حقوق الانسان المدنية الشخصية الأساسية
و ما يهمنا في هذه الدراسة هو تناول جانب أساسي من حقوق الانسان ألا و هو حقوق الانسان المدنية الخاصة أي التي تتعلق بذاته و بشخصه و بجسده و ما يتفرع عن ذلك من نقاط سنعرض لها بالتفصيل فيما يلي. و موضوع حقوق الانسان الشخصية الأساسية الخاصة هذا قلما تم التطرق إليه فكرا و فقها و قانونا في لبنان و العالم العربي. فقد غلب الطابع السياسي و موضوع الحريات العامة على هذا النقاش. و في غياب قانون مدني موحد يعرض لمبادئ حقوق الفرد الشخصية و يحددها بشكل مباشر و يتناول الحقوق الأساسية للمواطن، كما هو الحال في القانون المدني في فرنسا و في التعديلات الدستورية في الولايات المتحدة مثلا، نجد بشكل مبعثر هنا و هناك (في قانون العقوبات أو في قانون الموجبات و العقود و في بعض قوانين الأحوال الشخصية و غيرها من القوانين التي تعنى بجوانب مختلفة من بعض الحقوق كالملكية الفكرية و البيئة و حماية المستهلك و قانون حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة و قانون العقوبات) بعض المواد و القواعد التي تمنح جانب من بعض هذه الحقوق أو تحميها أو تعاقب بعض التعديات عليها. و قد عمل الاجتهاد على ملء بعض من هذا الفراغ.
لذلك سنقوم أولا بعرض حقوق الانسان الشخصية و ثم نتعرض لمصادرها و تاريخ نشأتها ثانيا. و في هذا السياق نتعرض ثالثا للإشكاليات الأدبية و الدينية و التاريخية التي يثيرها هذا الموضوع. ثم نقدم رابعا المدارس الحقوقية التي تعتبر مصادر القانون المدني و حقوق الإنسان على إختلاف مناهجها. ثم نستعرض خامسا نبذة عن هذه المبادئ كما هو متعارف عليها في القانون الدولي. كما نتناول سادسا الحقوق التي تعرض لها القانون و الاجتهاد و طريقة معالجتهما لبعض المشاكل و الثغرات التي تعترض المواطن بمواجهة هذا الموضوع. و لكن البحث لن يكتمل ما لم نتطرق في بند سابع إلى كيفية تطبيق هذه الحقوق و الادعاء بها، و من هي الجهة التي يحق لها التذرع بهذه الحقوق في بند ثامن. و في البند التاسع و الأخير نعرض لنتائج قوننة هذه الحقوق. في الختام يبقى أن كل نظام قانوني و مبدىء أخلاقي و حقوقي لا قيمة لهما ما لم يلقيا طريقهما إلى التطبيق العملي.
أولا: ماهية مشروع قانون حقوق الانسان اللبناني المدنية الشخصية و عناصره:
أن إدراج هذه الحقوق في نظام قانوني موحد يجعل من التعدي عليها فعلا، إداريا أو تعاقديا باطلا حكما لتعارضها مع النظام العام و بالتالي يكون لهذه الحقوق مفعول حمائي وقائي سابق و هذا ما ينسجم مع روحية الدستور و المعاهدات و المواثيق الدولية التي وقع عليها لبنان، و ليس مفعولا علاجيا بعد أن يحصل الضرر لأنه لا يحق للغير تناول خصوصيات و حقوق الفرد دون موافقته المسبقة. و عليه نقترح أن تدرج هذه الحقوق في مواد قانونية بشكل قانون مدني (يمكن أن تكون في صلب قانون الموجبات و العقود مثلا) كما يلي:
1) حق الانسان في الحياة
و يشمل هذا الحق حق الانسان في الحياة و الإغاثة و الإعانة ، و الطفل بالولادة و ما يتفرع عن هذا الحق العام من حقوق تحمي الحياة. و منع التعدي على الجنين في بطن إمه مما يستتبع عدم جواز الاجهاض إلا في حالات مبررة طبيا أو أخلاقيا و مع إحترام إرادة الأم.
2) حق الانسان المدني:
و يترتب على ذلك التمتع بكافة الحقوق التي ينص عنها الدستور و الحقوق و الموجبات المدنية بما تشمل من الحق بالجنسية و التملك و الزواج و البنوة و الميراث و كافة الحقوق التي تنص عليها القوانين الوضعية
3) حق الانسان بالعدالة و المساواة بين المواطنين أمام القضاء مع تكريس مبدأ أن المواطن برئ حتى تثبت إدانته:
يترتب على هذا الحق أنه لا يحق توقيف أي مواطن إلا بموجب القانون و في حالاات محددة و لمدة معقولة. و يترتب على كل تعسف تعويض لصالح الموقوف تعسفا.
كما أنه يحق لكل مواطن الحق بالدفاع و بعدالة وطنية منصفة، سريعة و مجانية و هذا ما ينص عليه قانون أصول المحاكمات.
4) حق الانسان على اسمه:
إن إسم الانسان (أكان إسم العائلة أو الأسم الكامل أو الأسم الفني المستعار الذي كونه الفرد شهرة أو مكانة عملية أو إجتماعية أو فنية أو علمية) يمثل له قيمة و أهمية في حياته و بعد مماته له و لمن له حق من بعده.
5) حق الانسان على جسده :
إن موضوع جسد الانسان متشعب و يشمل قضايا مختلفة منها ما يتعلق بحق الإنسان بجسده و حريته التصرف به دون التعرض لسلامته الجسدية، و منها ما يعاقب عليها في قانون العقوبات و منها ما ورد في إتفاقيات دولية و منها ما يستنتج من اجتهادات المحاكم. و يستتبع ذلك مجموعة من الحقوق الفرعية. و يمكن فرد أبحاث لهذا الموضوع لحساسيته. و لكنني سأختصر النقاط الأساسية التي يشملها هذا البند:
– حق الإنسان و حريته في التصرف بجسده و التمتع به دون التعرض لسلامته
– منع التعدي على جسم الانسان و نفسه (التعذيب النفسي) بالأذى و الضرب و التعدي الجنسي و التشويه بأي طريقة أو أسلوب لأي سبب من اللأسباب و هذا التحريم يشمل السلطات العامة كما يشمل الضغط النفسي و التعذيب في العمل (psychological harassment) لدفع الموظف إلى الخطأ أو ترك العمل، و يشمل أيضا الاستغلال في ظروف العمل للوصول إلى مآرب شخصية أو جسدية منافية للحشمة و غيرها.
– منع حجز حرية الانسان الجسدية عن طريقة الخطف أو الاحتجاز (إلا بموجب القانون) و الاعتقال التعسفي على أن يعاقب كل تجاوز لحد الاحتجاز غير القانوني و أي تعسف في استعمال القانون.
– منع التعدي على الجسد لأي سبب من الأسباب و يشمل هذا المنع الضرب الذي يتعرض له الأولاد و المستخدمون و التلامذة و الطلاب في المدارس و العاملين في بعض المهن.
– عدم جواز إجراء إية تجارب على جسم الانسان بدون علمه و موافقته الصريحة و ضمن حدود و شروط يحددها القانون
– منع التعامل و بيع الأعضاء البشرية على أن يصدر قانون ملحق بهذا القانون يحدد شروط هبة الأعضاء
– – حق الانسان في الضمان الصحي و العناية الطبية الجدية و في أدوية صحيحة (الأمن الصحي). و يترتب عليه مسؤولية الجسم الطبي عامة و الاستشفائي منه خاصة في العناية بالمرضى و الحالات الطارئة على الأخص، مع مراعاة مبدأ مسؤولية الجسم الطبي و حدودها القانونية. يضاف إليه أن مسؤولية الصيدليات تجاه المريض تتحول بنتيجة هذا القانون إلى مسؤولية شخصية بين المواطن و الصيدلي و ليس إلى مسؤولية الأخير تجاه هيئة مراقبة الغش كما هو الحال في التشريعات القائمة حاليا. و يلحق بهذا الحق سلامة المواطن ضد آفات التدخين و تعاطي الممنوعات.
