الذي في معرض تحليله و قضائه في قضايا المسؤولية الناجمة عن تطبيق المواد 122 و 123 و 134 من قانون الموجبات و في مواد أخرى متعلقة بقانون العقوبات عرضنا لها آنفا، ارتقى في تقديره لواقع الأمور و أنشأ بطريقة مباشرة و غير مباشرة حقوقا شخصية كنا نتمنى أن تترجم عمليا بواسطة المشرع و أن تدخل في صلب التشريعات اللبنانية.

و لكن هذه القرارات القضائية مشوبة بعيوب جوهرية شكلية و موضوعية متصلة بجوهر الموضوع الذي نحن بصدده و ليس بجوهر و أساس القرارات الصادرة بحد ذاتها. فبعض هذه الحقوق أشير إليها في معرض النطق بها بطريقة غير مباشرة من زاوية التعويض عن الضرر الناجم عن المساس ببعض منها. ففي الحالات المعروضة أمام الاجتهاد اللبناني قام القضاء بعمل علاجي بتعويض المتضرر عن أفعال جرمية أو مدنية تسبب بها اشخاص بحق المتضرر. بينما نحن بصدد البحث عن حل وقائي أي وجود حقوق اساسية تمنع حدوث الضرر لعلم المواطن بأحقية هذه الحقوق، أولا، و لإمكانية قيام المواطن و من بعده أصحاب الحقوق الناشئة عنه، بالتدابير القانونية و القضائية للحؤول دون وقوع الضرر و لمنع التعدي ، ثانيا. و كنا نتمنى أن ينطق الاجتهاد و يسمي هذه الحقوق على كونها حقوقا إنسانية اساسية و لكنه لم يفعل ذلك. و نقر بأن دور القضاء تطبيق القوانين و الاجتهاد حيث يلزم و ليس التشريع.

و بالاضافة إلى النقص في إدراج عدد من الحقوق المدنية في القوانين الوطنية كما لاحظنا، فمن حيث المبدأ، إن الفرق بين ادراج هذه الحقوق في قانون مدني يشكل أحدى قواعد النظام العام لكونها تشكل قواعد حمائية للفرد و المواطن هو أننا في النظام القانوني المعتمد حاليا يترتب التعويض عن وقوع الضرر المادي أو المعنوي بعد وقوع الفعل أكان تعاقديا أم تقصيريا أم خطأ. و على المتضرر إقامة الدعوى و إثبات العلاقة السببية بين الفعل و الضرر و تقدير قيمته. و يكون الضرر قد حصل.

كما أنه في حال انتهاك حرمة السمعة أو السيرة الذاتية أو تاريخ المرء مثلا، على الأخير أن يثبت الواقعة بشكل تعاقدي أو جزائي و أن تكون هذه الوقائع مثبتة بشكل موثق. بينما في حال وجود حق الانسان في سمعته و سيرته فمجرد التعرض لها يعتبر انتهاكا يعرض فاعله للملاحقة و النشر للبطلان. بشكل مختصر إن وجود الحقوق هو وقائي استباقي، بينما الوضع الحالي هو علاجي.

هل يقدر المواطن ما يترتب على إدراج هذه المبادئ في قانون عام يحمي حقوق المواطن الأساسية؟ هل يدرك كيف ستتغير نظرة القوى الأمنية و القضائية و الإدارية إلى حقوقه و طريقة التعامل معه و حرمة منزله و خصوصياته و سرية حياته الشخصية و المعلومات المتعلقة به في الوقت الذي يعلن عن استباحة عدد من المعلومات برسم دول و منظمات و هيئات خارجية لم يكن للمواطن فيها أي رأي أو تعبير و تعرض سلامته و أمنه إلى استفهام؟

سابعا: كيفية تطبيق هذه الحقوق

  1. قبل حصول الضرر: يمكن للمواطن الذي يعلم بوجود حالة تعد على أحد حقوقه التقدم بدعوى أمام قاضي الأمور المستعجلة طالبا: منع حصول الفعل أو منع النشر أو إبطال العقد أو رد الشيء المباع الخ..
  2. الادعاء على الدولة بالعطل و الضرر بسبب الإهمال و بالعطل و الضرر الذي سببه الإهمال و طلب رد الضرر
  3. إتخاذ صفة الادعاء الشخصي ضد الموظف بسبب التقصير أو الخطأ
  4. بعد حصول الضرر: المطالبة بالعطل و الضرر المادي و المعنوي حسب الحالة
  5. الادعاء جزائيا في حال وقوع اعتداء جسدي أو معنوي و أو إتيان فعل يعاقب عليه جزائيا

ثامنا: من يستفيد من هذه الحقوق و من يحق له الادعاء بها؟

  1. صاحب الحق الذي قام أحد بالتعرض له أو مس به أو حال دون الاستفادة منه فيجبره على احترامه أو يمنعه من التعدي عليه، أو تسبب له بأذى مادي أو معنوي فيطالبه بالعطل و الضرر
  2. الورثة طبعا و بعض الدائنين للضرر المادي و الحقوق المادية من بعد الوفاة،
  3. الأقارب و ذوو الرحم كما ينص عليه القانون اللبناني (كما لاحظنا آنفا) بالنسبة للضرر المعنوي بعد حادث أو بعد الوفاة
  4. أصحاب الضرر المباشر أو غير المباشر لذوي الصلة بصاحب الحق بالنسبة للضرر المعنوي أي كل من له صلة بصاحب الحق المتضرر أو المتوفي يثبت طبيعة الضرر المعنوي الذي أصابه، و هذا يشمل الخطيبة و الصديق(ة) القريب(ة) و الشركة أو المؤسسة التي يعمل بها صاحب الحق المصاب إذا أدى إلى إعاقته أو تشويهه أو وفاته أو حرمانه من ممارسة حياته الطبيعية مثلا.

    و خلافا للواقع القانوني حاليا الذي يحصر الحق في المطالبة بالحق المعنوي بالأقارب لغاية الدرجة الرابعة فإننا لا نحدد هذا الحق و نترك تقديره للصلة الحقيقية التي تربط صاحب الحق المعنوي المتضرر بالمصاب. و يترك تقديره في كل حالة للقضاء.

تاسعا: نتائج قوننة هذه الحقوق:

إن إدخال هذه الحقوق في صلب التشريع الدستوري أو المدني أو الجزائي يترتب عليه نتائج و آثار مهمة على الأفراد و المجتمع. و هذه الآثار نفسية و سلوكية و ثقافية.

بالنسبة لأصحاب الحقوق أولا، إن شعور المواطن بوجود حق له يحميه يغير من نفسيته و سلوكه و يحول دون السماح لأي كان بتجاوز حقوقه الأساسية . في الوقت نفسه أن شعوره بوجود هذه الحقوق لصالحه ينتج عنها ترتب نفس الحقوق لصالح المواطن الأخر و يترتب على ذلك شعوره بضرورة احترام حقوق الأخرين بقدر ما يترتب عليهم احترام حقوقه. أي أنها تنتج حقوقا و واجبات لصالح مواطن و مسؤول و على كاهلهم. إنها العقد الاجتماعي و الثقافة الجماعية بضرور احترام حرية الغير و حقوقه و ما ينتج عليها من التزامات.

و ينسحب هذا الشعور الفردي على المجتمع و الادارة و السلطة ثانيا، حيث تنتقل هذه الثقافة إلى القيمين على إدارة شؤون الناس بحيث يصبحون حريصين على احترام حقوق المواطن و حمايتها بقدر حرصهم على احترام حقوقهم كمواطنين من جهة، و بحيث أنهم يخشون من عاقبة تجاوز حدود السلطة و التعسف في استعمالها لوجود العقاب و الملاحقة و الحماية التي يتمتع بها المواطن بوجود حقوقه الأساسية في الدستور و القانون من جهة أخرى.

إن شعور المواطن بوجود حقوق أساسية تحميه و إمكانية ممارسته لها تشعره بالكرامة و الحماية، من جهة ، و تحول هذه الحقوق دون كل من تخوله نفسه التطاول عليها أكان شخصا عاديا أو شخصا معنويا أو موظفا إداريا من إن يقوم بفعل من شأنه أن يعرضه للملاحقة العامة أو الفردية. و يضع المواطن اللبناني و العربي (في حال تبني دول عربية لهذه المبادئ الشمولية) في مرتبة إنسانية رفيعة، حضارية و راقية.

خلاصة:

هذا ما يحدو بنا إلى التفكير جديا في إعادة النظر في بعض التشريعات الحالية و دمج التشريعات المدنية و الأحوال الشخصية الدينية (مع المحافظة على خصوصياتها التي تميز قيم مجتمعنا) في قانون مشترك يضم في مقدمته القيم الأساسية للأنسان و حقوقه الانسانية الأساسية التي لا تختلف عليها الديانات و الحضارات. و يقضي ذلك تعديلا بسيطا للدستور و لقوانين أصول المحاكمات المدنية و الجزائية و الإدارية (نظام مجلس الشورى) بالإضافة إلى تعديل بعض القوانين المتعلقة بالبيئة و حماية المستهلك و قوانين التجارة و حماية الملكية الأدبية و الفكرية و الصناعية و قانون العقوبات وغيرها مما يتلاءم مع حماية هذه الحقوق.

من الملاحظ أن بعض هذه الحقوق يمكن أن تفصل عن بعضها بحيث يعتبر كل منها حقا لذاته، و بالمقابل فإن البعض الآخر منها يمكن دمجه ضمن عنوان مشترك على ألا يفقدها العنوان العام الغامض خصوصيتها و ميزاتها.

و في المطلق علمتنا التجارب أنه في الشرق العربي عامة و في لبنان خاصة، ليست العبرة في سن القوانين و إطلاق الحقوق و المبادئ بل في إرساء الثقافة الحقوقية و في التطبيق، و أني أرى أننا قبل كل شيء بحاجة إلى ثورة من أجل إسقاط الفساد و الفوضى و من أجل إرساء قواعد الحق و العدالة و الحرية و المساواة ثقافة و فعلا.

و مانيل المطالب بالتمني           إنما تؤخذ الدنيا غلابا

و ” ما مات حق من ورائه مطالب”

في 15 أيلول 2011

فواز كبارة

محام بالاستئناف

أستاذ جامعي

حقوق المرأة المدنية الشخصية الأساسية

Saturday, August 21st, 2021

حقوق المرأة الإنسان و مباديء الحرية

منذ إعلان عام 1975 عام المرأة و منذ تخصيصها بيومين عالميين في الثامن من آذار (يوم المرأة) و في الخامس و العشرين من تشرين الثاني (يوم نبذ العنف ضد المرأة)، لا بد أن يستغرب المرء فكرة هذا الإعلان و أن تثير تساؤلاته عن مغزاه و أبعاده.

فعن مغزاه لا بد من طرح افتراضين أولهما أن تكون المبادرة التفاتة شبه ذكية من الجنس الآخر تجاه نصفه الثاني لكبح جماح ثورة دفينة تغلي في أعماقه و لإخماد التنهدات الحائرة في أحشائه. و الثاني أن يحمل في طياته مبادرة جدية و جريئة و مخلصة للتخلص من أمراض نفسية مزمنة و عادات إجتماعية متوارثة و رغبة في التفرغ لبحث المعضلات الاجتماعية البائتة و العمل على حل المشاكل التي تعاني منها بنات حواء في خضم صراعها مع التطور الحضاري و في محاولاتها الدؤوب الوقوف صفا واحدا إلى جانب قرينها الرجل في نضال الانسانية تجاه الطبيعة و من أجل حياة أفضل.

أما عن أبعاده فلا شك أنه محاولة واقعية غربيا و جريئة شرقيا لتسليط الضوء على عثرات المرأة في خطاها الحثيثة لمواكبة التطور الاقتصادي و الاجتماعي و دأبها على استنزاع بعض المكاسب و اجتزاز المعتقدات السائدة علها تتبوأ المكانة التي تستحق و تفرض نفسها في مجتمع يأبى أن يسمح للجنس اللطيف في مشاركة الرجل في كتابة التاريخ.

“إن الذين يتحدثون بالخير عن المرأة لا يعرفوها حق المعرفة أما الذين يتحدثون بالشر عنها فلا يعرفوها أبدا” قال الفيلسوف ليبرون. و لو استنطقنا تاريخ الركب الإنساني لوجدناه حافلا بصفحات قاتمات عن ماضي المرأة، تضيئها بعض الومضات البراقة حينا و الأسطر الناصعة التي كتبتها بعض النسوة الشهيرات في مسيرة تاريخهن الحافل بالنضال المستمر ضد الرجل المستبد المالك بغرض استرداد مكانتهن و اعتبارهن الانساني.

لقد سجل تاريخ المرأة تفسيرات عالم الرجال التقليدي المتنافضة حول العلاقات الاجتماعية و تجلت لديه حواء بأنها متعة علاوة على كونها مصدر الحياة. فكان هيرودوت اليوناني في القرن السابع قبل المسيح ينصح الرجال بأن يملكوا بيتا و إمرأة و بقرة على أن تتميز المرأة بقدرتها على رعاية البقرة و الإشراف عليها. من جهة أخرى جسدت المرأة الآلهة المعبودة التي تقدم إليها القرابين و لكنها بقيت ضمن إطار الحجارة و الأصنام الجامدة. أما المرأة الأنسان، الجسد و الروح، المرأة الأم فقد بقيت مستعبدة يتعالى عليها الرجال و ينكرون عليها حقها في الحياة و دورها في دفع الرجال إلى تسلق الأمجاد.

و كانت شرعة حمورابي التشريع الأول الذي أنشأ حوالي العام 2000 قبل ولادة السيد المسيح في بابل النص المكتوب الأول الذي حرم تعدي القوي على الضعيف. تبعها شرعة كسرى عام 570 ق م في فارس و التي أنشأت نظام الحرية و الأمن و الحقوق الإجتماعية و الاقتصادية. و لكنها لم تخص المرأة بحقوق خاصة.

و استخف اليونان بالمرأة فباعوها و اشتروها في أسواق النخاس، و عندما منحت إسبارطة المرأة بعض الحقوق استثمرها الرجل شهوة مبتذلة و لذة عابرة مما دفع بأرسطو إلى تعيير أهل إسبارطة بإعطاء هذه الحقوق و عزى سقوط المدينة و إضمحلالها إلى انتشار بعض هذه الحقوق و الحريات النسائية. و لم يكن الحال أحسن لدى الرومان إلا في عهد جوستنيان القانوني الذي أصدر بعض التشريعات التي حفظت مكانة المرأة و لكنها لم تلبت أن عادت إلى سابق عهدها بفعل سيادة القوي على الضعيف، هذا الناموس الطبيعي الذي قوم الرجل على المرأة. و عندما إنتشرت المسيحية في بلاد الغرب أثرت تعاليمها في اسلوب تفكيرهم و تطورهم الفكري فعقد الفرنسيون عام 586 م مجمعا علميا كان عنوانه “الطبيعة الإنسانية للمرأة” و قرروا بنهايته أن المرأة “إنسان” إنما خلق لخدمة الرجل.

و مثل تاريخ القرون الوسطى نقطة سوداء في الحياة الاجتماعية السائدة و حفل بظلامات بحق الجنس اللطيف المقهور حتى أن قانونا عرفيا انكليزيا استمر حتى عام 1805 كان يسمح للرجل ببيع زوجته و إجارها. ألم يقل الفيلسوف الألماني نيتشه:” المرأة ليست ليست بعد جديرة بالصداقة، إنها تبقى قطة أو عصفورة أو بقرة”. و لقد تباهى أمراء الأرستقراطية الأوروبية و نبلاء البلاط باقتناء العشيقات و بتبادل الزوجات و منح جسدها إلى الأعلى نفوذا و خاصة إلى الملوك السائدة طمعا في المناصب و التملك. إلى أن جاءت شرعة حقوق الانسان المنبثقة عن الثورة الفرنسية عام 1789 و التي أعطت الرجل و المرأة على السواء حقوقا سياسية و إجتماعية و اقتصادية.

و كان للثورة الفرنسية اليد الطولى في تحرير الإنسان من العبودية عامة و لكنها لم تخص ذوات الشعر الطويل بإلتفاتة خاصة، و لم تشملهن بكل مزاياها. و استمر المجتمع الذكوري و ما يتبعه من عادات بالية في فرض نفسه، إذ نص القانون الفرنسي الصادر آنذاك على أن المرأة غير أهل للتعاقد و على أن القاصرين هم الصبي و المجنون و المرأة. و استمر هذا التمييز لغاية عام 1938.

و في الشرق لم يكن حال المرأة أحسن من قرينتها الغربية. فكانت المرأة خادمة الرجل و كان الرجل إذا ما رزق بإبنة يستشيظ غيظا و يدفنها حية في رمال الصحراء. ألم يقل شاعر عربي:
“من غاية المجد و المكرمات بقاء البنين و موت البنات”

و لقد روي أن إعرابيا ولدت له إمرأته ثلاث بنات متواليات فتحول عنها إلى بيت قريب معرضا عن مواجهتها و عافا عن مقابلتها. فما كان من زوجته حين رأت منه ذلك إلا أن كتبت له البيتين التاليين:
“ما لأبي الزلفاء لا يأتينا و هو في البيت الذي يلينا
يغضب علينا إن لم نلد البنينا و إنما نعطي الذي اعطينا”
فما كان من هذا الإعرابي إلا أن لانت شوكته و عاد إلى زوجته قانعا مستغفرا.

و شكل الدين الإسلامي ثورة بوجه العادات الذكورية السائدة في المجتمع الشرقي. و كان له النصيب الأوفر في إطلاق المرأة من عقالها و النهوض بها من مواضع الذل و الجهل. فكرس الحق بالحياة بتحريمه وأد البنات ما جاء في آيته سبحانه ” وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا و هو كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بشر به : أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون” (النحل 57- 58) ، و حق المساواة كما جاء في القرآن الكريم ” وخلق الله السموات و الأرض بالحق و لتجزى كل نفس بما كسبت و هم لا يظلمون” (الجاثية 22) و “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر و أنثى، و جعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم” (الحجرات 13)، و كرس مبدأ العدالة و هذا ما تجلى في إعطاء المرأة حقوقا لم تكن موجودة و أصبح لها وجود إنساني و قانوني و ذمة مالية مستقلة عن الرجل و لها قسطا من المال و الميراث و قد جاء في كتابه الكريم “يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط، و لا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب إلى التقوى، و اتقوا الله إن الله خبير بما تعملون” (المائدة 8)، كما أن هذا الدين حرص على حماية الحق في الحرية الشخصية و كما قال الخليفة عمر “متى استعبدتم الناس و قد ولدتهم أمهاتهم أحرارا”، و الحق في الكرامة و هذا يتضمن احترام العرض و السيرة بقوله تعالى :إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم” (النور 19). يضاف إلى ما تقدم الحرص على حماية الخصوصية و حرمة المنازل و قد جاء في الكتاب العزيز “يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا و تسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم و إن قيل إرجعوا فارجعوا هو أزكى لكم و الله بما تعملون عليم” (النور 27 – 28).

و لكن جهل الأيام و فساد الزمان عادا ليرميا المرأة بين براثن الجهل و النكران مما دفع بعدد من الحكماء و المفكرين أمثال ولي الدين يكن و قاسم أمين و جبران إلى استصراخ الحرية لبنات الحياة، للحب الدفين في أروقة المنازل خلف الحجب و الأحجية.

و شكل التطور الاقتصادي و إنتقال المجتمع من عمل زراعي إلى إنتاج صناعي نقلة نوعية سمح للمرأة أن تستفيد منها بدئا من مطلع القرن التاسع عشر. فخرجت المرأة من نظام السيادة الإقطاعية و الأبوة العائلية و سطوة القوي التي يقتضيها العمل الزراعي لتخوض غمار النقلة النوعية و لتشارك في عملية التحول الصناعي. فوقفت إلى جانب الرجل تشاركه المسؤوليات و تنافسه في المهارات، و انهزم المكوك الذي الذي كان يتدلى من تلك الأيادي الناعمة عند مداخل المنازل أمام دوران الآلات الناسجة و تناولت أناملهن العبث بالأزرار تشرف بواسطتها على إدارة الماكينات الصناعية.