– حق الانسان بضمان الشيخوخة و الحصول عى حياة تقاعدية كريمة.
6) حق الانسان على صورته:
إن للإنسان حق على صورته و صورة جسمه ، فلا يحق لأي طرف تصويره بدون موافقته، و لئن أخذت في مناسبة عامة فلا يحق له استعمالها لأي سبب من الأسباب، و تستوقفني هنا الموضة الرائجة بعرض صور مناسبات على الصفحات الاجتماعية الالكترونية بشكل يفرض على الفرد نشر صوره على الملأ رغما عن إرادته. و هذا غير مسموح به و يمس بالخصوصيات. و من الملاحظ أن صورة المواطن عرضة للتصوير في معظم الأماكن العامة لأسباب أمنية. فلا يجب أن يكون هذا التصوير عشوائيا و أن تكون له ضوابط قانونية. و هذا الحق يتعلق بصورة الانسان في حياته و بعد مماته إذ لا يحق لأحد تصوير جثمان المتوفي دون رضى العائلة.
7) حق الانسان في كرامته و سمعته و سيرته:
لكل إنسان كرامته و اعتباره و تاريخ و سيرة ذاتية تتكون مع الزمن. و قد يرث المرء هذه السيرة عن آبائه و أجداده فيتكون لديه رأسمال معنوي يعتبر إرثا له و تراثا للمجتمع الذي يحيط به. و قد يكون هذا الارث و هذه السيرة ملك المجتمع و الأمة لتعلق تاريخ الرجل أو المرأة بماضي الشعب. فهذا الحق يحول دون المساس به و التعرض له تحت طائلة المنع أو العقوبة و دفع التعويض عن الضرر المعنوي الذي يلحقه بصاحب العلاقة. و هذا الحق يستمر بعد وفاة الإنسان فلا يحق لأي كان التعرض لسيرة المتوفي تحت طائلة استعمال هذا الحق من ذوي العلاقة كما سنرى لاحقا.
8) حق الانسان في التعلم:
و يرتبط هذا الحق بمبدأ محو الأمية و إلزامية التعليم (الإبتدائي على الاقل) و حق كل مواطن في إيجاد مكان لولده أو له في مدارس و جامعات وطنية لها رفعتها و مستواها التعليمي و تؤمن المساواة في التعليم لكل المواطنين. فالتعليم الخاص هو مكمل و ليس القاعدة.
9) حق الانسان بحرمة ملكيته الشخصية :
إن الملكية الفردية هي بحماية الدستور و القانون و للأسف هناك مساس كبير بهذا الحق من حيث ميدأ حق الملكية المالية المادية (عينية أو غير غير عينية). و يجب صونه من حيث المبدأ. و القانون اللبناني يحتاج إلى حسن تطبيقه و السرعة بتنفيذ أحكام القضاء بهذا الخصوص. و من المؤسف أن تقع جرائم بسبب التعديات على الملكيات الشخصية و لجوء بعض الجهلاء إلى فض النزاعات بوسائل يندى لها الجبين. أما حماية الملكية الفردية من زاويتها الخصوصية فنعرض لها من زاوية حق الإنسان بحريته الشخصية و خصوصيته فيما يلي.
10) حق الانسان بحريته الشخصية و ذاتيته و خصوصياته:
– أولا يتعلق هذا الحق بإراته الشخصية و عدم إلزامه قسرا على إتخاذ أو عدم إتخاذ قرار في أي موضوع كان. فالتوقيع على أي اتفاق أو إرغامه على القبول بأمر و لو كان رضائيا بشكل يمس بحق من حقوقه الأساسية و يحد منه يعتبر باطلا. فحق التعبير أو حق الاستقالة من العمل هي من الحقوق الرئيسية المتعلقة بالحريات العامة. و هذا يستدعي تعديل قانون حماية المستهلك.
– و يعني هذا الحق ايضا تحريم الدخول إلى المعلومات الشخصية الذاتية للفرد لأنها ملك ذاتي لشخصه و ذاته. و تشمل هذا الحماية منزله، سيارته، أملاكه الخاصة، عمله، شبكة الاتصالات التي يستعملها و يدرج فيها من معلومات هي ملكه أو صور خاصة به إلخ … و يشترط لاعتبار الشيء تابعا أو ملكا له أن تكون تربطه به صلة قانونية كصك ملكية أو عقد إيجار أو عقد وكالة أو عارية أو استثمار أو ما شابه ذلك.
– يحرم هذا الحق على أية مؤسسة إنشاء و أو الاحتفاظ بمحفظة معلومات (data) متعلقة بأي إنسان دون موافقته. على السلطات و أو الهيئات المخولة بإنشاء هذا النوع من المحافظ و المعلومات بموجب القانون (ضمان إجتماعي، هاتف، كهرباء، أمن عام، ألخ) إرسال نسخة عنها إلى صاحب العلاقة سنويا لمراجعتها و التدقيق فيها و تصحيحها.
– لا يجوز بيع هذه المعلومات أو التداول فيها دون موافقة صاحب العلاقة
– و يشمل هذا التحريم المعلومات و السيرة الذاتية الماضية أي أثناء حياة المواطن و بعد وفاته.
– مع توسع دائرة الاتصالات و شبكاتها لا بد من التأكيد على ضرورة صون الخصوصية وحرمة المعلومات الشخصية. و لا بد لنا من الشكوى هنا من تفشي ثقافة الاستهتار بهذا الموضوع عن طريق عرض الخصوصيات على صفحات المجلات و الجرائد و الصفحات الالكترونية عبر الأثير بشكل أن الكرة الكونية باتت تعرف تحركات كيت مع زيد و مغامرات جون مع بارت و من كان في سهرة سعاد في منزلها في لونغ بيتش إلخ… إن نشر هذه المعلومات إنما يدل على استخفاف فاضح بمبدأ احترام خصوصية الذات. و لئن كان هذا الفعل من عمل أصحاب العلاقة أنفسهم ، فنطرح عليهم السؤال ما عسى يكون موقفهم عندما يتناول الشارع معلومات أكثر حساسية بالنسبة لحياتهم الخاصة؟ و عليه فإن القانون يجب أن يحرم نشر معلومات تتناول حياة أي مواطن دون موافقته الشخصة المسبقة.
11) حق الانسان في حرمة الموت:
و يتناول هذا الحق حق الانسان بالصلاة عليه و الدفن بكل كرامة و عدم التعرض لحرمة جسده و مدفنه بعد الممات. و لا مناص من القول أن لهذا الحق تبعات تتعلق بممارسته و نتائجه على الورثة و أصحاب الحقوق بحيث لا يحق لأحد اقتطاع نصيبه من الميراث قبل ممارسة حق الميت في الصلاة و الدفن أصولا. و عند غياب إمكانية مادية للقيام بذلك على الأقرباء و من ثم المجتمع القيام بذلك لأن هذا الحق متعلق بالانتظام العام. أما الشق الثاني فلكل صاحب علاقة كما سنرى فيما يلي أن يثير الدعوى و يمنع التعدي على حرمة جسد أو مدفن المتوفي. كما يشمل هذا الحق حقه على صورته الجسدية بعد مماته.
12) حق الانسان في حرية معتقده و التعبير عن فكره:
هذا المبدأ الذي كرسته شرعة حقوق الانسان و يحميه الدستور اللبناني يتناول حرية الفكر و المعتقد و التعبير عنه دون تطاول أو المس أو التعرض للفكر الآخر. فحرية الإنسان تنتهي عندما تبدأ حرية الانسان الآخر. و كل تجاوز يتناول المحرمات الدينية خارج الإطار التحليلي العلمي، و كل كتابة تتناول الحياة الخاصة أو السيرة الذاتية أو تشويه لتاريخ أحد و أو يشكل تهديدا للسلم الوطني يعتبر بمثابة تجريح و قدح و ذم و تشويه للحقائق. و هنا يأتي هذا الحق ليتصدى لكل عابث به، ليمنع حصوله و يردع القيام به و أو يوقع في مرتكبه عقوبات و تعويضات لصالح كل من تضرر من جرائه. و يتفرع عن هذا الحق مجموعة من الحقوق الفرعية: حرية الصحافة المكتوبة و المسموعة و المرئية و المبثوثة على الانترنت و حدودها. حرية التجمع و التعبير. حرية الجمعيات و النقابات. حرية السينما. حرية الاجتماعات. حرية التظاهر. حرية الاضراب. حرية التعليم. الحق بالإختلاف. يراعى في هذه الحقوق حقوق الانسان الشخصية و عدم المساس بها.
13) حق الانسان في المساواة في فرص العمل و المعاملات:
و لئن اعتبر الدستور أن المواطنين متساوون في الحقوق و الواجبات فإن القانون اللبناني لم يلحظ بعض الاحتياجات بالرغم من وجود التفاتة من قانون العمل للمساواة بين الرجل و المرأة. إلا أن بعض ذوي الحاجات الخاصة يحتاجون إلى معاملات خاصة و تقنيات و تجهيزات تسمح لهم بالعيش الكريم، و ألا يبقوا على قارعة طريق المجتمع. و لقد شكل القانون 220/2000 خطوة نوعية في هذا الاتجاه، و لكنه ما زال يشكو من نقص في المراسيم العملية و بطئا في التطبيق الفعلي. و عليه فإن إدراج مبدأ المساواة بين كافة المواطنين على إختلاف إنتماءاتهم الدينية و المذهبية و العرقية و الجنسية و احتياجاتهم الفكرية و الجسدية يكرس عمليا حقا لا يمكن لأحد أن يراوغ فيه و أن يلتف عليه، و يحفظ لكل صاحب حق نصيبه في العيش بكرامة. و يستتبع هذا الحق إلغاء التمييز بسبب الانتماء الطائفي أو المذهبي ما يؤدي إلى إلغاء الطائفية و المذهبية.
14) حق الانسان في العيش في استقرار إجتماعي :
يشمل هذه الحق مجموعة من الحقوق تصب في معظمها في خانة المواطن بصفته مستهلكا و تنفذ إلى عدد من المواضيع التي تتعلق بسلامته الاجتماعية. من هذه الحقوق:
– الحق في السكن: ليس المقصود أن للمواطن حقا في منزل و بالتالي أنه على الدولة أن تؤمن له ذلك. و ليته كان كذلك. و لئن كنا نميل إلى وضع الحق في أن يكون لكل إنسان مأوى كمبدأ أساسي، على أن تقوم الدولة و المجتمع بما أوتيا من إمكانيات بتأمين ذلك لكل مواطن. و لكن الواقع غير ذلك، و لبنان ذو نظام ليبرالي (من حيث المبدأ، و لو أن ذلك قابل للمناقشة في أكثر من ميدان)، فعلى المجتمع ممثلا بالدولة أن يؤمن الأسباب و الوسائل القانونية و الاجتماعية و الاقتصادية التي تتيح لكل مواطن أن يتمكن من التملك أو استئجار مسكن يعيش فيه بشكل كريم و عزيز. و يشكل موضوع السكن معضلة كبيرة في لبنان لم يتمكن السياسيون منذ عدة عقود من حلها. فموضوع السكن يضع حق الملكية المصون دستوريا بمواجهة قانون ايجار أصبح مع مرور الزمن أقرب منه إلى قانون إجتماعي يجعل من المستأجر شبه مالك مما يتناقض مع مبدأ الحرية التعاقدية التي ينص عليها قانون الموجبات و العقود، و يجعل المالك دون إيراد يتناسب مع تتطور العصر و التحولات الاقتصادية. و لئن حل قانون الايجار لعام 1992 هذه المشكلة جزئيا فما زال هذا الواقع يحول دون أن يكون الاستثمار العقاري وسيلة اقتصادية منتجة تسمح لفئة من أصحاب راس المال، من جهة، في الاستثمار العقاري ليعود عليها بريع و عائدات معقولة تتطور مع تطور نسب التضخم المالي و تتطور الأسعار، و من جهة أخرى تسمح لفئة أخرى من الشعب في إيجاد شقق قابلة للإيجار بأسعار تتماشى مع واقع السوق المالي و الوضع الاجتماعي. و هذا التوازن بين أيجارات الشقق و تطور الأسعار يجب أن يتوازى مع تطور نسب الأجور و التضخم بشكل مترابط كما يحصل في الدول الراقية ليتمكن المالك من الحصول على دخل مستقر من جهة و يسمح للمستأجر من جهة أخرى في المحافظة على توازن بين دخله و مصروفه. و هذا ما يؤمن امن كل منهما و سلامتهما و استقرارهما المعيشي و المادي. و هذا ما يطلق عليه الأمن الاجتماعي و الاقتصادي. و لكن لا يمكن إطلاق أسعار الايجارات دون ضوابط تتمثل بوجود مساكن اجتماعية أو ضوابط للأسعار تحول دون جنوحها و تحدد سقف الزيادات كمؤشر زيادة الأسعار و الأجور مثلا. كما أن جنون القيم العقارية تشكل اليوم عائقا دون تملك شريحة كبيرة من المواطنين لمسكن معقول.
– الحق في حماية المستهلك: إن المواطن هو مستهلك على كل الأصعدة. فهو مستهلك يومي لحاجاته الأساسية أولا و بالتالي فإن وجود قانون لحماية المستهلك ليس الغرض منه مراقبة المنتجين و التجار و معاقبتهم فقط كما هو الحال حاليا، بل في اعتبار أمن المواطن الغذائي و السكني و اليومي و سلامته (ملبس و شؤونه اليومية) هو حق أساسي. و كل مخالفة للمواصفات الأساسية التي تتعلق بأمنه و سلامته هي مخالفة أساسية لا تعرض المخالف إلى ملاحقة من قبل السلطات المختصة فحسب، بل تعطي للمواطن المعني الحق باتخاذ صفة الادعاء الشخصي ضده. و المواطن بالإضافة لاستهلاكه لمواد غذائية هو مشتر لأدوات منزلية و شخصية و آليات و سيارات و مواد و ما شابه ذلك من اشياء لا يمكن حصرها و تعدادها ثانيا، و عليه فإن سلامته و أمنه و حقوقه المادية و الضمانات التي يجب أن ترافق بعض الأصناف المباعة، يجب أن يصونها قانون حماية المستهلك بصفة الأخير صاحب حق شخصي أصلي. يضاف إليه أن هذا المواطن قد يؤمن على حياته و أن يقترض مبالغ و أن يشتري أدوات و مواد و آلات بالتقسيط و أن يتعاقد لشراء وحدة سكنية الخ.. و هنا نرى أن القانون الحالي لا يحميه (تستثني المادة 17 من قانون حماية المستهلك المصارف و شركات التأمين و الهيئات المهنية). و عليه يجب أن تكون حماية أمن و سلامة المواطن الجسدية و المعنوية و المالية من أي تعسف و استغلال و غش و غبن و من اضطراره إلى توقيع عقود لا حول له و لا قوة له فيها و غالبا ما يجهل مضمونها، و تقيه من أي ضرر مالي أو مادي أو معنوي ينتج عن ذلك، فوق كل إعتبار. و يتضمن هذا الحق حمايته أيضا من الإعلان الكاذب و الدعايات غير الصحيحية و التي ترمي إلى التأثير في إرادة المواطن و المستهلك بشكل غر سليم و بشكل مناف لحقيقة الشيء و الخدمة المراد الترويج لها و بيعها.