و لكن هذه العاملة التي خرجت من بيتها البائس لتجانب الرجل أمام صخب الآلات أصبحت ، و مرة أخرى، وسيلة لاستغلال الرجل الصناعي. و غدت تلك الشاحبة الهزيلة المرقعة بالأعمال البالية، تقف في الصفوف الطويلة لتنال عيشها في حقبة من البؤس لم تعرف مثلها أوروبا و أمريكا. فقال ميشيليه:” العاملة طاغية دنسة، إن إنخراطها في العمل تحديا للطبيعة و السعادة و الحضارة”. و لكن المسيرة لم تتوقف و دم النضال لم ينضب في عروقهن و اصبحت 45% من نساء أوروبا خارج بيوتهن في أواخر القرن التاسع عشر.

و قد كان لاختراع الآلة الكاتبة عام 1890 تاثير كبير إذ جعل هذه الحسناء سيدة الإدارة و مخزن الأسرار، حتى قال عنها جان أنوي ساخرا:”إن المرأة الوحيدة التي يمكنك أن تملي عليها ما ينبغي القيام به هي الضاربة على الآلة الكاتبة”. و هكذا تحولت المرأة من قطعة من أثاث المنزل إلى ناقة تساعد الرجل على إجتياز الصحراء، كما قال كلود باستور. و إنطلقت في العالم تغزو مكامنه و تكتشف خباياه و تساهم في تسطير التاريخ بخط ناعم جعل العديد من النقاد الساخرين يعتقدون بانتقال ملكية العالم إلى المرأة مثال ساشا غيتري الذي اشار إلى “أن العالم تغزوه النساء فهو يسير ذات اليمين و ذات اليسار. و بما أن الكثير من الرجال لهم زوجات و عشيقات من هنا كان الشد و الجذب في اتجاهين معاكسين”. و إنقض على الفكرة التي كان يرددها البعض و على راسهم شوبنهاور و القائلة بأن المرأة “لا تصلح إلا لحفظ النسل و تدوير الساعة و غسيل الصحون”.

هكذا انطلقت الشرارة و ومضت في العالم فحملتها المرأة المهاجرة إلى أصقاع العالم. و عقدت نساء أميركا مؤتمر سينيكا فول عام 1848 الذي شكل أو تحرك نسائي في العالم. و لكن فشله في الاتفاق على إعلان موحد لحقوق المرأة لم يوقف المسيرة و شكل نقطة بداية لدخول المرأة في ميادين جديدة. فجرت عام 1901 أول مباراة تنس نسائية بين طالبات أوكسفورد و كامبريدج اللواتي كن قد استنزعن حق دخول الجامعات. تبعها حصول المرأة الأمريكية على حق التصويت عام 1906 . كما حصل وفد من النساء الأوروبيات برئاسة الليدي أبردين زوجة نائب ملك إيرلندة على حق حضور مؤتمر السلام في الوقت الذي كان لينين يتأبط ملف تحرير المرأة و تأكد دخول المرأة الأشتراكية العاملة معترك الحياة الكبير. أما السيدة الراسمالية فأصبحت السيدة المشاركة للرجل في الحياة العملية و في النشاطات الليبرالية الحرة، تتاجر و تستثمر و تدير الشركات و تدخل في المجمعات المالية. و لكنها لم تكن تتمتع بملء الحرية في كل مكان فقد اشترطت بعض القوانين الأوروبية (كسويسرا و فرنسا) و المشرقية (كالسعودية و لبنان) ضرورة استحصال الزوجة على موافقة زوجها قبل ممارسة اي نشاط تجاري أو مالي. و ما زالت بعض هذه القوانين نافذة لتاريخه.

و من الناحية الأجتماعية فقد تفاوت وضع المرأة و انقسم إلى ثلاث طبقات: السيدة المترفة أولا، اللامبالية بمتاع الحياة و متاعب التحصيل، تغوى الظهور و تهوى التألق غاضة الطرف عن واجباتها الأصيلة. و ثانيا السيدة المناضلة المكافحة التي تعاكس تيار العصر و تلاطم أمواج الحياة لترقى بنفسها و ترفع بأبنائها إلى مراتب العلم و الرقي فتعطي أمتها عينة صالحة و قدوة مثالية تبشر بمستقبل مشرق. و أخيرا تبقى السيدة الجاهلة المنغمسة في مجاهل الأمية و الفساد و هي مكسورة الخاطر متقاعسة ، منزوية بسبب ظروف العيش، مجبرة بإهواء الضرورة و تسيرها إرادات متسلطة قليلة الإدراك و العلم.

و هاته السيدات في طبقاتها الثلاث فئات مختلفة. فمنها السيدة المتحررة من القيود الواهية الوهمية التي تحد من انعتاق الفكر و انطلاق البصيرة. و منها السيدة الضعيفة الواجلة التي تستعبدها معتقدات و أعراف موروثة لا تمت إلى حقائق الإيمان و القيم بصلة، يزرعها في النفوس الضعيفة الخائفة من الانطلاق في رحب الحياة الفسيح بضع من الرجال الذين يعيشون في زمن غابر و لم يتسنى لهم متابعة قراءة التاريخ و التعايش مع التطور الحضاري. و تبقى أخيرا السيدة التافهة التي تجعل من التحرر مظهرا و من المدنية إدعاء متجاهلة حقيقة القيم الثابتة و المبادئ الراسخة التي تحفظ كيان المجتمع.

أما السيدة المعاصرة ، العاملة، المشاركة لمباهج الحياة و متاعبها، الفاعلة في كتابة حضارة اليوم و بناء اسس المستقبل فهي الصخرة الثابتة التي تتحطم عليها أمواج صعوبات الحياة العاتية و تصمد بوجه العواصف و الأنواء و تعالج مصاعب الحياة بذكاء و حكمة و تشارك الرجل بكل ندية لبناء الأسرة المتوازنة و المجتمع الصالح. و لم تعد “الجهاز الثرثار المزود بالإمكانية الناجعة لتبذير كل النقود التي يملكها الرجل” كما إدعى وليم فولكنر. بل “إن قبول مشاركة المرأة مشاركة حقة دليل أكيد على الحضارة و هي تضاعف القوة الفكرية للجنس البشري”. كما أكد الفيلسوف ستاندال.

بعد هذا العرض التاريخي الواقعي لوضع المرأة، اين هي المسيرة؟

لقد أصبحت المرأة في القرن العشرين ، كما يقول مخائيل نعيمة، مخلوقا جديدا لو أبصرته القرون السابقة لأنكرته و لكنه مخلوق غير وجه البشرية و إتجاهها، و بين لها أنها لا تستطيع التحليق بجناح واحد هو الرجل، بل بجناحين متساويين: هما الرجل و المرأة معا، متحدية بذلك قول الفيلسوف المتشائم شوبنهاور:”إن قوانين الزواج في أوروبا فاسدة المبنى بمساواتها بين الرجل و المرأة. فقد جعلتنا نقتصر على زوجة واحدة فأفقدتنا نصف حقوقنا و ضاعفت علينا واجباتنا، على أنها ما دامت أتاحت للمرأة مقدمات مثل الرجل كان من اللازم أن يمنحها ايضا عقلا مثل عقله”.

و يبقى الجواب على السؤال، ما هي حقوق المرأة في القرن الحادي و العشرين بعد نضال طويل؟ ما هو وضع العاملة و الأم و الأخت و المرأة بكل طبقاتها و فئاتها؟

إن الدور الطبيعي للمرأة هو الزوجة و الأم: وكل ما يمكن أن يقدم عليها هذا المخلوق الرائع فإنما ينتزع من صلب المؤسسة الأساسية و هي الأمومة فيفقدها العنصر الطبيعي الذي تتميز به عن الرجل جسدا و عطفا و عناية و غريزة و مسؤولية. فما هي الحقوق التي قدمها المجتمع لحماية هذا الدور الطليعي البديهي للمرأة؟

أما الدور الثاني فيكمن في المشاركة. و المشاركة كلمة فسيحة المعاني و تشمل دخول المرأة في مختلف الميادين لتقف إلى جانب الرجل في تحمل المسؤوليات و اتخاذ القرارات و تنفيذ المهمات. و هذه المشاركة لا تقتصر على العمل الاجتماعي الأنساني فيجب أن يشمل العمل السياسي بحيث تشارك المرأة التي تدير شؤون البيت العائلي في إدارة البيت الوطني و في اتخاذ القرارات الهامة التي تعني المجتمع على إختلاف فئاته. كما أن المشاركة تشمل المراكز الهامة في المؤسسات العامة و المشاريع الخاصة. فالمرأة المسؤولة المشاركة في اتخاذ القرارات على أنواعها، قيمة مضافة و ضرورة لإدخال فكر جديد على الحياة القيادية خاصة في بلادنا و في مجتمعاتنا الذكورية حيث يتفرد الرجل باتخاذ قرارات لا تأخذ بعبن الاعتبار متطلبات يراها العنصر النسائي بعين ساهرة و مصيبة. و لئن يرى عدد من المحللين السياسيين أن العمل السياسي مضن و يتطلب تفكير عقلاني في الوقت الذي تتحكم العاطفة و الغريزة في خيارات المرأة السياسية (لهذا السبب تأخر منح الحقوق السياسية للنساء في فرنسا و سويسرا مثلا) فإن التاريخ أثبت أن السيدات اللواتي إطلعن بمسؤوليات سياسية و أدرن شؤون بلادهن قد تألقن في مهامهن (الهند،.باكستان، سيلان-سريلانكا، آيسلاند، استراليا، بريطانيا الخ..). كما أن عدد السيدات اللواتي تحملن مسؤوليات وزارية و نيابية و بلدية و سواها في أوروبا بلغ نصف المراكز تقريبا. و أثبتت المرأة عن حسن إدارتها و صلابة مواقفها و حكمة قراراتها.

إلا أن دور المشاركة دونه عقبات إنسانية و موضوعية متعلقة بدور السيدة الزوجة و الأم و تعارض هذا الدور الطبيعي جسديا و إنسانيا و صحيا و تربويا و إجتماعيا مع متطلبات عالم الإنتاج و العمل المعاصر. و هنا تواجه المرأة خيارا صعبا بين طموحها العملي و الشخصي و المهني و بين حقها و واجبها الطبيعي الغريزي و الصحي الذي يقتضيه موضوع الزواج و الأمومة. و من البديهي أن النظام الإقتصادي المعاصر لا يأتلف مع مفهوم العائلة التقليدي. و بالتالي و بالرغم من بعض التشريعات التي أعطت للمرأة بعض الحقوق و التسهيلات في موضوع الأمومة و التربية فإن المرأة تتنازل عن أحد الحقوق الإنسانية الهامة بالنسبة لها. الحق في ديمومة العمل المهني و التقدم في مراتبه صنوا بالرجل، أو الحق بالأمومة لصالح توكيل مؤسسات و اشخاص غريبين للعناية بالأولاد مع ما يترتب على ذلك من نتائج أسرية و عائلية من نتائج. و هذا ما يفسر إنخفاض عدد الزيجات و نسب الولادات في بعض الدول الصناعية.

و قد يكون الحل في إشراك الرجل في هذه المسؤولية عن طريق إنشاء إجازة الأبوة و دعمها بحيث يقوم الأب بالإهتمام بالأولاد في غياب الأم لأسباب مهنية. و هنا تكمن الشراكة الحقيقية المطلقة.

و لا يمكن إغفال موضوع أساسي متعلق بحق المرأة الإنسانة خاصة في المشرق. و ألا و هو موضوع الحياة و الحرية و الظروف التي تعيشها بنات منطقتنا على الأخص في هذا المجتمع الذكوري المعقد حينا و المفكك طورا. و بالتالي فإن فكرة الحرية، هذه الكلمة التي ما فتئت نساء العالم ترددها ، ليست حرية التحرك ضمن قوقعة هواء أو حرية الخيار بين سيدين. “إن حرية إختيار السادة لا يلغي السادة و لا العبيد”، كما يقول المفكر فرانسوا بيرو. إنها الحرية الإنسانية المطلقة بمعناها الإلاهي و الانساني و الاجتماعي. فلا تحتاج المرأة المصانة إلى رقابة أو إذن في ممارساتها و تصرفاتها. و لا تعاقب على جرم يعفى منه الرجل المشارك في ارتكابه. و لا تحرم من حقوق قانونية و ميراثية و مالية لأسباب مختلفة. إنها الحرية التي لا تقيدها معتقدات و تابوهات متوارثة و لا تمت إلى القيم الإنسانية و الدينية بصلة نشأت مع تطور المجتمع الذكوري. إنها الحرية التي التي لا تحول دونها معوقات قانونية أو عرفية أو إجتماعية عصبية تنال من شرفها و سمعتها و جسدها و حقها في الحياة.

و إن كانت المسؤولية الكبرى في واقع النساء بالرغم من التطورات المهمة التي استحدثها نضالهن تقع على عالم ذكوري، فإن تقاعس النساء و تسليمهن بالأمر الواقع و عدم رغبتهن في التطور و التغيير و المواجهة أحيانا، يحول دون إنعتاقهن من هذه القيود البالية، و كما قالت سيمون دو بوفوار :” إن النساء يكبلن أنفسهن بالأصفاد التي لا يتمنى الرجال زجهن بها”.

لذلك فإن المرأة العربية عامة و اللبنانية خاصة مدعوة إلى التعبير عن حقوقها الأساسيىة التي يجب أن تناضل من أجل تبنيها و تنفيذها في مجتمع متناقض.

فما هي هذه الحقوق و ما هي المنهجية التي يقتضي اتباعها للتوصل إلى نتائج إيجابية بشأنها؟

ما يهمنا في هذه الدراسة هو تناول جانب أساسي من حقوق الانسان ألا و هو حقوق المرأة الانسان المدنية الخاصة أي التي تتعلق بذاتها و بشخصها و بجسدها و ما يتفرع عن ذلك من نقاط سنعرض لها بالتفصيل فيما يلي. و في غياب قانون مدني موحد يعرض لمبادئ حقوق الفرد الشخصية و ما يتفرع عنه من حقوق موحدة للرجل و المرأة دون تمييز و يحددها بشكل مباشر، كما هو الحال في القانون المدني في فرنسا و في التعديلات الدستورية في الولايات المتحدة مثلا، نجد بشكل مبعثر هنا و هناك (في الدستور و في بعض الاتفاقيات التي صادق عليها لبنان و قانون العقوبات أو في قانون الموجبات و العقود و في بعض قوانين الأحوال الشخصية و غيرها من القوانين) بعض المواد و القواعد التي تمنح جانب من بعض هذه الحقوق أو تحول دون ممارستها بشكل مساو. و قد عمل الاجتهاد على ملء بعض من هذا الفراغ.

أولا: ماهية حقوق المرأة الإنسانية:

يمكن تعريف حقوق الأنسان بشكل بسيط “بأنها الحقوق الأصيلة في طبيعتها و التي بدونها لا نستطيع العيش كبشر”. و عرفت الأتفاقية الأممية التمييز ضد المرأة بكونه “التمييز و الاقصاء الممارس على اساس الفرق في الجنس و الذين من شأنهما حرمان المرأة من حقوقها الأنسانية الإساسية و ممارسة حرياتها العامة في الحقل السياسي و الإقتصادي و الإجتماعي و الثقافي و المدني و في أي مجال آخر”.

و التمييز يمكن أن يكون مباشر و غير مباشر. المباشر يكون برفض قبول عمل أو طلب إمرأة لموضوع معين بسبب جنسها أو عدم السماح لمرأة في ممارسة حقها في الوقت أتيح هذا العمل أو الحق إلى الجنس الآخر.أما التمييز غير المباشر فيكمن في وضع قوانين أو قواعد أو شروط من شأنها أن تحد من إمكانية مشاركة المرأة.

و في الوقت الذي نصت اتفاقية 1979 و ما تلاها من تعليقات على إدخال المرأة في برنامج التطور (integrating women into development) بدأت المنظمات الدولية منذ مطلع 1990 تتحدث عن مساهمة الجنس الآخر و مشاركته الفعالة المباشرة في سياسة التطوير و التخطيط الاجتماعي و الاقتصادي.

في هذه الأيام يستعمل التعبيران “حقوق المرأة” و “المساواة في الجنس” للتعبير عن الموضوع نفسه في الوقت أن تعبير حقوق المرأة يعني حصول المرأة على كافة الحقوق الانسانية المنصوص عنها في الدساتير و المعاهدات الدولية بدون تمييز. أما التعبير المساواة في الجنس فإنها تشير إلى المساواة بين المرأة و الرجل في المعاملة في حالة واحدة متشابهة أكانت في الحقل العام أم في الحقل الخاص.

ثانيا: عناصر هذه الحقوق:

إن عناصر هذه الحقوق مادية و معنوية و قانونية :

أ) فالعناصر المادية هي: جسدية و يترتب عليها مجموعة من الحقوق الفرعية نصت عنها الشرعة الأوروبية لحقوق الانسان و هي:

– الحق في الحياة لكل إنسان و حماية جسده و منع التعرض له
– حق الجنين في بطن أمه في الحياة و منع التعدي على الجنين في بطن إمه مما يستتبع عدم جواز الاجهاض إلا في حالات مبررة طبيا أو أخلاقيا و مع إحترام إرادة الأم
– منع الاعتداء على جسد الانسان و بتر أي عضو من أعضائه لأي سبب من الأسباب
– منع التعامل و التجارة في الأعضاء البشرية (استثناء بيع أعضاء معينة لأسباب متعلقة بالأبحاث أو لأسباب قاهرة مسموحة في بلدان قليلة)
– منع حجز حرية أو اختطاف أي إنسان
– تحريم التعذيب الجسد والتعذيب النفسي بالأذى و الضرب و التعدي الجنسي و التشويه بأي طريقة أو أسلوب لأي سبب من اللأسباب و هذا التحريم يشمل السلطات العامة كما يشمل الضغط النفسي و التعذيب في العمل (psychological harassment) لدفع الموظفة إلى الخطأ أو ترك العمل، و يشمل أيضا الاستغلال في ظروف العمل للوصول إلى مآرب جسدية منافية للحشمة و غيرها
– عدم التفرقة بسبب اللون أو المرض أو الشكل أو الجنس أو المصدر (تفرقة عنصرية)
– الحق على صورتها إذ أن للإنسان حق على صورته و صورة جسمه ، فلا يحق لأي طرف تصوير المرأة بدون موافقتها

ب) العناصر المعنوية و هي كل ما من شأنه أن يتسبب بضرر شخصي أو إجتماعي للمرأة بمعناه الواسع. و من العناصر المعنوية:

– الحق بالكرامة و منع التعدي عليها
– الحق بحماية صورتها المادية (منع استعمال صورتها الشخصية لأي سبب دون موافقتها)، و صورتها المعنوية أي عدم المساس بسمعتها، بسيرتها في حياتها و بعد مماتها و عدم التشهير بها)
– الحرية الشخصية مقدسة و يمنع التعدي على الخصوصية (هاتف، مراسلات، انترنت و ما شابه ذلك، معلومات شخصية طبية أو دراسية أو خاصة أو مهنية لا تتعلق بالجمهور)
– حرية الزواج
– حرية العمل و المساوة فيه

ت) العناصر القانونية يترتب على ذلك التمتع بكافة الحقوق التي ينص عنها الدستور و الحقوق و الموجبات المدنية. و تشمل:
– الحق بالجنسية
– الحق بالتملك
– الحق بالزواج
– الحق بالبنوة
– الحق بالميراث
– حق المرأة بضمان الشيخوخة و الحصول عى حياة تقاعدية كريمة
– حق المرأة في التعلم في مدارس و جامعات وطنية لها رفعتها و مستواها التعليمي و تؤمن المساواة في التعليم لكل المواطنين
– المساواة في فرص العمل و في المعاملة ضمن الإطار المهني الواحد
– و كافة الحقوق التي تنص عليها القوانين الوضعية إسوة بالرجل

ثالثا: اشكالية تاريخية: الحقوق الدين و العادات و التقاليد:

إن معالجة موضوع الحقوق الأساسية للإنسان، و بالنظر للسرد التاريخي الذي سبق، تطرح إشكاليتين:

* الإشكالية الأولى أصولية و أدبية لا يمكن تجاوزها تعود إلى مسببات القهر و الاضطهاد اللذين أديا إلى لجوء المرأة إلى المطالبة بحقوق إنسانية بمعزل عن القيم الدينية و الاجتماعية السائدة. فالسؤال الذي يفرض نفسه: هل يمكن الاستنتاج أن بعض المبادئ الدينية تتناقض مع الحقوق المدنية الأساسية للمرأة أم أن هناك مشكلة ممارسة؟ و هل أن المبادئ القانونية الأخلاقية المطلقة هي مبادي فلسفية كما ذكر أرسطو؟ و هل يمكن التحدث عن مبادئ حقوق المرأة و قيمها بمعزل عن الدين؟ أو بتعبير آخر هل تتناقض مع الدين؟

* أما الاشكالية الثانية فهي تنفيذية أي تتعلق بابتعاد أهل القيم و أدبيات السلوك المثالي عن المبادئ التي ينادون بها كما حصل مع رجال الدين و الثورات و إنغماسهم في متاهات السلطة و نتائجها القمعية. فهل تعتبر مبادئ حقوق المرأة نوعا من أنواع المثاليات أو اليوتوبيا؟

إذا ما عدنا إلى المبادئ و القيم و التعاليم الدينية المشار إليها أعلاه على إختلاف انتماءاتها، نخلص إلى القول بأن الأديان السماوية حفظت حق الانسان و المرأة بشكل أو آخر. إن الأخلاق أو القيم (ethics) المشتقة من اليونانية (ethos) و من اللاتينية (ethicus) و التي دأبت العقائد الشرقية تتباهى بها و نشرها لا تضاهي القيم و الأخلاق الحميدة التي بشر بها الأنبياء و الرسل في الأديان السماوية من خلال الممارسات الدينية و الدنيوية التي دعوا إليها. فالصراع ليس قائما بين الدين و الفلسفة أو بين الدين و الأخلاق مطلقا. و إنما المشكلة تكمن في ممارسة ذكورية و مجتمع مبني على تقاليد موروثة.