– حق الانسان في الغذاء (الأمن الغذائي): و يستتبع ذلك، و تأكيدا لما ورد أعلاه، حق الانسان بغذاء سليم خال من الغش و خاضع لمواصفات صحية و فنية متعارف عليها. و تخضع التشريعات المتعلقة بمحاربة الغش في لبنان لمراقبة وزارة الاقتصاد. قد تساعد وشاية المواطن عن سوء تصرف تاجر أو بيعه لمواد فاسدة أو التقدم من السلطات المعنية بشكوى في ملاحقة الفاعل. و لكن المواطن اللبناني يشعر في معظم هذه الحالات أنه يشي أو “يخرب بيت أحد”. و لكن عندما يشعر أنه يمارس حقا أساسيا في أمن غذائي يقام بالاعتداء عليه من قبل آخرين فاسدين فالمقاربة تختلف. و عليه يجب أن يدرج قانون حماية المستهلك الغذائي ضمن بند حق المواطن الغذائي.
– الحق في حماية البيئة: إن إنتشار الآفة البيئية بأشكالها المختلفة زراعيا و حرشيا و سكنيا و على الطرقات و في المحلات و من خلال بيع أدوات و استعمال مواد لا تتضمن المواصفات الحمائية و البيئية التي تصون المواطن تدفع بنا للمطالبة إلى تطوير التشريعات و التشدد في تطبيقها حماية للثروات الطبيعية و المناخ و سلامة المواطنين و أمنهم. إن تكريس هذا المبدأ من بين الحقوق الأساسية يجعل تطبيقها و سهر المواطن على تطبيقها بصفتها أحد حقوقه الرئيسية أكثر فعالية.
15) الحق بالأمن و السلامة العامة:
و لن نطيل في عرض هذا الحق الذي يتناول السلامة العامة و أمن المنازل و خاصة على الطرقات و هذه حقوق بديهية و تعمل جمعيات مختلفة مع وزارة الداخلية على بلورة قانون سير “حديث و عصري” نأمل أن يحفظ الحقوق و الأولويات. و يشمل هذا الحق إمكانية ادعاء المواطن على الدولة و أو المؤسسات و أو المتعهدين عن الأضرار المادية و المعنوية التي لحقت به بسبب االتقصير و أو الاهمال و أو الخطأ لدى تنفيذ أو عدم تنفيذ أشغال أو إجراءات سلامة بديهية (كوضع إشارات سلامة على الطرقات أو حماية حفرة إلخ…). كما يشمل هذا الموضوع حق المواطن بحماية مدنية (بضم الميم) أي بوجود سيارات إطفاء و إسعاف و دفاع مدني متطورة في كل قضاء و مدينة، و ضرورة توفر خطط معلومة من قبل السلطة العامة لدرء مخاطر الكوارث الطبيعية على إختلافها. و ينتج عن توفر هذا الحق ليس معاقبة السارقين و المعتدين بعد حصول الجنحة أو الجناية أو حادث السير فحسب، بل ملاحقة المقصرين من المسؤولين في تبيان مسؤوليتهم و ثبوتها.
16) حق المواطن تجاه الإدارة:
إن الدولة أو الإدارة وجدت في خدمة الشعب و ليس العكس. و بالتالي فللمواطن حق على الدولة بخدمة شفافة و سريعة و مثلى ضمن إطار من الحوكمة و من الحد الأدنى من التكلفة. يضاف إلى ذلك أن المواطن يجب أن يبقى بمنأى عن أي تعسف و تجاوز لحد السلطة و التجاوزات التي يمارسها البعض. إن تكريس هذا الحق في القانون يؤدي إلى تمكين المواطن من التوجه ضد من تسوله نفسه استغلال نفوذه للتعدي على حقوقه و مصالحه أو عرقلتها. مع العلم أن قانون الموظفين يعاقب على بعض هذه المخالفات و التعسف في استعمال الحق و النفوذ، و لكن أصول تقديم الشكوى شائك و طويل. كما يسمح للمواطن بملاحقة الادارة و الموظفين عن سوء تصرفهم و تقصيرهم في واجباتهم.
17) حق الانسان على نتاجه الفكري و الأدبي و الفني و العلمي:
مع التوسع العلمي و التقني و الأدبي و الفني و مع توسع شبكة الاتصالات الكونية و تعدد الاتفاقيات الدولية التي تحمي الملكيات الفكرية و الانتاجية (صناعية و اختراعات و غيرها) على اختلاف أنواعها لقد أصبحت القوانين التي تحمي الملكية الفكرية في لبنان و المراسيم التطبيقية بحاجة إلى مراجعة و تطوير و توحيد، يضاف إليه أن المستهلك لا يجد نصيبه في هذه القوانين. و عليه يجب تحديث هذه القوانين بحيث تحمي على السواء المفكر و المنتج و المخترع و المصنع و المستهلك.
18) حق الانسان في الثقافة:
مع انتشار وسائل النشر و الاعلام و الثقافة أصبح المرء أسير إعلام و ثقافة موجهة تسيطر عليها وسائل مكتوبة و مرئية و غير مرئية و غير مضبوطة و تستعمل وسائل نشر و تأثير إعلامي تتجاوز قدرة الضبط و السيطرة الفردية في معظم الأحيان. و ما الأنترنيت و الهواتف و الحواسب المحمولة سوى خير دليل على الثقافة المعاصرة التي تحمل فتات من المعلومات الموجهة التي تؤدي إلى غسل أدمغة العامة و الشباب الذي أصبح يفتقر إلى مراجع معروفة و موثقة و خاضعة لرقابة علمية و ذاتية. إن هذا الحق يجعل المواطن في حماية القانون ضد كل تعسف في تحوير الحقائق الموضوعية المعلنة للجمهور بكل الوسائل العامة.
ثانيا: مصادر حقوق الإنسان الشخصية و تاريخ نشأتها:
قبل انتشار الاديان السماوية دأب المفكرون و الفلاسفة على تحليل الفكر الانساني و استنباط قيم أساسية و معتقدات تؤسس لمجتمع فاضل يعيش المرء فيه بأمان و سلام و يحظى فيه ببعض الحقوق الأساسية.