فقد كان الحكم باسم الدين يعني الحكم باسم الايمان أي الخضوع لمشيئة الله، و الخضوع لمشيئة الحاكم تعني الخضوع لمشيئة الله الذي يحكم باسم الدين و مشيئة الله و الخروج عن الحاكم تعني الكفر و الزندقة و الردة و الحكم بالموت. فتوجب الخروج من هذه الحلقة المفرغة و هذا الفخ الذي يستعمل فيه الحكام (و الناطقون باسم الدين) الارادة الإلهية و يسخروها لصالح حكمهم و مشيئتهم و غاياتهم و نزواتهم الشخصية و يتجاوزون في معظم الأحيان القيم الدينية و يستغلون إيمان الناس و بساطتهم و رضوخهم فيسيؤن إلى الدين و الايمان[ Ignaz Goldziher, Le dogme et la loi dans l’Islam, Geuthner, 2000
]. و التاريخ حافل بمآثر هؤلاء على مد السنوات و على اختلاف المذاهب و الأديان. و خير دليل على ذلك ما حصل مع مفكر مصري شهير منذ فترة وجيزة حيث تم تطليقه من زوجته قسرا و خلافا لإرادة الزوجين على خلفية أفكار متطورة لا تروق لبعض رجال الدين. إن صون الدين و حماية الايمان من تعسف أهل السلطة تقضي بالحكم باسم الحق و القانون اللذين يستمدان قوتهما و أصولهما من مبادئ إنسانية اساسية تمت إلى أصول البشرية و حمايتها و إرساء قواعد الحرية و العدالة و القيم الأخلاقية بين الناس التي جاءت كل الديانات السماوية و المعتقدات البشرية لتؤكد عليها ليسود العدل و الحرية و المساواة بين أجناس البشر.

إن فكرة حقوق الانسان و المرأة و حريتهما تجلى في العقد الاجتماعي و في كتابات و أفكار أطلقها عدد كبير من المفكرين و الفلاسفة أمثال لوك و فولتير و جان جاك روسو و مونتيسكيو و توكفيل و سبينوزا و شوبينهاور و هوبز و قاسم أمين و مصطفى عرابي و أتباع مدرسة سيسرون المثالية و غيرهم. و كما أعلن المفكر الثوري المحامي سان جوست (Saint Just) حينها “لا تكتب الحرية لشعب بدون قوانين”[ Le Droit International, Archives de Philosophies du Droit, Tome 32, Sirey 1987
]. و أدى التطور الفكري و قيام حركات النهضة الفكرية كما سبق و أشرنا، بغض النظر عن اختلاف مصادرها التاريخية، إلى تكريس حقوق إنسانية فردية أساسية في مجموعة من الشرع و الاتفاقيات الدولية نذكر من أهمها الاعلان العالمي بحقوق الانسان لعام 1948، إتفاقية 1980 المتعلقة بإلغاء كل أشكال التمييز ضد المرأة، الإعلان الاسلامي لحقوق الإنسان الذي أعلن بتاريخ 19/9/1981 أمام الهيئة العامة للأونيسكو بمبادرة من تجمع مسلمي فرنسا. و قد أدخلت معظم هذه المبادئ في تشريعات الدول التي ما فتئت محاكمها تحكم بموجبها عندما يتعرض أي إنسان مقيم على أراضيها لأي اعتداء على شخصه و حقوقه الأساسية (صادق لبنان على البعض منها). إن حضارة مجتمع تقاس بطريقة معاملته للأقليات (مهاتما غاندي).

رابعا: موقف القانون اللبناني و الحقوق التي يحميها؟

الدستور اللبناني:

ينص الدستور اللبناني في مواده السابعة و الأثني عشرة و الرابعة و العشرين على مبدأ مساواة الرجل و المرأة أمام القانون و في حقهم في الوظائف و في حقهم الانتخابي ترشيحا و انتخابا.

و عليه فإن المواطنين رجالا و نساء متساوون في الحقوق و الواجبات و أمام القانون. و ما التمييز و التقاضل في أي موضوع سوى الشواذ عن القاعدة. و بتعبير قانوني آخر فإن الأحكام القانونية المتعارضة مع المباديء الدستورية هي “غير دستورية” بالمعنى القانوني و تتعارض مع مبادئ النظام العام لأنها تمس بمبادئ رئيسية و هي الحرية و المساواة و العدالة.

الاتفاقيات الدولية:

لقد انتسب لبنان و صادق على الاتفاقية العامة لحقوق الانسان لعام 1948 و على معاهدة الأمم المتحدة حول إلغاء كل اشكال التمييز ضد المرأة لعام 1979 the UN Convention on the Elimination of All Forms of Discrimination against Women (CEDAW), 1979. . كما أن لبنان قد إنتسب إلى عدد من المعاهدات الدولية التي تعنى بشكل أو آخر ببعض الحقوق الأساسية كمعاهدة الأمم المتحدة لعام 1998المتعلقة بمنع الاتجار بالأشخاص و خاصة الأطفال و النساء، و معاهدة التمييز ضد المرأة عام 1996، و معاهدة الحماية المدنية عام 2004 و غيرها. و من الملاحظ غياب تطبيق المعاهدات في القوانين الوضعية و في الأمور اليومية و في معالجة المشاكل التي تعترض المرأة.

و الجدير بالذكر أن لبنان كان من أنشط الفاعلين في إنشاء المنظمة العربية لإنهاض المرأة عام 2001 (و قد إنضم إليها بموجب القانون 472/2001) و في وضع قواعدها و مبادئها التي تنص في مادتها الخامسة على “المساهمة في تعزيز التعاون والتنسيق العربي المشترك في مجال تطوير وضع المرأة وتدعيم دورها في المجتمع … وعلى الاخص:
تحقيق تضامن المرأة العربية باعتباره ركناً اساسياً للتضامن العربي
تنسيق مواقف عربية مشتركة في الشأن العام العربي والدولي ولدى تناول قضايا المرأة في المحافل الاقليمية والدولية
تنمية الوعي بقضايا المرأة العربية في جوانبها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقانونية والاعلامية
دعم التعاون المشترك وتبادل الخبرات في مجال النهوض بالمرأة
ادماج قضايا المرأة ضمن اولويات خطط وسياسات التنمية الشاملة
تنمية امكانات المرأة وبناء قدراتها كفرد وكمواطنة على المساهمة بدور فعال في مؤسسات المجتمع وفي ميادين العمل والاعمال كافة وعلى المشاركة في اتخاذ القرارات
النهوض بالخدمات الصحية والتعليمية الضرورية للمرأة.

و تنص المادة السادسة على آلية العمل و الوسائل والتدابير التي تتخذها المنظمة لتحقيق اهدافها وتمارس الانشطة اللازمة للاضطلاع بمهامها .. وعلى الاخص:
جمع ونشر البيانات المتعلقة بأوضاع المرأة
دعم وتنسيق الجهود المحلية والقومية المتصلة بقضايا المرأة
متابعة مختلف التطورات بالمحافل الدولية في مجال اختصاصها
اعداد البرامج المتكاملة والنموذجية لتنمية اوضاع المرأة في شتى المجالات
الاتصال والتعاون مع المنظمات الحكومية وغير الحكومية العربية والدولية المعنية
عقد الندوات وورش العمل لتنسيق العمل العربي المشترك في مجال المرأة
القيام بالدراسات والبحوث حول المرأة وموقعها في المجتمع.

و لكن هذه المنظمة و مقرراتها بقيت بعيدة عن عالم الحقيقة المرة التي تعاني منها المرأة في مجتمعنا المتوتر.

القانون اللبناني:

أن القانون اللبناني لا يتضمن من حيث علاقة الإنسان الفرد بحقوقه الشخصية المدنية سوى قانونين أساسيين: قانون الأحوال الشخصية (بشقيه الاسلامي و غير المحمدي) و قانون الموجبات و العقود. و يغيب عن تشريعنا مواد أو مبادئ تلحظ حماية المواطن(ة) كما هو ملحوظ أعلاه في شرع حقوق الانسان و على الأخص في شرعة الحقوق الأوروبية و التي تبناها القانون الفرنسي (المواد 9 و 16 من القانون المدني) و توسع في شرحها الفقه و الاجتهادان الأوروبي و الفرنسي.

و لكن ذلك لا يعني أن في لبنان شريعة الغاب و أنه لا يوجد بعض القواعد الحمائية. من نافل القول أن الدستور اللبناني في مادته الأولى فقرة ج يحمي حرية المعتقد و الفكر و سائر الحريات السياسية. و تنص المادة السابعة على مبدأ المساواة بين المواطنين بغض النظر عن الجنس. و تعرف المادة الأولى من قانون الموجبات و العقود الموجب بأنها “رابطة قانونية تجعل لشخص أو لعدة أشخاص حقيقيين أو معنويين صفة المديون بحق شخص أو عدة أشخاص يوصفون بالدائنين”. و يستنتج من هذا التعريف أن القانون المدني اللبناني لا يفرق بين الجنس في الموجبات و لكنه ينظر إلى الموضوع من زاوية الموجبات و ليس من زاوية الحقوق الشخصية. و من ناحيته فأن قانون العقوبات يعاقب التعدي على الأشخاص و منعهم من ممارسة حقوقهم (مادة 329) ، و على التعدي على النساء و اغتصابهن (مادة 530 و ما يتبع) ، و على التعدي على الجسد و القتل (مادة 547 و ما يلي) ، و على الحرمان من الحرية (مادة 569)، و على التعدي على حرية االقصار في الزواج (مادة 483) .

و المشرع اللبناني قد أصدر بعض القوانين المبعثرة التي تعنى ببعض الحقوق المدنية خاصة فيما يتعلق بحقوق المرأة كقانون 720/1998 الخاص بإنشاء هيئة تعنى بشؤون المرأة و حقوقها. و قانون العمل التي تلزم رب العمل بمراعاة النساء في ساعات العمل و منحها بعض الحقوق المتعلقة بالإجازات المرضية و الأمومة.

يوازي ذلك وجود بعض الأحكام القانونية و الممارسات التي تنتقص من حقوق المرأة البديهية و تتعارض مع المبادئ الدستورية و المعاهدات الموقعة. ففي المواد 23 و 43 من القانون العقاري مثلا يشترط مراعاة قوانين الأحوال الشخصية التي تتطلب موافقة الزوج على إتمام بعض المعاملات العقارية. و في بعض الأنظمة التقاعدية تفقد المرأة جزئا من راتب زوجها التقاعدي بعد وفاته في حين لا يمس هذا الراتب في حالة وفاة الزوجة قبل الزوج. و تشترط بعض المحاكم الشرعية تمثيل الأب أو ولي الأمر الذكر أو موافقته في عقد قران الأمرأة حتى و لو كانت راشدة عملا بقراءة متشددة لأحكام المواد 35 و 47 من قانون الأحوال الشخصية. و تنص المادة 73 منه على ضرورة إطاعة الزوجة لزوجها بينما تطلب حسن المعاملة فقط من الرجل.

و في قانون الضمان الاجتماعي نلحظ مثلا فارقا بين المرسوم 5103 تاريخ 24/3/2001 المتعلق بالتعويضات العائلية و طريقة توزيعها بين الزوجة و الأولاد بصورة عامة و بين المرسوم رقم 2188 تاريخ 5/6/2009 و المتعلق بنفس الموضوع و المختص بتعويضات زوجات و أولاد سائقي السيارات العمومية. ففي المرسوم الأول حدد التعويض العائلي للزوجة بستين الف ليرة بينما حدده بخمسين الف ليرة في الحالة الثانية.

يضاف إلى ما تقدم القرار رقم 15 تاريخ 19/1/1925 المتعلق بالجنسية الذي ينص في الفقرة الثالثة من المادة الأولى على أنه يكتسب الجنسية كل مولود من أب لبناني غافلا حق الأم في الموضوع.

ناهيك عن التمييز الباطني و العلني المتأتيين من المواد 6 و 7 و 8 و 12 من قانون تنظيم العائلة الصادر بتاريخ 25/10/1997. و يستشم من قراءة المواد 13 إلى 19 شعور بالأنتقاص من كرامة المرأة و الحد من حريتها.

تكمن المشكلة إذا في كون بعض هذه النصوص تتعارض مع المباديء الدستورية و مع المعاهدات الدولية التي صادق عليها لبنان. و بموجب القانون الدولي و هرمية كلسن فإن القوانين و القرارات التي تتعارض مع الأحكام الدستورية و المعاهدات الدولية تعتبر غير نافذة و لا تطبق على أصحاب العلاقة. و من جهة أخرى لا تنص القوانين الحمائية المشار إليها على قواعد الحقوق الانسانية التي يحق للمواطن الاعتداد بها و الاعتماد عليها للمطالبة بحقه بشكل عفوي. فبموجب أحكام القوانين الحالية كحماية المستهلك مثلا على المتضرر إن يتقدم بشكوى و أن يطلب تعويضا إذا تلازم فعل الجاني مع ضرر مباشر، و إلا فعليه التقدم بدعوى المسؤولية المدنية عن الضرر الذي يلحقه ضمن إطار المسؤولية المدنية و تلازمه مع الفعل. و هذا الموضوع يستلزم أمرين: أولا: ثقافة مواطنية تحمل المواطن على اختيار الطريق القانوني و القضائي السليم لاستحصال حقوقه المباشرة خارج إطار العقوبات التي تقر بها النيابة العامة و الهيئات الاتهامية، و الثاني أن يكون الضرر معترفا به قانونا و اجتهادا. و لم يتسنى للقضاء البت في موضوع تطبيق قانون حماية المرأة.

دور الفقه و الاجتهاد اللبنانيين:
في غياب نصوص صريحة قام الفقه و الاجتهاد اللبنانيان، مستوحيين من المبادئ الدينية و الانسانية البديهية و مستلهمين من الاجتهاد الفرنسي، باستنباط عدد من الحقوق الأساسية فدخلت بدورها في معجم قواعد الحق اللبناني. فبالإضافة إلى الضرر المادي الذي ينتج عن الفعل المباشر ضمن إطار نظرية المسؤولية أكانت تعاقدية أو ناجمة عن الخطأ أو الإهمال و القصد، فقد صدرت مجموعة من الآراء و الاجتهادات التي أقرت بالضرر المعنوي لصالح الفرد عامة و المرأة خاصة نتيجة لخطأ يرتكبه احد بحقه. مثال ذلك الأخطاء الشخصية و المهنية. فما هي الحقوق التي أقر بها الفقه و الاجتهاد اللبنانيان و ما هي مصادره القانونية؟

لقد استلهم الاجتهاد اللبناني من الاجتهاد الفرنسي و من المبادئ الانسانية و القيم الدينية و الأخلاقية بعض الأسس و القواعد التي اعتمدها ليكرس في حالات معينة بعض الحقوق الفردية الشخصية الأساسية خاصة تجاه المرأة و ذلك انطلاقا من نص المادتين 134 و 263 من قانون الموجبات و العقود اللتين اعتبرتا أنه يمكن أن يعتد بالضرر المعنوي كما يعتد بالضرر المادي. و رأى بعض الفقهاء أن هذا الشرط الوارد في مجال المسؤولية العقدية يسري أيضا في المسؤولية التقصيرية لأن النصوص القانونية تكمل بعضها[ د. مصطفى عوجي- القانون المدني-ج 2، ص. 168]. و قد عرف الضرر المعنوي بأنه “الأذى الذي يلحق بغير ماديات الانسان فيمس بمشاعره او باحساسه او بعاطفته او بنفسه او بمكانته العائلية او المهنية او الاجتماعية محدثا لديه الألم النفسي او الشعور بالانتقاص من قدره”. و مرة أخرى نلاحظ أن هذا الضرر المعنوي لا ينتج عن مساس بحقوق أساسية بل في معرض مسؤولية تعاقدية أو تقصيرية. فما هي الحقوق التي كرسها الاجتهاد بطريقة غير مباشرة في معرض تناوله للأذى و الضرر المعنوي؟

– حق الانسان على جسده و صورته: إن إصابة آنسة عزباء و فنانة بجروح في جسدها و وجهها ينتج عنه تعطيل و تشويه دائم يؤثر في تعاطيها مهنتها الفنية الغنائية يعطيها الحق بالتعويض عن الضرر المادي و المعنوي الذي لحق بها[ المحكمة الادارية الخاصة، 6/4/1970، ن ق 1970 ص 410 ] .

– حق الولد بحقه بالكرامة و المساواة: يحق للإبنة غير الشرعية ، ثمرة معاشرة خارج الزواج، أن تطالب والدها بالتعويض عن الضرر الذي لحق بها بتسببه بوجودها بشكل منتقص الحقوق كإبنة غير شرعية ذات مكانة إجتماعية منتقصة في هذه الدنيا. مما ألحق فيها ألما نفسيا رافقها مدى حياتها[ تمييز مدنية 14/4/1067، ن ق 1967 ص 835].

– كما يحق للأب أن يقاضي إبنته و عشيقها عن العار الذي ألحقته به بسبب استسلامها للغير في سن يقرب من سن الانعتاق من الولاية[ محكمة ابتدائية البقاع 21/7/1948، ن ق 1949 ص 554 ]. (نتحفظ على محاسبة الإبنة لتمتعها بكل حرية بجسدها إلا إذا كان قد غرر بها من قبل عشيقها ، ففي هذه الحالة يحاسب العشيق للضرر المتسبب به للإبنة و للعائلة).

– حق التمتع في الحياة: حكم الاجتهاد في أكثر من مناسبة و أرفق إلى جانب التعويض عن الضرر الجسدي التعويض عن الضرر المعنوي الناتج عن الحرمان من متع الحياة. مثل الرياضي الذي يحرم من ممارسة هوايته أو حرفته. و لم يقتصر الحرمان على الأممور و الاعاقات أو الأضرار الجسدية بل تعداها ليطال الأضرار الذهنية و الفكرية و النفسية[ د. مصطفى عوجي، المرجع نفسه، ص. 181 . و عاطف النقيب، النظرية العامة الناشئة عن الفعل الشخصي. 1983، ص 321]. و ينسحب هذا الاجتهاد على تعويض المرأة عن الضرر المادي و المعنوي الذب يصيبها من جراء التعرض لها جسديا و معنويا.

– حق زوج المرأة التي جرحت و تشوه وجهها على إثر حادث بتعويض عن الضرر المعنوي الذي لحق به بمعزل عن التعويض الذي يستحق للمرأة[ محكمة الجنايات تاريخ 5/1/1951 المحامي 12/1951 ] و من البديهي أن يشمل هذا الحق الزوجة.

– حق الانسان على جسمه و عورته: كل فعل يقع على عورات الغير و من شأنه أن يخدش عاطفة الحياء ، و أن الأفعال التي تقع على أجزاء الجسم من دون أن يكون لها طابع الفحش و من دون ملامسة عورات الغير تعتبر من الأفعال الفاضحة أو المنافية للحياء.

و بمقتضى المادة 134 موجبات و عقود يعتد بالضرر الأدبي كما يعتد بالضرر المعنوي و المادي. فللقاضي أن ينظر بعين الاعتبار إلى شأن المحبة إذا كان هناك ما يبررها من صلة القربى الشرعية أو صلة الرحم. و يحق للأقارب و ذوي القربى و للورثة و لسواهم من ذوي القربى الشرعية أو من ذوي صلة الرحم أن يطالبوا بالأضرار المادية و المعنوية التي نالتهم بسبب موت مورثهم بخطأ الغير. و لأشقاء المتوفي أن يطالبوا بمثل هذه الأضرار حتى و لم يكونوا من الورثة لأن الحق الذي يدعون به على هذه الصورة ليس منتقلا عن الميت بل هو شخصي متعلق بهم ناشيء عن صلة المحبة و القربى[ محكمة الاستئناف، قرار 751، تاريخ 31/5/1949 ، مصنف شمس الدين 1949 ، المستشار].

و لكن هذه القرارات القضائية مشوبة بعيوب جوهرية شكلية و موضوعية متصلة بجوهر الموضوع الذي نحن بصدده و ليس بجوهر و أساس القرارات الصادرة بحد ذاتها. فبعض هذه الحقوق أشير إليها في معرض النطق بها بطريقة غير مباشرة من زاوية التعويض عن الضرر المترتب. و تمنياتنا أن تكرس هذه الحقوق كمبادئ قانونية لحماية المرأة و المجتمع.

خامسا: كيفية ممارسة هذه الحقوق:
نشر الحقوق و العلم بها:
لا يجب الاكتفاء بإعلان المبادئ الحقوقية و إدخالها في المنظومة القانونية الدولية و المحلية بل يجب نشرها و إدخالها كثقافة إجتماعية اساسية في المناهج التعليمية للرجال و النساء على السواء.
اللجوء إلى الوسائل القانونية و القضائية:
إن وسائل النضال لا تكمن في الصراخ و التظاهر فحسب بل يجب أن تلجأ صاحبات العلاقة إلى استعمال كل الوسائل القانونية و القضائية المتاحة لحماية حرياتهن و الاستحصال على حقوقهن.

وسائل الضغط
يتوجب على المنظمات و الهيآت العاملة في حقل حماية الحريات النسائية و دعم حقوقها الإنسانية التعاون و التكافل لتشكيل مجموعات ضغط على أصحاب القرار من أجل إدخال تشريعات جديدة و تعديل ما هو مجحف حاليا. كما أنه يتوجب عليها تدفع بعناصرها لتمارس الحياة العامة سياسيا و اقتصاديا و اجتماعيا و ماليا بشكل أكثر فعالية ليشكل وجودها في هذه المحافل أداة ضغط و درع حماية لصالح الحقوق النسائية. هذا مع الإشارة هنا إلى الهيئة الوطنية لحقوق المرأة التي أنشئت بموجب القانون 720 تاريخ 5/11/1998، و التي ينص نظامها على مهام استشارية و تنسيقية و تنفيذية.

العلم و الثقافة:
نشر التعليم و محاربة الجهل الذي يطال بصفة خاصة النساء و توعية النساء حول حقوقهن المشروعة و التركيز على التربية المنزلية و نبذ الفكر الذكوري في مجتمعنا الشرقي.

المشاركة الفعالة
على المرأة المشاركة بشكل فعال في كافة المجالات بصرف النظر عن النسب (كوتا) التي نعتبرها مهينة بحق الرجل و المرأة على السواء و متناقضة مع مبدأ المساواة. إن هذه المشاركة في تحمل مسؤولية التخطيط و البناء و اتخاذ القرارات تغير الوجه الحضاري للمجتمع. و خير دليل على ذلك ما قدمته مشاركة باقة من المحاميات إلى مجلس نقابتهن في طرابلس و هذا ما تميزت به نقابة محامي طرابلس عن عدد كبير من الفعاليات المختلطة في منطقة الشمال. كما أن مدينة طرابلس قد اختارت سابقا لفيف من السيدات إلى عضوية المجلس البلدي، و انتخبت مؤخرا سيدة حقوقية ، صحافية، ذات حاجة خاصة إلى العمل البلدي في خضم تنافس ذكوري حاد مما يثبت أن المجتمع منفتح على إعطاء الثقة لكل عمل جاد و السماح بمشاركة فعالة للمرأة في الشؤون العامة. و نأمل أن ينسحب هذا الأمر على الإنتخابات التشريعية.

من يفرض تطبيق قواعد حماية المرأة و يحمي حقوقها؟
– الدولة من خلال جعل هذه القواعد من مبادئ النظام العام مما يتوجب على السلطات الأمنية و القضائية إثارتها عفوا
– أصحاب الشأن و المتضررين أنفسهم بتقديم الإعتراضات و الشكاوى حيث و حين تدعو الحاجة
– المنظمات الرسمية و الخاصة المعترف بها بشكل تثير فيه الموضوع أمام السلطات المعنية

ممارسة الحقوق القضائية بممارسة أصول الادعاء:
– عملا بأحكام المادة 212 عقوبات فإن الدعوى تقام بوجه فاعل الجريمة و شركائه و المتدخلين فيها و المحرضين عليه
– أما في الدعوى المدنية التي ترمي إلى المطالبة بالتعويض فإنها تقام بوجه الفاعل و الشريك و المتدخل و المحرض بالاضافة إلى المسؤول بالمال و الوريث و الضامن و الهيئات المعنوية.
– و يحق مقاضاة الشخص المعنوي عن الضرر الذي يتسبب به عملا بأحكام المادة 122 موجبات و عقود معطوفة على المادة 210 عقوبات بحيث أن الشركة (أي الشخص لمعنوي) يكون مسؤولا عن الضرر المادي الذي تسبب به العاملون فيها الذين يعملون باسمها و لمصلحتها (مديرا أو عضوا في إدارتها أو ممثلا لها أو عاملا فيها) اثناء ممارسة عملهم فيها و لها و بوسائلها.
– على المتضرر إقامة الدعوى و إثبات العلاقة السببية بين الفعل و الضرر و تقدير قيمته. و يكون الضرر قد حصل.
– في حال انتهاك حرمة السمعة أو السيرة الذاتية أو تاريخ المرأة مثلا، على الأخيرة أن تثبت الواقعة بشكل تعاقدي أو جزائي و أن تكون هذه الوقائع مثبتة بشكل موثق.
– قبل حصول الضرر: يمكن للمواطن الذي يعلم بوجود حالة تعد على أحد حقوقه التقدم بدعوى أمام قاضي الأمور المستعجلة طالبا: منع حصول الفعل أو منع النشر أو إبطال الفعل الخ..
– إتخاذ صفة الادعاء الشخصي ضد الموظف بسبب التقصير أو الخطأ
– بعد حصول الضرر: المطالبة بالعطل و الضرر المادي و المعنوي حسب الحالة
– الادعاء جزائيا في حال وقوع اعتداء جسدي أو معنوي و أو إتيان فعل يعاقب عليه جزائيا

سادسا: بعض المعوقات العملية و الواقعية:
تستمد هذه المعوقات وجودها من تقاليد و عادات و بعض النصوص و الأحكام القانونية المتوارثة كما أشير إليه أعلاه. من جهة أخرى تتعارض بعض المعوقات الإجتماعية و الموروثات الثقافية مع مبدأ حرية المرأة و حقوقها، مثال ذلك:

الزواج المنظم و إرغام الفتيات خاصة إذا كن قاصرات على الزواج
تمثيل المرأة برجل (ولي أمر) في عقود الزواج
إشتراط موافقة الزوج من أجل الحصول على إذن سفر أو جواز سفر المرأة أو الأولاد
ممارسة الختان في بعض الأوساط الاجتماعية
القتل لأسباب متعلقة بالغيرة و العار
الزواج من مغتصب
استعمال بعض القيم الدينية لقهر حرية المرأة أو تقييدها
تقييد حرية الدراسة

علما أن هذه العادات و الموانع تتغير من مجتمع إلى آخر و من منطقة إلى أخرى مما يرفع عنها مبدأ ارتباطها بقيم اساسية.

يضاف إلى ما تقدم بعض الأعتداءات و الممارسات الفعلية بحق المرأة و منها:
الضغط النفسي و الترهيب الجسدي في العمل و في الأماكن الخاصة و العامة
العنف الأسري على إختلاف أشكاله
التجارة بالمرأة و الفتياة رقا و جسديا
استعمال جسم المرأة لأسباب تجارية و ترفيهية

سابعا: نتائج قوننة هذه الحقوق:
إن إدخال هذه الحقوق في صلب التشريع الدستوري أو المدني أو الجزائي و إزالة المعوقات الموروثة يترتب عليه نتائج و آثار مهمة على الأفراد و المجتمع. و هذه الآثار نفسية و سلوكية و ثقافية.

بالنسبة لأصحاب الحقوق أولا، إن شعور المواطن رجلا كان أم إمرأة بوجود حق يحميه يغير من نفسيته و سلوكه و يحول دون السماح لأي كان بتجاوز حقوقه الأساسية . في الوقت نفسه أن شعوره بوجود هذه الحقوق لصالحه ينتج عنها ترتب نفس الحقوق لصالح المواطن الأخر بغض النظر عن جنسه. و ينتج عن ذلك شعور بضرورة احترام حقوق الأخرين بقدر ما يترتب عليهم احترام حقوقه. إنها العقد الاجتماعي و الثقافة الجماعية بضرور احترام حرية الآخر و حقوقه و ما ينتج عليها من التزامات.

و ينسحب هذا الشعور الفردي على المجتمع و الادارة و السلطة ثانيا، حيث تنتقل هذه الثقافة إلى القيمين على إدارة شؤون الناس بحيث يصبحون حريصين على احترام حقوق المواطن سواسية بغض النظر عن العرق و الجنس و حمايتها بقدر حرصهم على احترام حقوقهم كمواطنين من جهة، و بحيث أنهم يخشون من عاقبة تجاوز حدود السلطة و التعسف في استعمالها لوجود العقاب و الملاحقة و الحماية التي يتمتع بها المواطن بوجود حقوقه الأساسية في الدستور و المعاهدات و القانون من جهة أخرى.

إن شعور المواطنين رجالا و نساء بوجود حقوق أساسية تحميهم سواسية و إمكانية ممارستهم لها تشعرهم بالكرامة و الحماية، من جهة ، و تحول هذه الحقوق دون كل من تخوله نفسه التطاول عليها أكان شخصا عاديا أو شخصا معنويا أو موظفا إداريا بشكل تعرضه للملاحقة العامة أو الفردية و تحول دون التمييز بين الأجناس و الأعراق و النوع. و تضع المواطن اللبناني رجلا كان أو إمرأة في مرتبة إنسانية رفيعة، حضارية و راقية.

خلاصة و توصيات:

هذا ما يحدو بنا إلى التفكير جديا في إعادة النظر في بعض التشريعات الحالية و دمج التشريعات المدنية و الأحوال الشخصية الدينية (مع المحافظة على خصوصيات البعض منها و التي تميز قيم مجتمعنا) في قانون مشترك يضم في مقدمته القيم الأساسية للأنسان و المرأة و حقوقها الانسانية الأساسية التي لا تختلف عليها الديانات و الحضارات. و يقضي ذلك تعديلا لقوانين مختلفة مما يتلاءم مع حماية هذه الحقوق.

أن إدراج هذه الحقوق في نظام دستوري و قانوني موحد يجعل من التعدي عليها فعلا، إداريا أو تعاقديا باطلا حكما لتعارضها مع النظام العام و بالتالي يكون لهذه الحقوق مفعول حمائي وقائي سابق و هذا ما ينسجم مع روحية الدستور و المعاهدات و المواثيق الدولية التي وقع عليها لبنان، و لا تبقى مفعولا علاجيا بعد أن يحصل الضرر كما هو الحال الآن لأنه لا يحق للغير تناول خصوصيات و حقوق الفرد دون موافقته المسبقة. و عليه نقترح أن تدرج هذه الحقوق في مواد قانونية دستورية و مدنية .

و في المطلق علمتنا التجارب أنه في الشرق العربي عامة و في لبنان خاصة، ليست العبرة في سن القوانين و إطلاق الحقوق و المبادئ بل في إرساء الثقافة الحقوقية و في التطبيق، و أني أرى أننا قبل كل شيء بحاجة إلى ثورة فكرية و إجتماعية و ورشة عمل قانونية من أجل إرساء قواعد الحق و العدالة و الحرية و المساواة ثقافة و فعلا.

فواز سالم كبارة

محام بالاستئناف

أ

س

ت

ا

ذ

 

ج

ا

م

ع

ي

عولمة القانون حظوظ و مخاطر

Saturday, August 21st, 2021

عولمة القانون حظوظ و مخاطر

ميراي دلماس مارتي

Mireille Delmas-Marty

Recueil Dalloz 1999, Chroniques p. 43

لم يعد السؤال يطرح إدا ما كنا مع أو ضد عولمة القانون لأن هدا الموضوع أصبح واقعا. إن القانون أصبح عالميا في أكثر من ميدان. إن الأزمات العالمية مسئولة عن هذا الواقع بدئا بأزمة الحرب العالمية الثانية و ما نتج عنها من الإعلان العالمي لحقوق الانسان عام 1948. و يبدو أن أزمة جنوب شرق آسيا تصب في هذا الاتجاه من الناحية الاقتصادية. و اليوم تضيف قضية بينوشيه إلى هذا المضمار نواة قانون جزاء دولي قد يقضي إلى إنشاء محكمة جنايات دولية دائمة.

إن الجنرال بينوشيه متهم بالتعذيب و الخطف و الإبادة أي بتهم يعتبرها القانون الدولي بمثابة جرائم ضد الانسانية و جرائم حرب أي ” جرائم تتصل بالمجموعة الانسانية العالمية و التي لا يمكن أن تبقى دون عقاب” كما نصت عليها مقدمة اتفاقية روما تاريخ 17 تموز 1998 المتعلقة بإنشاء و بنظام محكمة الجنايات الدولية. إن أول طلب لاسترداده جاء من قبل قاض اسباني ثم توالت الطلبات الفرنسية و السويسرية و السويدية. و كان على القضاء الإنكليزي أن يبت بمجموع هذه الطلبات و أن يقر بمبدأ وجود حصانة أو لا و من ثم أن يقبل أو أن يرد طلبات الاسترداد.

إن الظروف و الخصوصيات التي دارت من خلالها المحاكمة تثبت أن عولمة القانون أخذت مجراها. فلكي ترفض حصانة رؤساء الدول الحاليين و السابقين ارتكزت هيئة اللوردات في قرارها تاريخ 25 تشرين الثاني 1998 على المبادئ المنبثقة عن محاكمات نورنبرغ و استشهدت بشكل صريح بمبادئ القانون الدولي كما أفاد اللورد نيكهولس من بيركنهيد Niccholls of Birkenhead بقوله أن القانون الدولي قد ثبت بأن بعض أنواع من السلوك بما فيها التعذيب و حجز الرهائن هي غير مقبولة من أي كان. و هدا ما يمكن تطبيقه على الجميع و بشكل أشد على رأس الدولة، و قول العكس هو استهزاء بالقانون الدولي.

international law has made plain that certain type of conduct , including torture and hostage-taking, are not acceptable conduct on the ârt of anyone. This applies as much to heads o state, or even more so, as it does to every one else; the contrary conclusion would make a mockery of international law”. ( R… v/ Bow St Stipendiary magistrate and others ex parte Pinochet Ugarte – 1998 – 3 WLR 1456).

و لكن يبدو من واقع القضية أنه إذا كان متفق عالميا على وصف و طبيعة الجرائم فأن فكرة عولمة القانون من حيث التنفيذ و العقوبات لم تنضج بعد. إذ أنه عوضا أن يوم قاض إنكليزي بالرد على طلب قاض اسباني وجب أن ينظر في أساس الموضوع قاض دولي، و ذلك عملا بأحكام اتفاقية روما، تكون وظيفته الحكم في قضايا الإبادة و الجرائم المرتكبة في حق الانسانية. و بموجب المادة 13 من هذه الاتفاقية تتضمن هذه الاوصاف كل الافعال المرتكبة بشكل منظم جماعي ضد مجموعة من السكان المدنيين و العلم بها. و تشمل السجن و ما يشابهه من أشكال حرمان الحرية الجسدية حسب ما هو متعارف عليه دوليا، كالتعذيب، الملاحقات و المضايقات، خاصة تلك المرتبطة بأسباب سياسية، و الاخفاء. و لكن إنشاء هذه المحكمة يحتاج إلى موافقة ستين دولة على الأقل لتأخذ حيزها إلى التنفيذ. و يجدر التنويه بأن دولا تمثل نصف سكان المعمورة قد صوتت ضد هذه الاتفاقية منها الولايات المتحدة و الصين و الهند.

في غياب هذه المحكمة و بالقياس لوضعية الملف يكمن الحل الأقل سؤا في إجراء المحاكمة في أوروبا. قانونيا يمكن الاستناد على الصلاحية المبنية على شخصية الضحية و جنسيتها أو بشكل أوسع على الصلاحية العامة. لأن رفض تسليم المتهم يعني عدم العقاب و يشكل تراجعا في مبدأ الجريمة و العقاب الذي يمس المجموعة الدولية.

بالرغم مما سبق فإن قبول القاضي الانكليزي طلب الاسترداد لصالح دولة أوروبية عرضة للانتقاد أيضا. خلال قيامي بمهمة في الارجنتين التقيت بعدد من الحقوقيين و القانونيين الذين يعارضون في مجملهم الجنرال بينوشيه و نظام الحكم الدكتاتوري العسكري الذي تسبب لهم بضرر و ملاحقات شخصية مباشرة، و يتهمون بينوشيه بدعمه لانكلترا ضد الأرجنتين ابان حرب المالوين. و بالرغم من ذلك فإن غالبيتهم تعارض طلب استرداده الذي يبدو و كأنه يعطي أفضلية و أحجية للشمال على الجنوب أي لأوروبا على أمريكا الجنوبية. و يطرح العديد منهم السؤال المعاكس : هل يمكن تصور الأرجنتين تحاكم السيدة تاتشر للجرائم التي ارتكبتها أثناء حرب المالوين، هل تقبل فرنسا أن يحاكم رجالها في أفريقيا عن جرائم مسئولين عن ارتكابها أثناء الاستعمار و حرب التحرير؟ يضاف إليه أن فكرة إجرا المحاكمة في اسبانيا البلد المستعمر القديم تبدو مصدمة. هذا السلوك لا يعني رفض الأرجنتين لمبدأ عولمة القانون بالنسبة لهذا النوع من الجرائم (بالعكس لكون الارجنتين من الدول المؤيدة بحماس لفكرة المحكمة الدولية في روما)، و إنما ينبي عن قلق من فكرة و مفهوم الهيمنة و التسلط conception hégémonique .