1) حقوق الانسان في البوذية: البوذية معتقد أسسه في الهند أحد النساك في القرن السادس قبل الميلاد من قبيلة سكيا (Sakya) في مدينة كابيلافاستو (Kapilavastu) إلى شمال بيناريس (Benares). و انتشر على امتداد العصور إلى شمال القارة الأسيوية فشمل الصين و كوريا و اليابان و فيتنام و غيرها. و كلمة بودا أو بوذا (bouddha) تعني بالهندوسية النبيه و المنفتح و العلامة. و يقوم هذا المعتقد على مبدأ أساسي هو الشر (duhkha) أكان جسديا أم نفسيا. فبالنسبة للبوذية إن كل مشاكل الحياة و آفاتها تتمثل بموضوع أساسي و هو الشر. و يجب اعتماد اربعة مراحل أو حقائق أربعة (Arya-Satya) للخروج منه و بلوغ الخلاص (Nirvana): حقيقة الشر، حقيقة مصدره، حقيقة توقيفه و أخيرا الحقيقة المطلقة أي الطريق الأخير أو سبيل الخلاص من الشر (Marga) و ارتقاء الفضائل الثمانية و بلوغ المثال (Nirvana). و الشر شمولي مادي و معنوي، كمفارقة الأحباء، كالشر بمعاشرة الأشرار، كشر الشيخوخة، كشر المرض، كشر النقصان و عدم الحصول على مشتهاه الخ.. و الشر، ثانيا، أمر يشمل الإنسانية جمعاء. فعلى المرء أن يحدد الشر الذي يؤذيه و يشغله. أما الحقيقة الثانية فتتعلق بتحديد مصدر الشر هذا. و يعتبر بودا أن جهل الإنسان و نهمه يؤديا به إلى رذائل ثلاث تنبثق عن الشر و هي: الجشع و الحقد و الغلط. و هذا ما يحدو بالانسان إلى اللجوء إلى المرحلة الثالثة أو الحقيقة الثالثة و هي لجم الشر ليتمكن من اتخاذ قراره و القيام بعمله بعد تفكير و تمحص و نضوج (vipaka) و بعيدا عن التأثير و الانفعال. و عندما يتخلص الإنسان من آفات الشر و ما ينتج عنه من أذى و باطل يرقى إلى المرحلة السامية من النضوج و المثال حيث يصبح له ملكة الفضائل الثمانية و هي الرأي الصائب، النية الحسنة، الكلمة الطيبة، النشاط الجسدي السليم، مجهود طبيعي، انتباه مركز، الوسائل المعيشية المناسبة، و تركيز ذهني صحيح. و هناك وسيلتان للوصول إلى طريق هذه المثاليات (Marga) : اليوغا (Yoga) و التأمل (meditation أو dhyana) و هذا ما يسميه بودا بالتعاليم[ Encyclopedia Universalis, Vol. 3
إن معالجة موضوع الحقوق الأساسية للإنسان، و بالنظر للسرد التاريخي الذي سبق، تطرح إشكاليتين:
* الإشكالية الأولى أصولية و أدبية لا يمكن تجاوزها تعود إلى مسببات القهر و الاضطهاد اللذين أديا إلى لجوء الانسان إلى المطالبة بحقوق إنسانية بمعزل عن القيم الدينية و الاجتماعية السائدة. و هذا ما دفع بإليانور روزفلت و رينيه كاسين إلى وضع حجر الأساس لشرعة حقوق الإنسان الملحقة بشرعة الأمم المتحدة بالتعاون مع لفيف من الحقوقيين العالميين غداة الحرب العالمية الثانية. فالسؤال الذي يفرض نفسه: هل يمكن الاستنتاج من علوم التاريخ أن الدين يتناقض مع الحقوق المدنية الأساسية للإنسان؟ و هل أن المبادئ القانونية الأخلاقية المطلقة هي مبادي فلسفية كما ذكر أرسطو؟ أو بتعبير آخر، هل تخضع الفلسفة للثيولوجية أم يخضع علم الدين للفلسفة؟ أم هما مستقلان؟ و هل يمكن التحدث عن مبادئ حقوق الانسان و قيمها بمعزل عن الدين؟ أو بتعبير آخر هل تتناقض مع الدين؟ أما الاشكالية الثانية فهي تنفيذية أي تتعلق بابتعاد أهل القيم و أدبيات السلوك المثالي عن المبادئ التي ينادون بها كما حصل مع رجال الدين و الثورات و إنغماسهم في متاهات السلطة و نتائجها القمعية. فهل تعتبر مبادئ حقوق الانسان نوعا من أنواع المثاليات أو اليوتوبيا؟
إذا ما عدنا إلى المبادئ و القيم و التعاليم الدينية المشار إليها أعلاه على إختلاف انتماءاتها، نخلص إلى القول بأن الأديان السماوية حفظت حق الانسان بشكل أو آخر. إن الأخلاق أو القيم (ethics) المشتقة من اليونانية (ethos) و من اللاتينية (ethicus) و التي دأبت العقائد الشرقية و الفلسفة الأغريقية على التباهي بها و نشرها لا تضاهي القيم و الأخلاق الحميدة التي بشر بها الأنبياء و الرسل في الأديان السماوية من خلال الممارسات الدينية و الدنيوية التي دعوا إليها. فالصراع ليس قائما بين الدين و الفلسفة أو بين الدين و الأخلاق مطلقا. فالقيم هي قواعد نظرية و عملية تسمح بالتفكير في في أسس الممارسة الأخلاقية (axiology). إن الزواج المنطقي الذي جمع بين المفكرين المشرقيين و الغربيين الدينيين و الفلاسفة اليونانيين و المبادئ الأخلاقية و القانونية التي انبثقت عنها خير دليل على ذلك. و لا ضرورة برأينا للخوض هنا في متاهة البحث عن أحقية الإيمان و المنطق في موضوع حقوق الانسان. فالهرمية هنا غير مفيدة لأن الموضوعين متلازمان كما يكتب محمد أركون[ Mohammed Arkoun, la question éthique et juridique dans la pensée islamique, vrin 2010]. إن حصر قاعدة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر بالشؤون الدينية العبادية الإلهية تعود برأينا لتفسير فقهي متشدد أطلقه الإمام أبن حنبل و تمسك به بعض أتباعه أمثال إبن تيميه و الجوزي و أبي الحسن الأشعري و غيرهم من المفكرين المعاصرين قد تكون له أسبابه الموضوعية في حينه (على غرار ما حصل مع لوتر و كالفن بالنسبة لكنيسة و بعض الممارسات التي ثاروا عليها). و لكن لهذه القاعدة تفسير منطقي سلوكي قيمي (ethos) يتجاوز الحدود الدينية التي فسرت لها لتشمل المعاملات و الممارسات الانسانية الاجتماعية في العلاقات اليومية في المجتمع أفرادا و جماعة[ Michael Cook, Commanding right and Forbidding Wrong in Islamic Thought, Cambridge, UP 2000
]. إن وضع قواعد حقوق و واجبات مستخلصة من فرائض الانسان تجاه أخيه الانسان تؤدي إلى قيام مجتمع يقوم على قيم أخلاقية مثالية و مبادئ شرف تحدد حقوق الفرد و سلوكه تجاه الفرد الآخر. فكلما كثر إقرار الخطاب الديني لما يدركه العقل من أحكام زادت قيمة احتمال صحة الحكم العقلي لمجمل تلك الأحكام. و إذا أيقنا أن الله قد بعث الأنبياء و الرسل ليبلغوا للبشر الدين و قيمه، يمكن الكشف و المطابقة بين ما يحكم به العقل و ما يحكم به الدين. و عندما نستنتج تطابقا بين قيمهما من حيث أن ما يحكم به الواحد يدعو إليه الآخر، فذلك يدل على استبعاد حصول الصدفة، و لا بد من أن يكون حكم العقل الانساني هو حكم عاقل صحيح لا ريب فيه لا يتعارض مع قيم الحق و الأخلاق التي تدعو إليها الديانات. و قد تنبه بعض المفكرين لأهمية هذه القاعدة و شموليتها و عدم جواز حصرها في أمور دينية فحسب و قاموا بدراسة مميزة عن امتدادها التاريخي و الانتروبولوجي و الاجتماعي في ذاكرة المجتمع الشرقي (م كوك). فلماذا البحث إذا عن مبادئ لحقوق الانسان ضمن إطار قانون مدني مستقل (يحلو للبعض إطلاق تعبير “علماني” عليه، علما أن هذا التعبير لا يعني إلحادي قط بل يعني أنه غير خاضع للسلطات الدينية)؟[ E. Dubout et S. Touzé, Les Droits Fondamentaux Charnières entre Ordres et Systèmes Juridiques, Pedone 2010, ]
إن عودة سريعة إلى تاريخ المشرق و المغرب تفصح لنا عن أسباب الصراع بين دعاة حقوق الانسان المطلقة و السلطات الزمنية و الدينية.
منذ انتشار الدعوات الدينية و منذ أن آمن الناس بالتعاليم السماوية، انحرف مسار ممارسة السلطة “الدينية المدنية” لتصبح مؤسسات لها أصولها و أشخاصها يتعاقبون على ممارستها بطرق لا تمت في كثير من الأحيان إلى القيم الأخلاقية و الدينية. و بات رجال الدين يحصرون في شخصهم السلطات الدينية الايمانية و الدنيوية أي أصبحوا يفتون و يحكمون بين الناس و يملكون ويتصرفون بمقدراتهم. و تتطور ذلك لتصبح سلطتهم مطلقة و يتكون لدى العامة من الناس شعور بالكبت و القهر نظرا للظلم و التعسف الذي مورس في كثير من الأحيان بحقهم. ففي روما أصبح الباباوات يشكلون سلطة تفرض إرادتها على الملوك و الأقطاعيات و الأفراد و ما نتج عن ذلك من صراعات و خلافات و انشقاقات وحروب. و انتشرت الفرق الدينية من الدومينيكيين و اليسوعيين إلى الفرانسيسكان و غيرهم في معظم أنحاء أوروبا و الأماكن التي تموضعت فيها في خدمة الرسالة المسيحية و مساعدة الناس و المحتاجين[ Arlette Heymann-Doat, Liberté Publiques et Droits de l’Homme, LGDJ 1990, Jacques Robert et Henri Oberdorff, Libertés Fondamentales et Droit de l’Homme, Montchretien 1989]. و لكنها سرعان ما انحرفت عن الأهداف التي أنشئت من أجلها و تحولت إلى أداة استغلال و بطش. و ارتكبت الكنيسة حماقات تاريخية نذكر أهمها تلك التي حصلت مع العالم غاليلو. و لم يغب هذا المشهد عن المشرق الإسلامي حيث انحصرت السلطة المطلقة في يد الأمير أو السلطان أو الخليفة (أو حاشيته حسب شخصيته) حيث كانت السلطة تنتقل معظم الأحيان بالوراثة أو بوسائل غير مشروعة و في مطلق الأحوال بطريقة مخالفة للقيم الدينية التي دعت أن يكون الأمر شورى بين الناس. و إنحرف القيمون على السلطة عن مسارها الطبيعي كمفتين و قضاة للحكم بين الناس إلى سلطة مطلقة لها الأمر و الرأي النهائي و الأخير ترضى حين يحلو لها الأمر و تغضب و تبطش حين لا يروق لها[ حسن ابراهيم حسن، تاريخ الاسلام السياسي و الديني و الثقافي و الاجتماعي، مكتبة النهضة الاسلامية، 1964]. و بكل أسف أصبحت المعادلة (بحسب منطق أرسطو) الراسخة في ذهن العامة لعقود طويلة: الدين يعني السلطة، السلطة تعني القمع، إذا فالدين يعني القمع.
و كان الحكم باسم الدين يعني الحكم باسم الايمان أي الخضوع لمشيئة الله، و الخضوع لمشيئة الحاكم تعني الخضوع لمشيئة الله الذي يحكم باسم الدين و مشيئة الله و الخروج عن الحاكم تعني الكفر و الزندقة و الردة و الحكم بالموت. فتوجب الخروج من هذه الحلقة المفرغة و هذا الفخ الذي يستعمل فيه الحكام (و الناطقون باسم الدين) الارادة الإلهية و يسخروها لصالح حكمهم و مشيئتهم و غاياتهم و نزواتهم الشخصية و يتجاوزون في معظم الأحيان القيم الدينية و يستغلون إيمان الناس و بساطتهم و رضوخهم فيسيؤن إلى الدين و الايمان[ Ignaz Goldziher, Le dogme et la loi dans l’Islam, Geuthner, 2000
]. و التاريخ حافل بمآثر هؤلاء على مد السنوات و على اختلاف المذاهب و الأديان. و خير دليل على ذلك ما حصل مع مفكر مصري شهير منذ فترة وجيزة حيث تم تطليقه من زوجته قسرا و خلافا لإرادة الزوجين على خلفية أفكار متطورة لا تروق لبعض رجال الدين. إن صون الدين و حماية الايمان من تعسف أهل السلطة تقضي بالحكم باسم الحق و القانون اللذين يستمدان قوتهما و أصولهما من مبادئ إنسانية اساسية تمت إلى أصول البشرية و حمايتها و إرساء قواعد الحرية و العدالة و القيم الأخلاقية بين الناس التي جاءت كل الديانات السماوية و المعتقدات البشرية (كالكنفوشية و البوذية مثلا) لتؤكد عليها ليسود السلام و العدل و الحرية و التوازن بين البشر. فأين الخلاف إذا بين حقوق الانسان و الدين؟ في الواقع، إنه خلاف بين من يدعون النطق و الحكم بإسم الدين و بموجبه و بين الدين نفسه و مضمونه الحقوقي الانساني.
هذا كان مبرر الإعلانات المتفرقة لمواثيق حقوق الانسان بمعزل عن الكنيسة و ظهور انتفاضات فكرية و شعبية منذ القرن السادس عشر كرسها الأعلانان العالميان لحقوق الانسان الصادران في أمريكا و فرنسا غداة الثورة الفرنسية و تجليا في الإعلان العالمي الصادر عن الأمم المتحدة (شرعة الأمم). أما في الشرق فقد برز ذلك في ظهور فرق ترفض السلطة المركزية و تبرر ثورتها و انتفاضتها بأفكار دينية و فلسفية جديدة و فقه يميزها و يبرر انتفاضتها و يظهر (بالنسبة لها) شذوذ السلطان أو الخليفة أو الأمير. و هذا ما يفسر تكاثر الفرق و الأفكار و الشيع الدينية و التي لا مجال لتعدادها و البحث في تفاصيلها هنا لكثرتها و أهمية بعضها. و لكنه حتى تاريخه، و إن تعددت الاجتهادات و التفسيرات و القيم الفلسفية فإن فرقة من هذه الفرق لم تتخذ موقفا سلبيا من الدين نفسه. و لكنه من المفارق و المضحك أن بعضها يكفر بعضها الآخر.
* أما الإشكالية الثانية فهي سلوكية و تتعلق بأصحاب المبادئ و المنادين بها. فقد علمنا التاريخ أن أصحاب المبادئ الإنسانية و القيم المثالية التي ثاروا من أجل تطبيقها لم يكونوا دائما القدوة في هذا المجال و لم يعطوا المثل الأعلى في هذا المضمار. فالثورة البولشفية قامت من أجل حماية مصالح الطبقة العاملة و المستغلة و حماية حقوقها بوجه الإقطاع و الاستغلال. فتحولت إلى أبشع صورة من صور الدكتاتورية و القمع النفسي و الأضطهاد الجسدي الفردي و الجماعي. أما الثورة الفرنسية فحدث و لا حرج عن الإغتيالات و الإعدامات و السرقات و استغلال النفوذ و العبث بمبادئها طوال قرن من الزمن استمر الحكم خلاله بشكل فردي و دكتاتوري متسلط لا مكان فيه لأبسط حقوق الفرد. و لم يستقر الأمر للثورة الفرنسية إلا بعد إصدار القانون المدني (قانون نابليون) الذي إقر الحقوق الأساسية للمواطن و فصل الدين عن الدولة عام 1905 و مجيء الجمهورية الثالثة.