و السؤال الحقيق يكمن في هذا الطرح. إذا اصبح القانون عالميا بشكل غير منظور و متقطع، ينبغي التساؤل عن كيفية و طريقة تطوره و عن تقييم حظوظه و مخاطره.

1- المخاطر أولا:

لا نعني هنا بصفة خاصة المخاطر الاقتصادية التي ينقسم بعض الأخصائيون حولها، باعتبارهم أن العولمة الآقتصادية يرافقها ازدياد الخلل في التوازن و المساواة الاجتماعية سواء في الدول الغنية أو في معظم الدول الناشئة بما فيها الدول الصناعية الحديثة. و لا نقصد أيضا المخاطر الثقافية ، و فقدان الهوية عبر توحيد المراجع على صعيد المعمورة، و لا نعني بالمقابل مخاطر الانطواء و الصراع الثقافي أي ما يسمى بصدام الحضارات choc de civilisation و مضافا إليه ما هو أخطر أي صراع الديانات.

و لو تم حصرها بالمخاطر القانونية فإن فكرة قانون عالمي مثيرة للقلق. تقلق أولا الحقوقيين الذين اعتادوا النظر إلى القانون من خلال دولة منشئه، و تقلق ثانيا المواطنين المنتمين إلى عالم لا تحترم بعض الدول فيه و المنظمات الدولية المبادئ الديمقراطية . و بالعودة إلى قضية بينوشيه كيف يمكن القبول باسم مبدأ الصلاحية الشمولية compétence universelle أن يقوم قضاة كافة الدول بالنظر و الحكم في جرائم دولية بدون حد أدنى من الضوابط و الضمانات؟ ضمانات متعلقة بأصول المحاكمات بدئا بحق الدفاع و بضرورة وجود محكمة مستقلة و منصفة و متجردة. ففي الواقع إن الشك في تجرد أحد قضاة الدرجة الأولى هو ما برر قرار مجلس اللوردات الصادر بتاريخ 17 كانون الأول 1998 بإلغاء الحكم الصادر ضد بينوشيه: the important principle is justice, not revenge . ضرورة وجود ضمانات في الأساس أيضا كمبدأ عدم رجعية قوانين العقوبات المتشددة و الأشد وطأة . إن ضعف هذه الضمانات تساهم في خلق ما سماه أحد المعلقين بعدالة الكاو بوي.

في الوضع الراهن لا يكتفى بطرح الموضوع في الحقل الجنائي فحسب، بل إن مجموع قواعد القانون الدولي، أكان جنائيا أو لا، تكاد تقع في خطأ التسلط على حساب النظام الحقوقي الذي يقضي بعدم وجود تناقضات في فكرة العولمة و مسارها و انسجام المعايير المستخلصة منها. و هذا ما يتناقض مع ما يحصل.

1- إن التناقضات كثيرة و شاسعة بين المفهومين الأساسيين للعولمة المعاصرة أي العولمة الاقتصادية من جهة (التي تتميز بتوجه لتوحيد المعايير بشكل مهيمن tendance à l uniformisation de type hégémonique ) ، و من جهة أخرى شمولية مبادئ حقوق الانسان universalisation des droits de l homme التي تواجه بالمقابل خطر الانفلاش و التجزئة.

فمن الجهة الاقتصادية، إن التقنيات القانونية التي تؤدي إلى الهيمنة متعددة بشكل أن كل من الدول العظمى ساهمت فيه بدئا بالدول المستعمرة مرورا بالاتحاد السوفييتي وصولا إلى الولايات المتحدة الأمريكية الآن.

أول شكل من أشكال التقنيات القانونية المستعملة هو لا حدودية القوانين الوطنية extraterritorialité . هذه الممارسة التي يمكن أن تبدو مشروعة إذا كان القصد منها معاقبة فعل يترتب عنه آثار مباشرة مهمة في الدولة المعنية و لو أنه ارتكب من قبل أجنبي في بلد أجنبي، تصبح غير مشروعة و مناقضة لمبادئ القانون الدولي في الحالات العادية المطلقة. نذكر على سبيل المثل هنا قوانين الحظر الأمريكية الصادرة عام 1996 التي حرمت التجارة مع كوبا ( قانون هلمس بورتون) و مع ليبيا و إيران (قانون داماتو كنيدي). إن الحظر هذا الذي يرافقه عقوبات يطول الشركات في العالم كله. إن الهدف المعلن من هذه القوانين هو تشجيع ديمقراطية النظام فيما يتعلق بكوبا و محاربة الإرهاب فيما يتعلق بإيران و ليبيا. و لكنه يبدو من الصعوبة القبول بالتفسير و التعليل الأمريكي لهذين القانونين و لآثار أسبابهما على أراضي الولايات المتحدة من وجهة نظرية الأسباب و الآثار. فمن الصعوبة دعم القول أن لاستثمار بترولي تقوم به شركة أجنبية (غير أمريكية) في ليبيا أو إيران علاقة بالولايات المتحدة و أن له آثار على أراضيها[ Stern V.B. Vers la mondialisation juridique, RGDI, publ. 1996, p. 4,
Gherari H. et Szurek S. Sanctions unilatérales, mondialisation du commerce et ordre juridique international, Montchrestien, 1998 ]. في الحقيقة إن هذا النوع من لا حدودية القانون تؤدي بشكل رئيسي إلى عولمة القانون الأمريكي.

إن الهيمنة يمكن أن ترتدي ثوبا آخر يتمثل بتصدير قوانين وطنية معينة جاهزة للتطبيق codes clés en mains و هذا ما حصل خاصة في دول المعسكر الإشتراكي. حللت عالمة إجتماع أمريكية هذه الممارسة explicit selling و انتقدتها بشدة إذ اعتبرت أنه يمكن تحديد و فرض الشكل الثقافي و الاقتصادي و الاجتماعي لشعب و أمة ما من خلال ايراد النظام القانوني الذي يؤثر على تنظيمها الاجتماعي بأسره و ذلك دون الحاجة لاحتلال الدولة أو للاستثمار في عملية تطويرها الاقتصادي و الاجتماعي[Silbey V.S. let them eat cake : globalisation post modern colonialism and the possibilities of justice, Law and Society review, 1997, p. 204 ].

يجب التذكير بأن العديد من الدول يقوم على جذب المستثمرين من خلال اعتماده تشريعات أكثر تشجيعا و حماية لمصالها الخاصة. هذا الاستعمال للقانون في خدمة السوق العالمي (الاستثماري) يؤدي إلى أن يصبح أداة لخدمة المصالح المالية بشكل مميز[Couret V.A., la dimention internationale de la production du Droit : l’exemple du droit financier, in les transformations de la régulation juridique, direction Clam J. et Martin G., LGDJ, 1998 p. 197, Frison-Roche M.A., le cadre juridique de la mondialisation des marchés financiers, Banque et Droitr, mai-juin 1995, p. 46 ]، مع العلم بأن القانون هو من حيث المبدأ أحكام وطنية عامة ملك للدولة التي أصدرته و لو أنها تفضل و تشجع المصالح الخاصة بالمستثمرين. هناك نوع آخر من الهيمنة الأكثر فعالية و تأثيرا ألا و هو انفلات النظام الحقوقي الدولي و ضعفه أمام حاجات السوق العالمي و ظهور مراكز و تجمعات تخضع لقانون السوق و لحاجات رأس المال و متطلباته دون غيره، مما حدا ببعض المحللين إلى القول بأن السوق يحل مكان الأمم و يفرض نفسه على الدول و يصبح قانونا مستقلا[Mazères J.A., L’un et le multiple dans la dialectique marché-nation, in Marché-Nation, regards croisés, direction Stern B. , Montchrestien 1995, p. 146 ].

من جهة حقوق الانسان إن المنهجية مختلفة. لا يمكن تجاهل المعارضة و الاحتجاج الذي يلقاه الاعلان العالمي لحقوق الانسان لعام 1948 من قبل من يرى فيه نوعا و مظهر آخر من التسلط و الهيمنة الثقافية الغربية. و لكن الاعضاء الثمانية عشر الذين يشكلون هيئة حقوق الانسان ينتمون إلى حضارات متعددة، و بالرغم من بعض التأثيرات الغربية التي نفحها وجود اليانور روزفيلت و رينيه كاسين، فإن النص النهائي لا يعبر عن رغبة تسلط و هيمنة لا بل العكس فإنه يعرض فكرة شمولية عامة تعترف بكافة الثقافات بقدر ما تعبر هي بنفسها و تعترف بالمساواة و العدالة فيما يتعلق بالحق و بالكرامة الانسانية. في الحقيقة إن التعددية في قواعد حقوق الانسان تؤدي إلى مخاطر التشرذم و التفرقة أكثر منها إلى مخاطر الهيمنة و التسلط. و هذا ما يمكن ملاحظته من مختلف التقنيات القانونية و الحقوقية.

أولا التمييز: لا يوجد في الاعلان العالمي لحقوق الانسان تفريق أو تفضيل أو هرمية بين الحقوق المدنية و السياسية من جهة و الحقوق الاقتصادية و الثقافية و الاجتماعية، فشمولية حقوق الانسان تستند إلى وحدتها. و تبع هذا الاعلان العالمي شرعتان صادرتان عن الأمم المتحدة عام 1966 تتناول الأولى الحقوق المدنية و السياسية و الثانية تشمل الحقوق الاقتصادية و الثقافية و الاجتماعية و غيرها. و لكن عدد كبير من الدول لم تبرم بعد هاتين الشرعتين. فمنها من يفضل الاولى على الثانية و بالعكس. و هذا ما يؤدي إلى ازدياد الخلاف و التفرقة و تشرذم الحقوق خاصة في غياب وسائل الرقابة و تناقضها. إن آلية الحقوق المدنية و السياسية أكثر تطورا من آلية الحقوق الأخرى. و يمكن استنتاج ذلك على صعيد الأمم المتحدة كما يمكن ملاحظة ذلك على الصعيد الأوروبي. فمحكمة حقوق الانسان الأوروبية تختص في النظر بالقضايا المتعلقة بالحقوق المدنية و السياسية، و لكنها تحاول أن تتناول الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية بطريقة غير مباشرة كفرض وجود محاكمة عادلة و متوازنة بتقديمها مساعدات قضائية و عن طريق رفض التمييز على صعيد الحقوق الاجتماعية. مع العلم بأن إمكانية اللجؤ إلى المحكمة الأوروبية في حال خرق الحقوق المعلن عنها في الشرعة الاجتماعية الأوروبية ما زات مشروعا قيد الدرس.

و ثانيا، يعود هذا التشرذم أيضا إلى ظهور أدوات اقليمية في موضوع حماية حقوق الانسان. إن التوزع الاقليمي ليس متناقضا مع فكرة الشمولية و العالمية بقدر ما يوجد تطابق عام بين النصوص. فالاتفاقية الاوروبية لعام 1950 و الاتفاقية الأمريكية لعام 1969 و الشرعة الأفريقية لعام 1981 و أخيرا الاتفاقية العربية لحقوق الانسان الصادرة عام 1994 تشير كلها إلى الاعلان العالمي لحقوق الانسان. و لكن مقارنة النصوص قد تظهر بعض التناقضات. فمضون الشرعة العربية ذات الطابع الديني يبدو غير منسجم مع مضون الشرع الغربية العلمانية. يضاف إليه غياب أداة و وسائل المراقبة في الشرعة العربية و عدم كفاية مضمون الشرعة الأفريقية.

و أخيرا يوجد طريقة ملتوية تؤدي إلى تشتيت مبادئ حقوق الانسان و هي القيام بتأميمها وطنيا عن طريق وضع تحفظات بوجهها لدى المصادقة عليها و إبرامها. ليس المقصود هنا التحفظات التي تتناول الحقوق الاساسية لأن الغرض من هذه الشرع هي إيجاد قاسم أدنى مشترك من الحرية و حماية الأفراد، أي جميعهم متساوون بالكرامة و الحقوق أينما وجدوا. خلاف ذلك فإن التحفظات مقبولة مع العلم أن المحكمة الأوروبية تراقبها بشدة و تعطيها تفسير محدود جدا. و يبقى أن يتمكن الفرد من طرح السؤال و عرض الموضوع و هذا غير متوفر في الدول التي لم تقر بحق الفرد بإثارة الموضوع و المقاضاة فيه فرديا. في هذا السياق نذكر بأن الولايات المتحدة واكبت إبرام شرعة الأمم المتحدة المتعلقة بالحقوق المدنية و السياسية بمجموعة من التحفظات و الإعلان عن تفسيرات و اجتهادات خاصة فيما يتعلق بعقوبة الإعدام التي اعتبرت أنها تنطبق على القصار و فيما يتعلق بالتعذيب بقولها أن النص يفسر انسجاما مع الدستور الأمريكي.

من هنا إن التناقض بين آليتي العولمة الهادفة من جهة إلى شموليتها و من جهة ثانية إلى تفتيتها و شرذمتها يؤدي إلى تناقضات على الصعيد التشريعي normatif incohérences au plan.

2- إن التناقضات تنبع أساسا من ظاهرتين: في بادئ الأمر يعود ذلك لمصادر التشريع. إن القانون العالمي من كل حدب و صوب أكان المرجع و المصدر عاما أو خاصا. لإي مجال التجارة الدولية نلاحظ تجاوز القوانين الوطنية المحلية لصالح قانون التجار lex mercatoria و هذا ما يعتمده و يطبقه المحكمون. بعدما كانوا مجرد موكلين عن التجار أصبح المحكمون قضاة حقيقيين مستقلين، متشاركين مع القضاة الرسميين بشكل أدى إلى تقارب بين العدالة العامة و العدالة الخاصة. بشكل مواز يمكننا ملاحظة أهمية القوننة الخاصة، و انتشار قواعد اللباقة و حسن سلوك المشلريع و الشركات، يضاف إليها المبادرات الخاصة فيما يتعلق بتنظيم العلاقات الاجتماعية. و هذا ما يستنتج مما جاء في دراسات حديثة لمكتب العمل الدولي إذ قال أنه في نظام اقتصادي معولم، يبدو ظهور دور المشاريع و الشركات في الميدان الاجتماعيي و كأنه إنتقال للسلطة من الدولة الأم إلى المشاريع الخاصة و المتعددة الجنسيات، و ينبي بانحدار أثر و أهمية الدولة و المنظمات العمالية المحلية في سوق يتطور بشكل مستمر.

و عندما تتدخل الدول فيكون ذلك على أصعدة تشريعية متعددة تتناقض و تتنافس فيما بينها. فمثل قضية بينوشيه يبرز في الحين نفسه أهمية المحاكم الوطنية و ضرورة الاسترداد أي ضرورة التعاون القضائي الدولي. إن إنشاء محكمة الجزاء الدولية يضع هذا الموضوع في رتبة فوق القوانين supranational دون نكران دور الأخرى لأن مقدمة إنشاء هذه المحكمة تشير إلى أنها مكملة للمحاكم الجزائية الوطنية. و لإكمال الصورة وجب التذكير أيضا بأن الاختصاص يمكن أن يكون موزعا داخليا infranationale إذا أخذنا بعين الاعتبار القوانين الاقليمية الوطنية، أو دوليا أي منبثق عن منظمة دولية أو اقليمية.

في سبيل عقلنة االلاعقلانية 3

Thursday, August 19th, 2021

في سبيل عقلنة اللا عقلانية

“يخطئ من يعتقد أن الميثاق أقام اتحادا داخليا بين عنصريتين مختلفتين تجاور الواحدة أختها إذ تعيشان في منزل واحد و لكن تنتظر كلاها يوم الانفصال بشوق…”. بهذه الكلمات قدم فيليب تقلا كتاب حقائق لبنانية للشيخ بشارة الخوري. فهل يمكن الاعتداد بهذه المقولات اليوم و هل في الأفق السياسي ملامح رؤى متباعدة و أو متناقضة بين أجنحة الطائر اللبناني؟

إن استعراض ما جرى منذ بدء الحوادث المؤلمة عام 1975 حتى تاريخه و التي مزق فيها الرصاص الغلاف الاصطناعي الذي كان يغلف العلاقات السياسية و الاجتماعية المبنية على واقع الحال و مجاملات فوقية تستجيب لها فئة من اللبنانيين حفاظا على مصالحهم، يكشف تناقضات أقوى من العرى التي تشد بالمواطنين إلى التعلق بالوطن و ما يمثله بالنسبة لهم.

و اليوم و بعد مرور نيف و عشرين عاما على انتهاء الحرب البغيضة يظهر المثال الأكبر على هذه التناقضات العميقة و التي تمثل صراعا لا بين طوائف و مذاهب و لا بين طبقات اجتماعية و اقتصادية من أبناء المجتمع فحسب، بل تبرز أيضا صراعا بين قوى العقل و الأخلاق و التفكير و التي تطمح إلى العمل من خلال برنامج و رؤيا واضحة لبناء مستقبل وطن عن طريق تجمعات و مؤسسات دستورية و بين قوى تنظر إلى العمل السياسي من زاوية الطموحات الشخصية تحت ستار تسميات مختلفة كالاحزاب او التيارات ضمن بازار المقايضة و البيع و الشراء. و يتجاوزه ليشمل شريحة كبيرة من المواطنين الذين أعياهم غياب الخطاب السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي المقنع فرضخت لشروط البازار الجديد يحثها على ذلك الوضع المالي و المعيشي و الانفعال الغريزي و المذهبي و التعلق الشخصي لعديد من أبنائها.

و عليه نجد نفسنا أمام تقسيم جديد قوامه طبقتين من المواطنين: طبقة قليلة تجاهد لرفع مستوى العمل السياسي الفكري و الأخلاقي و لكنها تبدو و كأنها طائر يغرد في غير سربه، و طبقة تصطف في طابور البازار لتقايض قناعاتها و حريتها بشكل لا عقلاني. و نتساءل أمام الخطاب السياسي المنغمس في المهاترات العاطفية و الانفعالية الغريزية، أين برامج التطلعات المستقبلية و خطط التشريع الإنمائية و التطورية؟ ما هي خطط الإصلاح الاقتصادي المنشود ؟ من حق بعد الأحزاب التباهي بأفكارها و برامجها الاقتصادية. و لكن لماذا تبقى هذه البرامج لتزين صفحات المجلدات و صالونات الحوار و لا تدخل إلى حيز العمل الجدي عوض التلهي و الانشغال بنزوات و متاهات السياسة الخارجية و الغريزية و الفئوية فحسب ؟

إن الظاهرة الفئوية أخذت تأخذ طابعا خطرا على مصلحة الوطن و مستقبل الشعب، و بات من الواجب معها لجم هذا الاندفاع اللا واعي و ردع الانزلاق في مهاو الخطر المحتم. هذا الخطر الذي يبقي على الجاهل الذي يسلط سيف الارتباط اللا عقلاني على الإنسان البريء.

لاتقاء هذه الكارثة من الضروري تحليل أسبابها الاجتماعية. و الحلول الممكنة تكمن في رفع مستوى العمل السياسي إلى مصاف الدول الراقية و أن يقوم التمثيل على أسس جماعية و حزبية مدعومة بخطط عملية آنية و طويلة المدى ملزمة كبرنامج للعقد التشريعي. و لكنه من المؤسف أن هذا المفهوم لا يجد له صدى لدى أكثرية مرشحي و فائزي الهيئة التشريعية لأسباب نفسية و شخصية و لارتباطات مالية و سياسية اقليمية و عاطفية آنية، و لافتقاد معظم هؤلاء السياسيين إلى الروح القيادية إذ ينقادون لهوى الشارع مهما كان خطأه عوضا عن قيادته إلى السراط القويم. يضاف إليه إن هذا الموضوع لا يعالج و لا يفهم من قبل الجمهور لان قالبه العلمي الفكري و العقلاني يحتاج إلى شروط غير متوفرة في المعطيات الفكرية التي تتحكم في مجتمعنا المعاصر. فإذا كان على المواطنين أن يجيبوا على السؤال المتعلق باختيارهم و بمصيرهم و بما يحاك لوطنهم و لمنطقتهم فذلك لن يحصل إلا في التحليل الأخير أي حين يصبحون أحرارا فكريا في استنباط تصورهم و تطلعاتهم الخاصة و العامة. و ما داموا محرومين من الاستقلال الذاتي الحقيقي و خاضعين للتطرف الفكري و السلوك اللا عقلاني في الفعل و رد الفعل, فإن الجواب الذي يقدموه لهذا السؤال لا يمكن أن يعتبر جوابهم. فالحرية الإنسانية العقلانية لا تقاس تبعا للاختيار المتاح للفرد, و إنما العامل الحاسم الوحيد في تحديدها يكمن فيما يستطيع الفرد اختياره بكل تجرد، أي ألا يكون الاختيار بين طرفي نقيض مفروضين عليه. إن حرية المواطن تكمن في حرية اختيار الطريق الثالث أي طريق اللا الرافضة لكل الأشكال اللا حضارية المتخلفة التي تشدنا إلى الوراء.