* هذا ما يؤكد تلازم المبادئ المثالية أكانت تتعلق بالمبادي الدينية أم بحقوق الانسان الأساسية مع تطبيقها بشكل لا لبس فيه. و يستلزم ذلك وجود نظام حكم يؤمن سلامة حماية هذه المبادئ و حسن تطبيقها. و خير نظام يسمح من حيث المبدأ للحرية إلى التعبير عن ذاتها و للممارسات أن تخضع لنظام الثواب و العقاب و المحاسبة و الحوكمة هو النظام الديمقراطي على اختلاف أشكاله السياسية مدعوما بجهاز قضائي نزيه و مستقل. و هنا نرى أن الحقوق الاساسية التي نحن بصددها متلازمة مع الحقوق العامة أي الحريات العامة أي حرية التعبير و الانتخاب و العدالة، أي بتعبير آخر: لا مكان للحريات و الحقوق في نظام لا يحميها و لا يحكم بالعدل.
* ملاحظة أخيرة: لا يمكننا أن نغفل هنا أن اليمقراطيات الغربية تتشدد في حماية الحقوق الخاصة و العامة في بلادها و لصالح مواطنيها، و لكنها تضرب بها عرض الحائط و تتجاهلها تماما عندما يتعلق ذلك بدول و بشعوب أخرى تسعى الدول الغربية إلى استغلال مواردها أو التعاطي معها بطرق مختلفة لأسباب سياسية أو إقتصادية (و بعض الأحيان فوقية و عنصرية) و خير دليل على ذلك ما نشاهده و نلمسه في تعامل دول الغرب مع موضوع حقوق الانسان في العالم النامي، و تجاه المواطن العربي و المسلم في أراضيها، و في كيفية تغاضيها عن التجاوزات القانونية و الانسانية التي ترتكبها دولة إسرائيل، في الوقت الذي تستغل و تثير موضوع حقوق الانسان انتقائيا و بشكل مدروس بوجه بعض الدول و رؤساءها و حكامها في العالم الثالث على هوى السياسة العالمية و توجهات مصالحها.
رابعا: المدارس و التيارات القانونية
إنطلاقا مما تقدم و بعد عرض المصادر العقائدية و التاريخية لمبادئ حقوق الانسان و الإشكاليات الفكرية و العملية التي تعرضت لها، سنعرض للمدارس الحقوقية التي انبثقت عن تطور الفكر الديني و الفلسفي في المجال القانوني و حقوق الانسان. و تقسم هذه المدارس إلى ثلاث تيارات. لقد انقسم فقهاء الكنيسة المسيحية و أصحاب المذاهب الاسلامية إلى تيارين رئيسيين: الأول تيار يعتمد على التيولوجيا لاستنباط الحقوق الانسانية الأساسية و يضعها تحت سيطرة المؤسسات الدينية. و تيار ثان و بالرغم من أنه لا يخرج عن الفكر الديني فهو يفسح لإرادة الانسان و لفكره مساحة في استنباط الحلول و في وضع قوانين على غرار القوانين الرومانية.
إن القوانين الوضعية على اختلاف أنواعها و أشكالها هي من استنباط الفكر الانساني الذي طورها انطلاقا من حاجة الانسان إلى تنظيم أعماله و علاقاته. أما حقوق الإنسان فمهما تعددت أنواعها و أشكالها مع تطور الزمن و الأمكنة و التقنيات و حاجة الانسان إلى حماية في وجه أشكال المخاطر التي يتعرض لها، فهي تنطلق من حق أساسي و تنبثق عنه ألا و هو الحق في الحياة الكريمة الحرة و ما ينبثق عنها. و هذا أمر لا خلاف عليه بين الأديان و الفلسفات على إختلاف مذاهبها و مناهجها كما نوهنا سابقا. و لكن التعمق في موضوع حقوق الانسان و مصادر القوانين التي تحميها يظهر لنا مدى الشرخ الذي أحدثته في مختلف المدارس الفكرية بسبب اختلاف المصادر التي اعتمدتها و استندت إليها من جهة و بسبب إصتدامها مع السلطة القائمة من جهة أخرى كما تبين لنا من العرض التاريخي أعلاه و الاشكاليات المترتبة عليه.
و لكن الصراع الذي أدى إلى نشأة الفكر المدني الأخلاقي المتحرر من تسلط أهل الدين و شذوذهم و استغلالهم للدين و لإيمان الناس أدى إلى بروز تيار ثالث قام بوضع قوانين مدنية مستوحاة من المبادئ الإنسانية الأساسية التي تمخضت عن أفكار عدد من الفلاسفة و التي لا تشذ عن المبادئ الأساسية للديانات السماوية و المعتقادات الأخرى.
التيار الأول: تيار القانون الإلهي (ثيولوجي): و يتزعمه مار أغوسطينوس في القرن الرابع و الأشعري و ابن تيمية و إبن جوزية و غيرهم ممن اتبع فكرهم في ربيع الفكر الإسلامي. و هو يقول بالرجوع المطلق للارادة الإلهية في شؤون الناس و حل مشاكلهم و اعتبار أن القانون الوحيد الجائز تطبيقه على خليقة الأرض هو القانون الاهي و مشيئة الله المتمثلة بكتبه و تعاليمه. فلا حقوق خارج حدود الكتب و التعاليم الربانية و ما انبثق عنها. فمشيئة الله هي الأولى و الأخيرة، هي البداية و المرجع النهائي. فبالنسبة إليهم إن الحقوق منزلة من الله عز و جل و هي هبته لخليقته. فبالنسبة للأشعريين مثلا تنطلق الحقوق من حق الملكية الذي ليس سوى تكليف شرعي (أي ليس حقا بالمعنى الذي نحن بصدده) و إنما هي تفضل و منة من الخالق على خلقه.
التيار الثاني: تيار القانون المنطقي المكتوب (الوضعي): و قد تطور هذا الفكر مع الزمن و ظهر منذ القرن الثالث عشر تيار آخر يؤمن بالفكر الانساني و بقدرة الانسان على التبصر و التعقل و التوصل إلى الايمان و حل المشاكل الانسانية و الدنيوية بالعقل و المنطق. و كما سبق و شرحنا في مصادر الحقوق أعلاه فقد تأثر هذا التيار بحوار الحضارات و الفلسفات و دخول فسلفة و منطق أرسطو و منهجيته على تفكير العديد من المفكرين و الفلاسفة الحقوقيين في الشرق و الغرب. و هكذا جاءت المدارس الفكرية لتضع أسس القواعد القانونية الحقوقية الآيلة إلى تنظيم المجتمع. و قد ترأس هذا التيار مار توما الأكويني و من بعده المفكر دان سكوت و غيللوم أوكام الذين يعتبرون مؤسسين المدرسة القانونية الوضعية و واضعي حجر أساس القانون المكتوب. و لئن كانت هذه الخطوة بمثابة ثورة على الكنيسة في المجتمع الغربي، فإنها لم تكن غريبة عن الفقه الاسلامي الذي دعا إلى توثيق العهود و تقنين العلاقات فجاء عمل الفقهاء الخمسة الذين ارسوا النظام القانوني الاسلامي في العلاقات و العقود (المذاهب الخمسة) ثم تبعه أول نظام قانوني متكامل مكتوب ينظم العلاقات بين الأفراد على يد سليمان القانوني الذي صدر في عهده مجلة الأحكام العدلية. إن هذه الأحكام و القواعد الحقوقية نظمت العلاقات بين الناس و العائلة لكنها لم ترس نظام حقوق الانسان المدنية الأساسية.