و إذا كان الواقع قد قمص دور الفكر فهذا لا يعني أنه لم يعد هناك فكر. إن بعض مظاهر العقول اللا عقلانية تلك التي تعمل كما في السابق لصالح الواقع المتردي الذي تنهل منه ماء فسادها هي التي تحول دون نشأة و تطور الفكرة الثالثة الدفينة في أعماق الكثيرين من المؤمنين بكل مقدسات الإنسان في الحياة الحرة. و هؤلاء لا يجرؤ ون على المجاهرة بها أو المغامرة في اختيارها بسبب فقدان الثقة و انعدام التنسيق و لخشيتهم من رد فعل الجمهور.

إن وفاقنا على وطن أسمه لبنان و على أن يعيش كل مواطن فيه بحرية و كرامة و بأمل في مستقبل لأبنائه لهو من بديهيات الحياة. و لا أخال لبنانيين يختلفان عليه. و لكن وهم الوفاق الوطني السياسي الذي يتحدثون عنه فهو سراب يجول في مخيلة القادة و الناس. كيف نتحدث عن الديمقراطية و حرية الرأي و لا نقبل باختلاف الرأي و وجود سلطة ديمقراطية و معارضة؟ هل نسينا الصوت الواحد الذي نقل بنا من النهج الشهابي إلى الحلف الثلاثي؟ هل ننسى نسبة الواحد بالمائة التي نقلت فرنسا من اليمين الديغولي إلى الاشتراكية (و العكس) ؟ و هل تختلف الطوائف و التيارات على تحقيق البحبوحة و الاستقرار و العيش الكريم للمواطن اللبناني؟

إن أقصى مظاهر اللا عقلانية اليوم أن يقوم المسؤولون و المشرعون بمخالفة ما هم مؤتمنون عليه أي مبادئ القانون و الشرعية، و أن يقوم المواطنون بخرق الأنظمة المنصوص عنها لحماية حق و حرية الفرد و المجتمع مغلبين الأنانية الفردية على المصلحة العامة بدئا من قيادة المركبات في الشارع مثلا. إن تدخلهم و تصرفهم اليومي لمخالفة القواعد النظامية و الأخلاقية للمجتمع جريمة ترتكب بحق العدالة و المساواة و الحرية و الديمقراطية و حقوق الانسان. و إن اللا عقلانية و الجهل اليوم توأمان. فكيف التحدث عن حق الانسان و الحرية و الديموقراطية و الكل يساهم في دفنها كل يوم ؟ و الجميع شركاء في الجرم.

إن جنون المجتمع عامة يخفي غباء الأفراد و يجعل من الجرائم المقترفة بحق الإنسانية و الحضارة جزءا من الواقع اللاعقلاني. و إذا كان الناس المكيفون مع هذا الواقع الأليم مستعدين لأن يحيوا حياة هم فيها دوما في حالة غياب و عدم مسؤولية و بدون هدف عقلاني مستقبلي حضاري فلا محيد لنا من الاعتراف بأنهم يسلكون سلوكا انتحاريا في حضرة عدو حقيقي ألا و هو الجهل و التخلف. و من المضحك المبكي أن الجهل و اللا وعي سائدان لدرجة تزدهر معها كل النزوات العصبية و الغريزية . فأصحاب المال و النفوذ الشخصي أو السياسي أو المذهبي يرمون بالمواطنين في مجاهل النزوات الغريزية و الحاجات الملحة ليسخروهم لخططهم المكبوتة فتصبح الجماهير الكادحة المتألمة المخدوعة بالشعارات و الآمال البراقة تلتوي في كل مكان بنار الواقع و المشاكل الآنية-السرمدية و التي ليس لها فيها من عدو سوى السادة الذين يستغلون بمهارة السلطة و النفوذ و ضعف النفوس و الحاجة. و في نهاية المطاف يعتقد المرء الذي يندفع بقواه لمناصرة زيد من الناس أنه يناضل من أجل عقيدة و هو في الواقع يتبع مطامع رجل و حاشيته، و يعتقد بأنه يكافح من أجل قضية و هو في الواقع يساهم في إثراء و إرضاء مستغل يعزز نفوذه و يرضي أنانيته الشخصية و يخدم من يدور في فلكه و مخططات أبعد من مصالح وطن.

إن كل المظالم المقترفة من قبل و بحق اللبنانيين تسوى اليوم ضمن لعبة لا عقلانية. فيغيب عنها الفكر و انتماء الإنسان إلى حق بديهي من حقوقه كالنظام و العدل و احترام الحرية و المواطنية والقانون و بيئة سليمة. و من المؤسف ألا يوجد للشعور بالذنب و الخطأ و الحساب مكان في ذهن المواطن في هذا المجتمع العجيب أكان ذلك في سلوكه الذاتي اليومي أم في تقييمه لممارسات القيمين عليه. و عندما تكون كل ممارسة بمثابة لعبة و شطارة لا تكون هناك مسئولية و لا عقاب: فهذان هما تقيمان شخصيان ينبعان من قناعة المجتمع و أخلاقه.

إن معالجة الأوضاع هذه تفرض التغلب على آثار التخلف و تحرير الفكر من المعتقدات الاجتماعية البالية و الممارسات اللاحضارية و تحرير العقل من أغلال الجهل و اللا عقلانية و التسلح بجوهر الإيمان بمعناه الفكري السماوي الاخلاقي الراقي الخلاق دون التعصب, و عبر حركة الحضارة الفكرية يقوى الإنسان على واقعه المشين و يرقى إلى مرتبة تليق بخالقه و ما يميزه عن المخلوقات.

إن تحرير الإنسان في هذا الوطن يفترض إبطال كل مظاهر الحرية و الديمقراطية الزائفة و الترقي في قرار الخيار إلى مستوى المسؤولية الفردية الحرة بعيدا عن مظاهر الغنى الفاسدة و الاستغلال المعيشي و العصبية الغريزية و ضمن إطار من حقوق الانسان العامة و الخاصة. إن أولى مهمات أي حكم عتيد إصلاح و تحديث أجهزة الدولة و تقويم الاعوجاج الاقتصادي و التخطيط لاستقرار اجتماعي و رسم أفق وطن آمن و مستقر للجميع. و لقد أصبح من الضرورة القصوى القيام بورشة اصلاح جذرية تربوية و علمية تقنية و أن نطلق عجلة القطار الاقتصادي لتحصين الوضع الداخلي و لتحفيز الاستثمار و حماية المؤسسات الاقتصادية من الانهيار و التداعي الوشيك.

قد يتراءى للبعض أن رياح التغيير القادمة تحت بعض الشعارات الطنانة الرنانة قد تجلب بعض الخير لوطننا و لمنطقتنا. ربما إذا كانت النيات حسنة من جهة، و احسنا التحضير لها و التعامل معها، من جهة أخرى. و لكن لنتنبه و لا نخدع. مرة أخرى يأتي هذا التغيير مستوردا و مفروضا و غير صادر عن مبادرة و عن إرادة و قناعة وطنية و نتيجة لممارسة حوارية ديموقراطية سليمة، و قد يؤدي إلى وصاية خفية جديدة. و هذا دليل على تقصير و خنوع وطنيين و على عدم نضوج الفكر السياسي و الاجتماعي و العقائدي لدى البعض من اللبنانيين و يشكل هروبا إلى الأمام، عوضا عن التحاور بكل جرأة و ندية بغية التوصل دون مواربة و نفاق إلى القواسم المشتركة التي تحترم كل فكر و خصوصيات كل عقيدة و ترسخ الحكم على اسس ديمقراطية علمية لا تختلط فيها النزوات و العصبيات و تحترم حقوق الانسان المواطن المطلقة. ناهيك على أن من يريد أن يعطي لبنان دروسا بالقيم و الديموقراطية أن يبدأ بنفسه مرورا باحترام مبادئ حقوق الانسان و شرعة الأمم المتحدة و تطبيق قرارت مجلس الأمن و المصادقة على اتفاقية روما و اتفاقية كيوتو و مراعاة العدالة الدولية و الامثلة لا تحصى هنا. و لا يغيب عنا أن عدالتهم و ديموقراطيتهم ذات وجهين.

يضاف إلى ما سبق أنه يجب التنبه إلى أن أي حل يخطط له بالنسبة لدول المنطقة ينطلق من مركزي ثقل. أساسهما اولا: تأمين سيطرة قوى عظمى على مصادر الطاقة، لذلك، فالهدف النهائي و المرسوم مسبقا برأيي هو ضم منطقة الشمال حيث تتواجد حقول النفط السورية بشكل او آخر إلى المنطقة الكردية حيث تسيطر الشركات الأميركية و الدائرة في فلكها على استثمار الآبار فيها، و ثانيا: تأمين مصلحة الدولة العبرية و استقرارها و توسعها الجغرافي و الديموغرافي و الاقتصادي. أما مصلحة الشعوب الأخرى القاطنة في المنطقة و استقرارها فموضوع فيه نظر ، و الصحراء شاسعة…. و شبح تقسيم المنطقة يصبح حقيقة يوما بعد يوم…

فأين هي مصلحة اوطاننا و شعوبنا و مجتمعاتنا و طوائفنا أمام كل هذه التحديات ؟ و ماهي الرؤيا و البرامج الاجتماعية و التطلعات المستقبلية الوطنية و القومية لمختلف الأحزاب و التيارات ؟ أليس أحرى بنا أن نجلس و نتحاور بعمق و مسؤولية و عقلانية في مستقبل هذا الوطن ضمن رؤيا موضوعية تعي المعطيات الجيوبوليتيكية و الجغرافية و الاقتصادية و السياسية العالمية فنحصن الجبهة الداخلية و نثبت دور لبنان الاقليمي و الدولي ضمن إطار النظام العالمي الجديد و بغية مواكبة تحديات العولمة قبل أن يجرفنا التيار الخارجي الجامح ؟ اين هي الرؤيا المستقبلية لممثلي و قياديي هذا الوطن. الا يكفي جلوسا و انتظارا….. كتب والتر بنجامين في القرن الماضي: ” أن الأمل لم يكتب لنا إلا بسبب أولئك الذين هم بلا أمل…” و كم من حضارات ارتفعت و من امبراطورية هوت و ديكتاتورية سقطت على مر العصور و التاريخ. و يبقى على الشعوب العقلانية الحرة أن تتحرك و تقر ر

فواز سالم كبارة
محامي
استاذ جامعي

رشيد كرامي

Thursday, August 19th, 2021

و سقط الرشيد شهيدا يذود عن وحدة الوطن و سلامة أبنائه و يتحدى مخططات الشرذمة و التقسيم لينضم إلى قافلة شهداء الوطن الذين سقطوا في هذه الحرب المقيتة على يد الغدر و الطائفية. قتلته أيد غاشمة رأت في مساعيه الحثيثة لرأب الصدع و لم الشمل و إعلان ميثاق صلح و تلاق بين اللبنانيين و في تحديه لآلة الحرب تهديدا لمآربها و تفشيلا لأهدافها في خدمة مخططات خارجية و تقسيم لبنان، فضغطت على جهاز التحكم فدوت المتفجرة في طائرته المحلقة في سماء لبنان لتضيئ شعلة الشهادة أفق لبنان الأزرق. أرادوا أن تنفجر الطائرة في الجو و أن تبتلعها أمواج البحر، و لكن أبى القدر إلا أن تغط الطائرة المنكوبة في رعين المجرمين ليظلل علم الوطن جثمان الشهيد و يرقد إلى جانب بطل الاستقلال عبد الحميد، في مدينة الوطنية و العروبة طرابليس، و ليبقى رفاقه الجرحى شهودا على هول الجريمة و فظاعتها و لتكون الطائرة بما تحمله من أدلة براهين تشير إلى مرتكبيها.
أغتيل رجل الأعمار الحقيقي، رجل إنماء الوطن بكل أطيافه و كل مناطقه. رجل بناء الدولة و نهضتها شعبا و مؤسساتا. سقط في الأول من حزيران 1987 رجل الدولة الذي اقترن توقيعه بصفته رئيسا للوزراء و أو وزيرا للمالية بعدد كبير من المشاريع الانمائية و الاجتماعية و المالية و التجارية و العقارية و الادارية و التربوية و غيرها. كيف لا و قد شهد لبنان في أيام حكمه مع الرئيس الراحل فؤاد شهاب و من بعده إنماء متوازنا شمل كافة المناطق اللبنانية من شماله إلى جنوبه مرورا بكسروان و البقاع و الشوف فجهز عدد وفير من المناطق النائية و المحرومة بالكهرباء و مياه الشفة و الهاتف و المدارس مثلا، و شهدت البلاد نهضة اقتصادية و عمرانية و مالية مشهودة. و شكلت هيكلية الدولة الحديثة بإنشاء المصرف المركزي و هيآت التفتيش و مجلس الخدمة المدني و مجلس البحوث العلمية و التنظيم المدني و الضمان الاجتماعي و مؤسسة الكهرباء ، كما صدرت قوانين المحاسبة العمومية و الرقابة و النقد و التسليف و الحماية الصناعية و التنظيم الاداري و الملكية المشتركة و التنظيم القضائي و المالي ناهيك عن تنفيذ عدد كبير من المشاريع الانمائية في مختلف المناطق من لبنان و الشمال أخص منها في طرابلس مشاريع الملعب البلدي و المحجر الصحي و معرض طرابلس الدولي و تقويم مجرى نهر ابو علي و كورنيشه و إنشاء شبكات من الطرق و البولفارات و غيرها بالتعاون مع نواب طرابلس بالاضافة إلى اوتوستراد الشمال و جامعة المنار.

و عند استذكار الرئيس الشهيد رشيد كرامي تستحضرنا ذكرى ذاك الرجل اللبناني الوطني و العربي الصميم الذي تبوأ مكانة مرموقة بين كبار العظماء من ملوك و رؤساء الدول العربية و دول عدم الانحياز و رجالات العالم، و الذي كان يمثل لبنان في المحافل العربية و الدولية أكبر تمثيل. و لن ننسى مواقفه و دفاعه المستميت عن مصالح لبنان و القضايا العربية في مختلف المناسبات و خاصة أثناء حرب حزيران 67 و ما تبعها من تطورات في المنطقة. و لن ننسى تفانيه في سبيل وقف الحرب الأهلية و لم الشمل و جمع الأضداد و تخفيف المعانات عن كاهل هذا الشعب الذي جنحت به عاصفة حرب طائفية غريزية لا أخلاقية بغيضة تخدم غايات فردية و أنانيات ذاتية و مصالح أجنبية. ناهيك أنه لا يمكن لكل من تعرف على الشهيد المغفور له و عاصره أن ينسى ثقافته و طرافته في مجالسه الخاصة و في المجلس النيابي و خطابته و سعة صدره و برودة أعصابه و إنسانيته تجاه كل كبير و صغير.

كم نشعر اليوم بكم من الفراغ لغياب رجالات دولة أمثال المغفور له رشيد كرامي لبنان بحاجة إلى وطنيتهم و حكمتهم و توازنهم و إخلاصهم لحمايته و لتوجيه دفة الحكم في هذه الأجواء المتلبدة. رحم الله شهيد لبنان الأول المغفور له رشيد كرامي رجل الدولة و الاعمار و البناء و الانسان و المؤسسات و لنتذكر ما قاله أحدهم: “لا عدالة لأمة يظلم شهداؤها”.

فواز سالم كبارة

شركات الأوف شور و القابضة

Thursday, August 19th, 2021

شركات الأوف شور: الحقيقة و الأوهام

قامت مجموعة التحقيق الصحافية الدولية (ICIJ Team) بإختراق مكاتب أحد المحامين في باناما (Mossack Fonseca) و استحصلت على ما يناهز مليون وثيقة تتعلق بشركات أوف شور و حسابات مرتبطة بأصحابها. و لما كان موضوع شركات الأوف شور يثار بشكل شمولي بوليسي يثير الشك و الريبة و يبعده عن موقعه القانوني و العملي، دفعني قلمي إلى الكتابة عنه بغية توضيح ما تيسر لي من معلومات لوضعه في نصابه الحقيقي. فما هي شركات الأوف شور؟
إن شركات الأوف شور بمعناه الشمولي العام كما هو متعارف عليه دوليا هي شركات تنشأ بموجب قوانين دول معينة و لكنها ليس لها أي علاقة إقتصادية مباشرة معها أي لا تعمل فيها. أي أنها ليست كما تحاول صحافة الإثارة تصويره بكونها شركات وهمية بل هي شركات قانونية مسجلة في الدول التي تنص قوانينها على وجودها و على طبيعة عملها (عدم المزج بين هذا التعريف العام و الشركات التجارية التي يطلق عليها إسم أوف شور كما ينص عليها القانون اللبناني كما سنرى فيما يلي). و الفكرة من إنشائها جلب عدد من المستثمرين و التجار الدوليين و مقدمي الخدمات و حثهم على تأسيس هذا النوع من الشركات في أراضي هذه الدول بغرض تحصيل ضرائب و رسوم سنوية رمزية و أتعاب يستفيد منها مديرو و محامو و محاسبو و موظفو هذه الشركات. كما أن قيام بعض هذه الشركات و القيمين عليها بالإقامة في أراضي هذه الدولة أو استئجار مكاتب فيها يحرك العجلة العقارية و السياحية و الاقتصادية فيها. و من الطريف أن العلامة فرنون من جامعة هارفارد الذي أطلق على هذه الدول لقب الجنات الضريبية (tax heavens) بالنظر للتسهيلات الضريبية التي تقدمها أظهر في إحصاء أجراه مطلع الثمانينات أن عدد هذه الشركات المسجلة في هذه الدول يتجاوز بأضعاف عدد سكانها الأصليين. و من الملاحظ هنا هي أن معظم هذه الدول تدور في فلك الدول الأنكلوسكسونية و هي: باهاماس، فرجن آيلاند، جبل طارق، هونغ كونغ، قبرص، باناما، ساموا، ولاية ديلاوير في الولايات المتحدة الأمريكية، يضاف إليها لوكسامبورغ، ليشتنشتاين و فادوز. مما يطرح السؤال حول سبب سماح الدول الكبرى كالولايات المتحدة و بريطانيا و ألمانيا لهذه الدول التي تدور في فلكها في أن تصدر هذه التشريعات و عن مصلحتها فيها! و من الملاحظ أن الدول التي اصدرت التشريعات المتعلقة بهذا النوع من الشركات و المؤسسات هي دول صغيرة تعتمد على الخدمات و السياحة و تحتاج إلى خلق فرص عمل. و عادة تتسم المعلومات المتعلقة بتاسيس هذه الشركات و بالمستفيدين منها أي المالكيين الحقيقيين بالسرية المهنية. لذلك جاء اختراق معلومات مكتب المحاماة و دخول بنك المعلومات بمثابة مخالفة للقانون المحلي الذي يحمي خصوصية و سرية هذه المعلومات. و لا شك أن وجود أسماء لامهة و مهمة من بين زبائن هذا المكتب جعل للحدث وقعا مدويا و خلق نوعا من الاثارة. و لكن هل ارتكب هؤلاء الأشخاص جنحة شائنة من خلال تأسيسهم هذه الشركات؟
المشكلة لا تكمن في طبيعة هذا النوع من الشركات و قانونيتها بل في طريقة استعمالها و غايتها و مصادر الأموال التي تستخدمها. لذلك سأبدأ بعرض الواقع القانوني لهذه الشركات و الغاية الأساسية و العملية من تاسيسها و سأعرض سوء استعمالها و مصادر تمويل البعض منها. كما أن استعمالها يختلف بين الأفراد و بين المجموعات الاقتصادية و هذا ما سأخلص إليه مرحلة أخيرة. و هذه التسمية العامة لشركات الأوف شور يمكن أن تطلق على عدة أشكال قانونية: فهي يمكن أن تكون شركة مساهمة (Joint stock co. Or shareholding co.) أو شركة محدودة المسؤولية (limited liability co.) بحسب النظام الأنكلو سكسوني (المتبع في الدول ذات النظام الانكليزي و الأمريكي) أو على شكل مؤسسات إئتمانية (trust, fiduciary) أو صناديق مالية (funds). و لكل منها غايتها و وظيفتها و طريقة عملها. و في الشركات المساهمة و المحدودة المسؤولية (بحسب النظام الأنكلوسكسوني) يمكن التحدث عن نوعين من الشركات: شركة الأوف شور التجارية (Off Shore co.) و الشركة القابضة (Holding co.).
1) شركة الأوف شور التجارية: هي شركة مساهمة تؤسس في دولة يسمح قانونها بتأسيس هذا النوع من الشركات، الهدف منها القيام بعمليات تجارية و استثمار و تملك و تقديم خدمات خارج هذه الدولة. و لهذه الأسباب و لكون هذه الشركة لا تقوم بأعمال تجارية و مالية و خدمات ضمن أراضي هذه الدولة فهي تحظى بإعفاءات ضريبية و تسهيلات مختلفة تقدمها هذه الدولة. مثال ذلك دولة قبرص التي سمحت للمصارف العالمية بتأسيس فروع (أوف شور) لها في أراضيها تتعامل مع دول العالم كله باستثناء قبرص بشروط تشجيعية مما سمح لها بتحصيل حد أدنى من الضرائب غير المتوقعة و تشغيل آلاف المواطنين القبارصة و تحريك العجلة الاقتصادية و العقارية المحلية. كما أن عددا كبيرا من رجال الأعمال اللبنانيين الذين يتعاملون تجاريا و خدماتيا مع دول العالم دون المرور في لبنان يؤسسون شركات أوف شور في لبنان تقوم بكافة النشاطات الاقتصادية و التجارية و الاستثمارية خارجه بينما يقيمون مع عائلاتهم في لبنان و الاستفادة من الخدمات التعليمية و الطبية و المعيشية المتوافرة فيه. كما أنه تأسس في لبنان عدد من شركات الأوف شور التجارية التي تستخدم عدد كبير من اللبنانيين و هي تقوم بتقديم خدمات في حقل الاتصالات و المعلوماتية لزبائن دوليين دون التعامل مع لبنان. و من المعلوم أيضا أن معظم وسائل النقل التجارية و الخاصة (طيران و بحرية) تمتلك بموجب شركات أوف شور تسجل في دول متخصصة في هذا النوع من الشركات كباناما و قبرص و باهاماس و جزر فرجن ايلاند.
2) الشركة القابضة (Holding Co.): هي شركة مساهمة أيضا متخصصة في الاستثمار و التملك و إدارة الأملاك و تمويلها و ضمانها و لكن لا يحق لها القيام بعمليات تجارية. و يمكن تأسيسها في معظم الدول لأن الفارق بينها و بين الشركات المساهمة العادية يكمن في موضوع الشركة كما ينص عليه نظامها التأسيسي و الذي يحد من نشاطها التجاري و يحصره بتملك حصص و أسهم و براءات و حقوق و أملاك و إدارتها. و قد خصت بعض الدول كلبنان و لوكسامبورغ و ليشتنشتاين و فادوز و سويسرا و غيرها هذه الشركات بتشريعات خاصة و منحتها مميزات و تسهيلات ضريبية تتفاوت بين دولة و أخرى. و يستفيد من تأسيس الشركة القابضة مجموعة الشركات الكبيرة التي تريد توحيد إدارة مجموعة الشركات التابعة للمجموعة، أو أفراد متمولون يرغبون بإدارة استثمارتهم بشكل مالي منظم ضمن المجموعة دون اللجوء إلى تمويل خارجي، أو عائلة تريد توزيع الحصص فيما بين أفرادها بشكل أسهم تهربا من بعض القوانين الشخصية و رسوم الانتقال، أو فرد أو عائلة ترغب في تجميع موجوداتها ضمن إدارة واحدة بشكل سري بعيدا عن أنظار بعض الحشورين مهما كان مصدرهم و لأي سبب كان.
3) المؤسسات الائتمانية (trust, fiducies): و هي شركات أو مؤسسات مدنية عادة ما تخضع للنظام الأنكلو سكسوني الغاية منها تجميع أموال شخص أو عائلة أو مجموعة معينة بغية إدارتها لأسباب عائلية (إدارة أموال قاصر) أو إجتماعية (عمل خيري). و هي تشبه إلى حد ما نظام الوقف.
4) الصناديق (fonds): و هي تجمعات مالية الغاية منها تجميع أموال لأفراد أو مجموعات أو شركات بغية تشغيلها أو استثمارها، أو توجيه المال في عمل إجتماعي أو تمويلي. مثال ذلك صناديق أموال التقاعد التي تشغل أموال المنتسبين إلى صناديق تقاعدية بغية دفع التعويضات و الرواتب التقاعدية للمنتسبين عند بلوغ السن القانونية. أو صندوق المساعدات الذي أنشأه بيل غيتس.
من حيث المبدأ ليس تاسيس الشركة الأوف شور مهما كان نوعها و طريقة عملها عملا غير قانوني يلام عليه فاعله. إلا أنه يجب التمييز بين طريقة تاسيس شركات و مؤسسات الأوف شور و الغاية منها من جهة و مصادر الأموال من جهة أخرى في مرحلة أولى، و بين استعمال هذه التقنية القانونية من قبل أفراد أو من قبل شركات من مرحلة ثانية.
أولا تأسيس شركات الأوف شور:
1) طريقة تأسيس شركات و مؤسسات الأوف شور: الشفافية و السرية: ليس المقصود هنا طريقة تأسيسها القانونية بل التساؤل عن شفافيتها. ففي حالات قليلة تؤسس الشركة باسماء أصحابها الحقيقيين و يكونون حاملين لحصص أو اسهم الشركة. و لكنه و في معظم الحالات و بغية التستر خلف السرية التامة فإن هذه الشركات تؤسس بإسم مواطنين محليين يحملون اسهمها و حصصها و يوقعون على تنازلات لصالح المستفيدين الاقتصاديين الحقيقيين “على بياض” و على إفادة يصرحون بموجبها أنهم يحملون هذه الحصص و الأسهم لصالح المساهم الرئيسي. و يتلقون لقاء ذلك راتبا شهريا يدفعه مكتب المحاماة. و تودع هذه التصاريح و التنازلات لدى مكتب المحاماة بشكل “سري”. و يعين من بين هؤلاء المواطنين من يدير الشركة ظاهريا. و يعطى صاحب الشركة وكالة على حساب الشركة لدى المصرف و بطاقة دفع لدى المصرف المعتمد باسم الشركة ليتصرف بأموالها. و هكذا لا يظهر إسمه و لكنه يدير الشركة فعليا.
2) الغاية: قبل الحكم على حسن نية صاحب الشركة أو سوئها يجب البحث عن الغاية المرجوة من تأسيس هذا النوع من الشركات. إذا كان الشخص يقوم بأعمال تجارية دولية مثلثة بأن يشتري بضائع من البرازيل ليبيعها إلى غانا، فمن المنطقي أن يقوم بتأسيس شركة أوف شور تجارية في دولة تقدم هذه التسهيلات و أن يستفيد من خدماتها و تخفيضاتها الضريبية في الوقت الذي لا يحقق أرباحا فيها. يقابل ذلك أنه يساهم في خلق حركة اقتصادية في هذه الدولة من خلال استعمال جهازها المصرفي و العمالي و السياحي و العقاري. فهناك تكافوء في المصالح و المنافع. و إذا كان الغرض أيضا تجميع إدارة محفظته المالية و الاستثمارية ضمن إدارة مالية واحدة و أسس شركة قابضة لهذا الغرض و استفاد من التسهيلات العملية و الضريبية لهذا النوع من الشركات علما أنه من حيث المبدأ فإن معظم العمليات التي تتملكها الشركة القابضة تكون قد دفعت ما توجب عليها من رسوم عقارية أو ضرائب مالية في دول المصدر، فإن هذا العمل لا تشوبه أية شائبة. و لا حاجة أن تكون الشركة سرية. و هكذا دواليك بالنسبة لتأسيس المؤسسات الإئتمانية و الصناديق الإستثمارية. أما إذا كانت الغاية من تأسيس شركة أو مؤسسة أوف شور هو التستر خلف السرية (secret professional – discretion) التي تمنحها تسهيلات تأسيس هذه الشركات و المؤسسات للقيام بأعمال غير مشروعة أو لإخفاء أموال و أسماء لها خصوصيات تجعل من استعمالها لهذه الشركات و المؤسسات أو استثمارها لأموال خارج دول جنسيتها أمرا له محاذيره الأخلاقية و نتائجه القانونية بحسب الاتفاقيات الدولية التي تعتبر الأفعال و الأموال الناتجة عنها غير مشروعة، فإن الغاية من تأسيس هكذا شركات أو مؤسسات تصبح غير مشروعة بالنسبة لدول جنسية هؤلاء الأشخاص و لقواعد الأخلاق الدولية. إلا أنه يجب تناول هذا الموضوع بنسبية. فالتجارة بالمحرمات كما هي متعارف عليها بموجب القانون الجنائي و الاتفاقيات الدولية تجعل من تأسيس هذه الشركات و استعمالها لهذا الغرض أو لتشغيل الأموال الناتجة عنها غير مشروع حتى في الدول التي تسمح بتأسيسها. أما من يؤسس هذه المؤسسات و الشركات لتوطين الأموال التي هربها من بلده لأسباب سياسية (يجب البحث هنا عن السبب السياسي) أو ضريبية فهو بالنسبة لدولة جنسيته مخالف (و ملاحق لأسباب ضريبية أو سياسية) و لكنه ليس مرتكب لأي جرم بالنسبة لدول تاسيس شركات الاوف شور. و بالتالي فإن استعمال آلية الشركات الأوف شور لإخفاء مصادر أموال غير مشروعة كما هو مبين فيما يلي مدان بشكل مختلف لعدة اسباب الأولى: طبيعة و مصادر المال، و الثانية: محاولة التخف لعدم التصريح عنها لأسباب شخصية أو ضريبية أو جزائية، و ثالثا: استعمال هذه الشركات الأوف شور بأسماء وهمية لتمويل حلقة من العمليات غير المشروعة بما يطلق عليه شبكة العنكبوت (كشبكات التهريب و المافيات و جماعات الجريمة المنظمة).
3) مصادر الأموال: تكمن المشكلة في مصادر الأموال. فمن ناحية أولى إن من كان يجني أموالا مشروعة في بلده و يدفع عليها ضرائبا لا يحتاج إلى توطينها في جنات ضريبية إلا إذا كان الغرض منها حجب الأنظار عنها لأسباب شخصية إجتماعية أو عائلية أو سياسية. و هنا تدخل نظرية نسبية مشروعية مصادر الأموال. فهناك أموال تم تهريبها لأسباب سياسية (أموال معارضين يخشون من وضع اليد عليها من قبل نظام غير ديمقراطي لا يحمي الحريات، أو أموال سياسي يهرب أمواله الخاصة خشية وضع اليد عليها في حال انقلاب النظام كما يحدث في بعض الدول غير المستقرة سياسيا و اقتصاديا). أم لأسباب إقتصادية (أفراد و رجال أعمال يضعون أموالهم في أمكنة آمنة و بعيدا عن الأنظار خشية وضع اليد عليها لأسباب تتعلق بطبيعة النظام الاقتصادي كما كان الحال عليه في بعض الدول الاشتراكية و التوليتارية الأوروبية و العربية و الأفريقية). إلا أنه في كثير من الأحيان تستعمل آلية شركات الأوف شور و السرية المحيطة بها لتغطية عمليات تبييض أموال غير مشروعة ناتجة عن الجريمة المنظمة و أموال ناتجة عن تجارة المحرمات (المخدرات و الأسلحة و الأعضاء البشرية و الدعارة الخ)، و أموال تم الحصول عليها بوسائل غير قانونية و غير مشروعة كالاحتيال و الاختلاس و السرقة و سوء الائتمان وصولا إلى عمولات على عمليات تجارية كبيرة (تجارة اسلحة أو صفقات دولية أو أموال رئيس يهرب أموال عامة أو عمولات على صفقات بشكل غير مشروع).

ثانيا: استعمال شركات الاوف شور:
تتغير المفاهيم فيما إذا كانت شركات الأوف شور تمثل أفرادا يملكونها لتغطية ثرواتهم و استثمارها بشكل ضريبي افضل أم إذا كانت تعود لمجموعة مالية كبيرة أو تنتمي إلى هرمية مجموعة من الشركات أو بما يعرف بالشركات المتعددة الجنسيات.
1) إستعمال شركات الأوف شور من قبل الأفراد: تندمج الغاية و استعمال شركات و مؤسسات الأوف شور عندما يكون صاحب المشروع فردا أو عائلة تبتغي لأسباب إقتصادية أو مالية أو إجتماعية أو وراثية أو سياسية إنشاء هذا النوع من الشركات أو المؤسسات كما بينا أعلاه. فمشروعية استعمال هذا النوع من المؤسسات مرتبط بمصدر الأموال و الغاية منه. إلا أن عاملا جديدا قد يستعمله مؤسسو هذا النوع من الشركات و هو الحصول على الإمتيازات التي تمنحها هذه الدول للمقيمين فيها. ففي عدد كبير من الحالات لا يكتفي أصحاب الأموال المهربة بتأسيس شركات مستترة لإخفاء أموالهم و مصادرها بل يقيمون في هذه الدول للإفادة من إمتيازات الاقامة و الحماية المحيطة بها ألا و هي الحماية القضائية و عدم تسليمهم إلى البوليس الجنائي الدولي في حال الملاحقة كما هو الحال في باهاماس. و عدم ملاحقتهم ضريبيا كما هو الحال بالنسبة لعدد من الفنانين الفرنسيين الذين اتخذوا لهم مقاما في سويسرا.
2) إستعمال شركات الاوف شور من قبل مجموعة شركات: تختلف النظرة إلى هذا الموضوع عن الأبحاث السابقة. فالبحث هنا يتعلق بنظرة الدوائر الضريبية إلى العلاقة القائمة بين الشركة الأم و الشركة التابعة (أي الأوف شور) و ما يمكنها أن تستنتج من روابط مالية و إدارية تؤدي إلى تهريب الأرباح من شركة إلى أخرى. و تختلف الوسائل المتبعة لهذا الغرض كما أن النتيجة التي تخلص إليها الدوائر الضريبية قد تكون مغايرة للواقع القانوني للمجموعة. فهي في حالات معينة تتجاوز التركيبة القانونية للمجموعة و لا تعتد بجنسية الشركة التابعة بالنسبة للشركة الأم، بل تعتبر الشركة التابعة شكليا المركز الفعلي للمجموعة أي بمثابة الشركة الأم. و يترتب على ذلك اكتساب جنسية الشركة الأم التي تكون عادة منشأة و مسجلة في دولة تمتاز بامتيازاتها الضريبية جنسية الشركة التابعة. و هذا ما تسعى إليه عادة الدوائر الضريبية بمحاولتها نزع الصفة الشكلية عن الشركة الأم المتواجدة في جنات ضريبية لتنفذ إلى مكان الإدارة الفعلية و مركز القرار. و قد تهافت المستثمرون و على رأسهم الشركات المتعددة الجنسيات على إنشاء شركات في دول تمنح امتيازات ضرائبية بحيث تعمد إلى تجميع أرباح المجموعة عن طريق المبادلات المالية و التلاعب بالفوترة و غيرها من التقنيات في الشركة المنشأة في هذه الدول. و قد عرفت هذه الممارسات بتعبير treaty shopping.
و تختلف الأنظمة القانونية الضريبية بين الدول. ففي الحين الذي تحترم فيه معظم الدول، من حيث المبدأ، استقلالية الشركات عن بعضها بحيث تكلف كل منها عن نشاطها في الدولة التي تأسست فيها أو لها فيها مركزها الرئيسي (عملا بالقانون المعتمد في هذه الدول)، فإن الولايات المتحدة تعتمد نظام التكليف الموحد unitary activity. أي أن الشركات الأمريكية مكلفة بدفع الضرائب إلى المالية الأمريكية أينما كان موطن نشاطها في العالم. و لا تعر الشكليات القانونية، أي استقلال الشركات التابعة و المنشأة في دول أخرى، أي اعتبار. فهي ترى في مجموعة الشركات التي تعمل لغاية اقتصادية واحدة على أنها شركة واحدة. كما أن دوائر الضرائب الأمريكية (international revenue service) تستعمل ثلاث تقنيات لشمل أرباح الشركات التابعة و لتقدير أرباح الشركات ضمن المجموعة: مقارنة الأسعار comparable uncontrolled price method ، تحديد السعر الحقيقي real price method، و تقدير الكلفة و الربح المعقول cost-plus method . و على دائرة الضرائب تقدير كل حالة على حدا بالنظر لمعطيات الموضوع و تركيبة الشركة.
أما في فرنسا فإن الاجتهاد بادر منذ بداية هذا القرن إلى البحث عن الشركات الوهمية société fictive و الشركات المنشأة لمخادعة القانون Frauder la loi و قد عمد إلى إلغاء البعض منها باعتبارها مجرد واجهة للشركة الأساسية الحقيقية (نظرية الوهم و الإيحاء Théorie de la simulation). أي أن الشركات و الأشخاص المعنويين المنشئين مستعملون كوسيلة لخدمة غاية خاصة دون أن يكون لهذه الشركات أي غاية أو هدف بحد ذاتها تبرر وجودها. و من المعلوم أن بعض الشركات العالمية تلجأ إلى تأسيس شركات تابعة في دول معينة لا تربطها بها أية مصلحة اقتصادية سوى الاستفادة من تشريعات معينة أو من اتفاقيات دولية موقعة من قبلها تعطي للمجموعة بواسطة الشركة التابعة هذه بعض الامتيازات و إعفاءات جمركية و ضريبية و غيرها. و من المعروف أن غالبية الدول (النامية منها بصفة خاصة) تتهافت على تقديم التسهيلات و الامتيازات القانونية التجارية و الاقتصادية و المالية و الضريبية و الاجتماعية لجذب الاستثمارات و للسماح للشركات الأجنبية بالتمركز ضمن أراضيها. و بالمقابل فإن الاجتهاد في عدد من الدول الأمريكية و الأوروبية و على رأسها فرنسا سعى إلى تصويب المسار. و تشن هذه الدول حربا شعواء على الشركات المربحة و المؤسسة أصلا لديها و التي تعمد إلى تأسيس شركات أوف شور في دول الجنات الضريبية هذه (في معظم الأحيان قابضة)، و هذا ما أشرت إليه في كتابي “قانون التجارة الدولية” الصادر عام 2004 عن دار صادر.
و لكن، و من جهة أخرى، لا يمكن إغفال أقدام بعض مجموعة الشركات من خلال تاسيس شركات أوف شور، على القيام بعمليات تجارية غير مشروعة كما سبق شرحه.
أما في لبنان فقد تشدد المشرع اللبناني في ملاحقة الجريمة المنظمة و الأعمال المشينة و المعاقب عليها جنائيا و عمليات تبييض الأموال و في تقييد السرية المصرفية من خلال إصدار القانون 44 تاريخ 24/11/2015 الذي عدل القانون 318. و قد فوض هذا القانون مهمة التحقق من هوية الزبائن و مصادر الأموال للمصارف و شركات التأمين و كتاب العدل و المحامين. و أنى للمحامين أن يتولوا هذه المهمة و قد أعفت حكومة الرئيس السنيورة عام 2008 شركات الأوف شور في لبنان من مراقبة المحامين القانونية عند تأسيسها و أثناء سير أعمالها؟

فواز سالم كبارة
محام و أستاذ جامعي

ترامب بين نشوة الانتصار و هوة الانتحار

Thursday, August 19th, 2021

ترامب بين نشوة الانتصار و هوة الانتحار

منذ قرابة 27 عاما سقط جدار برلين و سقطت معه منظومة سادت لمدة نصف قرن و انهارت الحواجز. و مؤخرا و في نفس التاريخ تقريبا انتخب الشعب الأميريكي مرشحا على خلفية خطاب غريزي و برنامج انعزالي و ينادي ببناء جدار يحميه من محيطه الجغرافي و يطالب بسحب توقيع الولايات المتحدة من اتفاقيات دولية و بالانسحاب من منظمات عالمية. و بين سذاجة الرجل الذي فرض نفسه من خارج المنظومة السياسية السائدة، و بين سراب الوعود الانتخابية الفضفاضة و بين حقيقة الواقع العملي و القانوني فسحة واسعة سيفيق الرجل من نشوة الانتصار ليواجه خطر انتحار مجازي على أكثر من صعيد. و قبل تحليل معاني هذا الانتحار المعنوي لا بد من الاشارة إلى أسباب الانتصار.

أسباب الأنتصار: لقد تجمعت أميركا البيضاء المحافظة بكل مكوناتها من مزارعين إلى الطبقة المتوسطة مرورا بالواسب وصولا إلى اليمين المتطرف المدافعين عن مواقعهم أمام المد السكاني من مهاجرين آسيويين و شرق أوسطيين و لاتينيين و أفريقيين و الذين تشير الإحصاءات على أن الغلبة السكانية ستكون لهم بعد عقدين، حول الشعارات التي أطلقها المرشح ترامب خاصة و أن هذه الطبقة لم تتقبل انتخاب رئيس من أصول افريقية. و قد تغاضى هؤلاء عن ماضي ترامب الحافل بالمغامرات و التهرب من الضرائب و الخروج عن القيم البروتستانتية و رحبوا بخطابه المناهض للإسلام خاصة و أن المواطن الأمريكي ما زال تحت وطأة أحداث الحادي عشر من ايلول و متأثرا بما ينقله الإعلام الغربي عن بعض الممارسات التي تقوم بها جماعات مسلحة تحت ستار الاسلام. و كأني بصمويل هانتغتون قد اصاب في نظريته عن صراع الحضارات أم أنه كان من الممهدين لها(؟؟). إن جشع الرأسمالية الحديثة السائدة في الولايات المتحدة تحت قيادة الجمهوريين خاصة أدى إلى أزمات اقتصادية و مالية كانت آثارها كارثية على الشعب الأميريكي. و كان لا بد من إيجاد عدو خارجي لإلهاء الشعب الرازح تحت وطئ هذه الأزمات. فبعد أفول الخصم الشيوعي تم توجيه الأنظار باتجاه عدو آخر متمثل تارة بالقاعدة و أفغانستان و تارة بإيران و بالعراق و من ثم بسوريا و الجماعات المسلحة (و معظمها صنيعة المخابرات الاجنبية). و هنا يجب البحث عن لوبيين: الأول هو لوبي السلاح الذي انخفضت أرباحه بعد سقوط الاتحاد السوفياتي و بالتالي عمل على خلق توترات عالمية متفرقة، و الثاني هو لوبي شركات البترول على خلفية مد أنابيب الطاقة بين أفغانستان و تركيا من جهة، و بين قطر و أوروبا مرورا بسوريا و ذلك بغرض تطويق إيران و روسيا و تحرير أوروبا من الضغط السلافي من جهة أخرى. و هذا ما يفسر موقف روسيا و محاولتها تثبيت اقدامها في سوريا دفاعا عن مصالها الاستراتيجية. و في هذه الحلبة الجيوبوليتيكية تدفع الشعوب الثمن الباهظ من أرواح بريئة و من أموال و ممتلكات. ناهيك عن اللوبي الصهيوني الذي يسعى منذ زمن لخلق الفوضى حول إسرائيل لإراحتها. يضاف إليه أن المناخ السياسي قد تغير عالميا و انقلب مزاج الناخب في الدول المعروفة بعراقتها الديمقراطية و انتقل الخطاب من تنافس على برامج اقتصادية و اجتماعية و سياسية إلى دعوات غريزية و شعبوية يثيرها متطرفون و أحزاب إنعزالية تلقي اللوم على الأجنبي. ففنلندا و النمسا و المجر و بريطانيا و إيطاليا و ربما فرنسا مثال على ذلك.

الأنتحار : سأعرض لبعض ما حمل برنامج الرئيس ترامب من وعود انتخابية محاولا تحليل مدى إمكانية تحقيقها و آثارها الانتحارية على الولايات المتحدة أو على المواضيع التي تتناولها:

أولا: أولوية البضائع الأمريكية: يدعي ترامب أنه سيعطي الأولوية للبضائع المنتجة أميريكيا و سيحد من استيراد البضائع الأجنبية من خلال فرض ضرائب عليها. إن هذا الشعار المثير للغرائز الوطنية غير واقعي لإنه يتناقض مع مبدأ اقتصادي ليبرالي تدعمه الولايات المتحدة و تدافع عنه و هو حرية إنتقال الأشخاص و الأموال. لقد ساهمت الولايات المتحدة بإنشاء منظمة التجارة الدولية و حثت الدول على الانتساب إليها و العمل بموجب نظام المنافسة. و هنا سيجد الرئيس ترامب نفسه أمام مسؤولية إيفاء الوعود الانتخابية و أن يتخذ قرارات تتناقض مع مبادئ التجارة الحرة و الانسحاب من منظمة التجارة العالمية ! يضاف إليها الاتفاقيات التجارية الاقليمية الأخرى! و ضمن إطار العولمة هذه انتشرت مئات الشركات الأميريكية المتعددة الجنسيات في أنحاء العالم تبيع بضائعها و تستثمر خيرات الدول المضيفة. فما عساه سيفعل بوجه هذه الشركات الأمريكية و التي تشكل عماد الاقتصاد الأمريكي و هل سيصطدم معها؟ و ماذا سيفعل تجاه آلاف الاستثمارات الاجنبية المالية و التجارية و الصناعية في الولايات المتحدة و التي تساهم في دعم الاقتصاد الأمريكي إذا ما قررت الدول الأخرى الرد بالمثل؟ هل سيقارع السوق المالي و الاستثماري المتمثل بالمصارف و شركات التأمين و بوول ستريت؟ هل سينعزل عن الاقتصاد الدولي و هنا الانتحار الأقتصادي؟ أم يتراجع عن وعوده الانتخابية و تظهر الكذبة و الوعود غير الواقعية و هذا الانتحار السياسي؟

ثانيا: منع دخول الأشخاص الذين يؤمنون بالاسلام إلى الولايات المتحدة الأمريكية: إن هذا الشعار لن يصمد أمام القانون و الواقع. فكيف يمكن تصنيف الإنسان بحسب إيمانه و على اي أساس؟ أليست الولايات المتحدة مجموعة من المهاجرين المتساوين في الحقوق و الفرص دستوريا؟ ألا يتناقض هذا الوعد مع الدستور الأمريكي نفسه و مع المعاهدات الدولية التي صادقت الولايات المتحدة عليها بدئا بمعاهدة حقوق الانسان لعام 1948. فهل يضرب ترامب بدستور الولايات المتحدة و بالاتفاقيات الدولية التي ترعى حقوق الانسان و ايمانه عرض الحائط و يقدم على تدابير تتعارض معها و تصبح الولايات المتحدة دولة خارجة عن القانون؟ أم أن الرئيس المنتخب سينكل بوعوده الانتخابية و يكذب مرة أخرى؟

ثالثا: سحب توقيع الولايات المتحدة من إتفاقية باريس المعنية بالحد من الانبعاثات الحرارية: وقعت الولايات المتحدة اتفاقية باريس للحد من الانبعاثات الحرارية و صادقت عليها بعد طول انتظار. و حدا حدوها معظم الدول الصناعية بغية إنقاذ الكرة الأرضية من الكوارث الطبيعية المرتقبة. و مرة أخرى يتحفنا ترامب باقتراح سحب توقيع الولايات المتحدة من هذه الإتفاقية و بإطلاق العنان للصناعة المحلية الملوثة ضاربا عرض الحائط بمستقبل الأجيال القادمة و بمستتقبل الكرة الأرضية و بيئتها و هذا انتحار انساني و بيئي جماعي! أم أن الرئيس المنتخب سيعي خطورة هذه الخطوة من الناحية العملية و القانونية و يمتنع عن تنفيذ هذا البند من برنامجه و يضيف كذبة أخرى إلى وعوده الانتخابية؟

رابعا: الانسحاب من منظومة الأطلسي و عدم تمويلها: إن إنسحاب الولايات المتحدة من منظمة الأطلسي أو عدم تمويلها يعني فقدان توازن القوى العالمية، سقوط الثقة بالولايات المتحدة، إنهيار النظام العالمي الأمني و المالي و الاقتصادي الذي تدعمه الولايات المتحدة، و اتجاه سائر الدول المنتسبة إلى هذه المنظمة إلى توفير مصادر تسلح و تمويل بديلة إلى ما يترتب على ذلك من توتر أمني و أعباء مالية و اقتصادية غير منظورة و تعثر جديد في الاقتصاد العالمي المترنح حاليا. و هذا انتحار سياسي و أمني.

مفاعيل الوعود الترامبية: الانتحار القانوني و الشخصي:
– الانتحار القانوني: يرتكز القانون الدولي العام المعاصر و مبادئ السياسة الدولية إلى منظومة دولية من المعاهدات و الاتفاقيات الثنائية و الجماعية و القواعد التي تنظم العلاقات بين الدول و تحفظ حقوق مواطنيها. و من مبادئ هذه المنظومة و القواعد القانونية المنبثقة عنها أن الدول تلتزم بتوقيعها على المعاهدات و الاتفاقيات و بمصادقتها عليها أصولا. و تتميز هذه الالتزامات بالاستمرارية كيفما تغير الرؤساء و الحكومات و الأنظمة ناهيك عن تعرض الدول المخالفة إلى المساءلة أمام محكمة العدل الدولية و إلى الإنعزال في المجتمع الدولي و إلى فقدان مصداقيتها. و يتعرض المجتمع الدولي إلى حال من الفوضى و هذا هو الانتحار القانوني.

– عدم امكانية مخالفة الدستور الأمريكي: لا يحق لأي رئيس أمريكي أن يخالف الدستور لأي سبب يتعارض مع أحكامه كما أنه لا يحق له الكذب. و هنا فإن المرشح ترامب سيصبح مسؤولا و سيعود إلى كنف المنظومة القانونية الدستورية التي تملي عليه إحترام المبادئ الدستورية و القانونية الوطنية و الدولية، و إلا فإنه سيعصى على الدستور و هذا انتحار له، أو سيحول الدولة إلى دكتاتورية و هذا انتحار لدستور الأمة. و هذا انتحار دستوري.

– الانتحار الشخصي: هل يعي ترامب عمق المسؤولية أم هو من السذاجة بمكان أن أطلق العنان لغرائزه و وصوليته؟ فإذا كان يستعمل الكذب المتعمد لمخاطبة غرائز المواطنين الرازحين تحت وطأة الأزمة المالية و اللعب على العواطف الدينية فهذا مخالف للقيم الأخلاقية و انتحار شخصي. أما إذا كان كذبه ناميا عن جهل فستظهر الأيام القادمة مفاجآت أهم دلائلها بداية التراجع عن عدد من الوعود غير القابلة للتنفيذ و هنا الخيبة الكبرى لمن عقد الآمال عليه و هذا هو الانتحار الشخصي.

– الانتحار الجماعي: إذا استمر الرئيس ترامب في اتخاذ قرارت عشوائية خارجة عن الدستور و المعاهدات و القوانين كإنهاء الاتفاقيات مع إيران و دفع إسرائيل إلى مزيد من التصلب فهو سيثير الاضطرابات و يضع العالم على شفير الهاوية. و العواقب ستكون وخيمة و التاريخ حافل بقصص رجال لاعقلانيين كانوا كارثة على المدنية و على تاريخ القيم الانسانية و هذا هو الانتحار الجماعي.
إن ملامح الغيث بدأت تظهر عناصره مع بدء الصدام مع المنظومة الحاكمة و أجهزتها الحزبية و الأمنية. فهل يصمد الرئيس المنتخب أمامها و يبقى كطير يغرد في غير سربه؟

و نقف أمام الوعود الفارغة و “Trumperie” متسائلين! مذا بعد و إلى أين؟ و تبقى بارقة أمل و قد علمنا التاريخ أن بعض الرجال الذين لم يخرجوا من رحم المنظومات التقليدية قد يفاجئوا العالم بقرارات جريئة، و نأمل لما فيه الأحسن و خاصة لمنطقتنا و إن غدا لناظره قريب.

سعدي المنلا

Thursday, August 19th, 2021

دولة الرئيس سعدي المنلا – لكي لا ننسى

أثناء توجهي إلى الخارج بمناسبة الأعياد رغبت في إهداء زملاء لي رموز تذكارية من لبنان. و رسى فكري على مجسم العلم اللبناني و قد وقع عليه واضعوه من رجالات الاستقلال. و كم كانت خيبتي أن أكتشف أن توقيع أحد الرموز الأساسية و راسم هذا العلم بيده غير موجود. أعني بذلك المغفور له دولة الرئيس سعدي المنلا. فهل هذا الاغفال مقصود أم ينم عن إهمال أو جهل بأهمية هذا الرجل و خصوصيته؟ لم يستطع قلمي مقاومة حماستي الطرابلسية وفاء لإبن طرابلس البار الذي ولد في أواخر القرن التاسع عشر و نشأ في عائلة كريمة لها مكانتها في طرابلس و تعلم الحقوق في اسطمبول و خدم برتبة ضابط في الجيش التركي لفترة وجيزة و لكن شعوره القومي العربي و حماسته حديا به للفرار من الجيش التركي و أسس مع لفيف من الرفاق “حركة الرابطة الوثقة” التي كان هدفها جمع شمل الأمة العربية و استقلالها عن الحكم العثماني الجائر مما عرضه للاعتقال و حكم عليه بالاعدام رميا بالرصاص و لم ينفذ فيه هذا الحكم بسبب تدخل الملك فيصل الفاعل. و استمر هذا الرجل في نضاله و انتقل إلى العمل ضد المنتدب الفرنسي مع لفيف من الشباب الطرابلسيين إلى أن استقل لبنان و انتخب سعدي المنلا نائبا عن طرابلس مع الزعيم عبد الحميد كرامي. و شغل سعدي المنلا أثناء نيابته مهاما وزاريا بارزة فكان وزيرا للعدل عام 1945 و وزيرا للداخلية عام 1946 إلى أن كلف تأليف حكومة الاستقلال الرابعة في ايار 1946. و تجدر الاشارة إلى أن حكومته قامت بعدد من الانجازات على رأسها قانون العمل اللبناني الذي وضع برعايته.

إلا أن قصة العلم اللبناني فلها مرحلتين. مرحلة دخول النائب (عندئذ) سعدي المنلا إلى المجلس و مرحلة رسم العلم اللبناني و هي من الطرافة و الأهمية على السواء روايتهما. عندما اعتقل الفرنسيون عددا من الزعماء في راشيا تداعى النواب إلى اجتماع طارىء في المجلس النيابي. و لكن الفرنسيون منعوا هؤلاء من الولوج إلى قاعة المجلس و وضعوا حراسا سنغاليين على مدخله و لم يتمكن من الوصول إليه قبل ذلك بقليل سوي عدد قليل منهم أذكر منهم صائب سلام، صبري حمادة، رشيد بيضون، مارون كنعان، محمد الفضل و هنري فرعون. و لما وصل سعدي المنلا و منعه السنغاليون من الدخول حمله الجمهور و حولوه إلى الجهة الأخري حيث يقع مكتب رئيس المجلس و رفعوه ليدخل من النافذة. إلى أن الجنود هاجموهم و فرقوهم و بقي المنلا معلقا في الحديد الذي يحمي الشباك: نصفه إلى الداخل و نصفه إلى الخارج. و شاهده أحد الجنود و صوب بندقيته نحوه. إلا أن أخد المواطنين دفع الجندي و سارع زملاؤه النواب إلى شد سعدي المنلا إلى الداخل. و منذ ذلك التاريخ يطلق على هذه النافذة “شباك سعدي”.

و بعد أن اجتمع النواب و تواصلوا هاتفيا مع زملائهم الذين لم يتمكنوا من الوصول إلى المجلس قرر المجتمعون بالإجماع تعديل المادة الخامسة من الدستور المختصة بتغيير لون العلم اللبناني. في ذلك الحين كان العلم اللبناني كالعلم الفرتسي (أزرق فأبيض فأحمر تتوسطه أرزة). فأقترح أحد الموجودين (على ما روي هنري فرعون) أن يتم استبدال اللون الأزرق باللون الأحمر. إلا أن الرئيس سعدي المنلا مدعوما من الرئيس صائب سلام إقترح تغيير الشكل الجيوميتري للعلم بحيث تكون الألوان أفقية و ليس عامودية كما كانت الحالة عليه. فصدق الاقتراح و تناول سعدي المنلا قلما أحمر و رسم العلم الجديد. و لما لم يكن لديه قلما أخضر رسم الأرزة بقلم رصاص. فوافق الجميع عليه و وقعوا عليه و أقسموا اليمين و تم تعديل المادة من الدستور.

لم يكن نشاط الرئيس سعدي المنلا مقتصرا على العمل الوطني بل كان حاضرا في المجال الطرابلسي و الشمالي حيث كان يشارك في النشاطات الثقافية و الاجتماعية و الانسانية و الاقتصادية في طرابلس و كان من بين الرجالات الذين عملوا على إرساء المصالحة الشهيرة بين الزعيم عبد الحميد كرامي و الدكتور عبد اللطيف بيسار. و لا تنسى نقابة المهندسين في طرابلس موقف دولة الرئيس سعدي المنلا الذي وقف وقفة صامدة بوجه المحاربة المعتادة بحق كل مطلب طرابلسي و الذي أدى إلى حصول مهندسي طرابلس و على راسهم المهندس أشرف كبارة عام 1946 على ترخيص نقابة مستقلة بهم. و كان سعدي بك كما يخاطبه أبناء البلد يعمل في أكثر من مجال في الحقل النضالي و الخدماتي جنبا إلى جنب مع والدي مما ترك في نفسي عندما كنت أجتمع به و من ذكريات والدي التي تلقفتها أثرا طيبا. كما يذكر كل من عاشر هذا الانسان أنه كان مثقفا مهذبا خلوقا سموحا و منفتحا. و قد خخص حياته للحقل العام و لم يتزوج. و تروى في هذا المجال نادرة حين اجتمع مرة بالرئيس الشهيد رشيد كرامي و أصر عليه قائلا:” لا تغلط غلطتي يا رشيد”. و الباقي معروف عند الجميع.

هذه باقتضاب قصة رجل مميز من طرابلس . و تتميز هذه المدينة بوفائها و برها برجالها البارزين فهل يتم العمل على إعطاء هذا الرجل حقه من خلال إطلاق إسمه على موقع أو شارع يليق بذكراه؟ كما أنه و على الصعيد الوطني من الضروري أن يكون المغفور له سعدي المنلا من بين الرجال الذين يكرمون في عيد الاستقلال لاسيما و أنه واضع علم الاستقلال و ذلك أسوة برجال الآستقلال الآخرين خاصة و أن الدولة اللبنانية تكرم رجالا لا تعلو بعضهم شأنا عما يمثله هذا الرجل.

ملاحظة أخيرة، و أقولها نتيجة لتجربة تعليمية، لا يعلو شأن وطن يجهل أبناؤه تاريخهم و قيمة صانعيه.

فواز سالم كبارة