التيار الثالث: تيار القانون المدني المكتوب: إن الحقوق السابقة الذكر تنبثق عن مبدأ أساسي يتفق عليه المفكرون و كافة التيارات الدينية على اختلاف اتجاهاتهم و قناعاتهم ألا و هو أن الانسان كائن حي. و هذه الحياة و ديمومتها تتطلب توافر عناصر تؤمن للانسان الاستمرار بأمان. و لكن هذا الانسان بما ميزه الله و فضله عن سائر المخلوقات هو كائن اجتماعي. فبما أن الانسان يفكر فهو موجود كما يقول الفيلسوف ديكارت، و أكده من بعده الفيلسوف كانت. و بفعل تفكيره العقلاني فهو يبحث عن الحق و العدالة الشخصية و يتوق إلى التوفيق بين القيم التي نشأ عليها و حقوقه الانسانية الأساسية. و لكن معظمها ينبثق عن قاعدة أساسية و هي أنها مستوحاة من الإرادة الإلهية و القيم الدينية و الأخلاق و التي أملاها الشرع. بمعنى أنها فوقية، أي كما يسميها المشرع اليوم “من فعل الأمير” أو بتعبير إنكليزي أكثر ملاءمة act of God . فهي لا تنبع عن إرادة الانسان و تفكيره و تكييفه لحقه بما يلحق مجتمعه و عاداته و تقنياته و علومه من تطور. و نتذكر هنا ما جاء في القاعدة الشرعية التي تقول: “لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان و الأمكنة و العادات”.
أدى كل ذلك إلى تمخض فكر النهضة منذ القرن السادس عشر، و عمل رواده عن دفع الشعوب الراسخة تحت نير الظلم إلى الانتفاض و المطالبة بحرياتها العامة أولا، ثم، و مع ارتفاع مستوى التقدم الحضاري و ترقى الفرد و المجتمع، ثانيا، على ترسيخ مبادئ حماية حقوق الفرد و حريته الشخصية، و ذلك إنسجاما مع قول المفكر جان بياجي “أن الذكاء ينظم العالم عندما ينظم نفسه”[ Xavier Levieils, Réflexions sur le lien entre Philosophie et Conversion dans la Pensée Chrétienne, op. cit.]. “فحق الانسان هو حق طبيعي، مشتق من موجب متأصل في الطبيعة البشرية ، هو حق يسمو على الحقوق الأخرى الوضعية، هو حق الحقوق”[ سليم عبو، الثقافات و حقوق الانسان، دار الإضافة 1998، ص. 86].
و هكذا نشأ التيار الثالث أو دعاة القانون المدني (و يطلق عليه البعض القانون العلماني بمعنى أنه يستمد مصادره من مبادئ فلسفية إنسانية صرف بعيدا عن المؤسسات الدينية دون أن يتنكر لقيمها). إنه نتيجة العقد المدني الاجتماعي، إنه القانون المدني الذي، و إن كان يستقي مصادر قيمه الأساسية من المصدرين الأولين لعدم إختلاف القيم الأخلاقية عن التعاليم السماوية، إلا أنه يختلف عنهما في أنه ينطلق من فكر الانسان و إرادته و يضع حقوق الفرد قبل كل إعتبار و ينطلق منها. و يضع لها الإطار التنفيذي و الحمائي. فبنظر فلاسفة القانون المدني يقف الانسان أمام اعتبارين رئيسيين: الحق و الواجب (أي المسؤولية) و لا علاقة لطرف الهي أو خارجي فيهما. ففي الواقع ليس المقصود عدم تدخل الله جل جلاله في شؤون الناس، فالانسان مسؤول بإيمانه أمام الله. و لكن القصد هنا عدم تدخل من أنتدب نفسه ممثلا عنه للتدخل في كل شاردة و واردة من حياة المجتمع و الأفراد بشكل أدى إلى حصول تجاوزات حفلت بها صفحات كتب التاريخ. و هذا ما حدا بالمفكر الروسي باكونين و التي نقلها عنه الشاعر الفرنسي بريفير إلى إطلاق مقولته الشهيرة “أبانا الذي في السموات .. إبق عندك !!”. بمعنى كف يد من يستغل الإرادة الإلهية بحق ضعفاء النفوس.
و لكنه بالرغم من مغالاة بعض المفكرين في الاعتماد على العقل الانساني محاولين القفز عبر السلطة الدينية إلا أنهم لم يستطيعوا أن يشذوا عن المبادئ التي تجمع الانسانية حول قيم مشتركة. و هذا ما حدا بالمفكر كوستي بندلي إلى التأكيد على أن معظم المفكرين و العلماء و الفلاسفة لم يكونوا برافضين لله و قيم الديانات و أخلاقها و إنما لطريقة استعمالها و استغلالها[ كوستي بندلي، إله الالحاد المعاصر، منشورات النور].
و يقول دعاة التيار الثالث هذا أنه بقدر ما للإنسان من حقوق أساسية، أسياسية كانت أم فردية مدنية، فهو تترتب عليه موجبات و مسؤولية تجاه الفرد الآخر و المجتمع. ففي التيارين الأولين (الثيولوجي و الوضعي الديني) تكون مسؤولية الفرد تجاه ربه و حقوقه مستوحاة مما يمن الله على الانسان. أما في المصدر الثالث المدني فتكون مسؤوليته تجاه مجتمعه (فردا و جماعة) الذي يؤمن له حقوقه و يدافع عنه بموجبها. إنه العقد الاجتماعي. و قد تجلت فكرة حقوق الانسان و حريته في كتابات و أفكار أطلقها عدد كبير من المفكرين و الفلاسفة أمثال لوك و فولتير و جان جاك روسو و مونتيسكيو و توكفيل و سبينوزا و شوبينهاور و هوبز و قاسم أمين و مصطفى عرابي و أتباع مدرسة سيسرون المثالية و غيرهم. و كان قد سبقهم إلى ذلك كرامويل الذي أسس أول ملكية ديمقراطية برلمانية في انكلترا و إعلان الماغنيا كارتا. و تمخض عن الصراع الدموي و الفكري اللذين سادا في الغرب الإعلان الأمريكي لحقوق الإنسان لعام 1776 و الإعلان العالمي لحقوق الانسان الصادر عن الثوار الفرنسيين عام 1793. و كما أعلن المفكر الثوري المحامي سان جوست (Saint Just) حينها “لا تكتب الحرية لشعب بدون قوانين”[ Le Droit International, Archives de Philosophies du Droit, Tome 32, Sirey 1987
].
و تمثل عصر النهضة بانتقال الفكر من التأثير الأغريقي- المسيحي Greco-Chrétien إلى ما يطلق عليه اليوم بالفكر أو الحضارة اليهودية – المسيحية judéo-chrétienne السائدة في المجتمع الغربي بعد المصالحة التي سادت بين الكنيسة الكاثوليكية و الكنيسة البروستانتينية أو الإنجيلية خاصة بعد انتماء عدد كبير من العائلات اليهودية إلى الديانة المسيحية البروتيستانتية خوفا من الاضطهاد و لكونها أقرب الى مفهومها و ممارستها من الكنيسة الكاثوليكية. و قد تثبت هذا المفهوم الحضاري بانتقال الثقل المالي و نفوذه من إيطاليا (لومبارديا) إلى هولندا و من ثم إلى لندن و من ثم إلى الولايات المتحدة، حيث يسيطر على مراكز القرار المالي و الاقتصادي مواطنون معظمهم ينتمون إلى الطائفتين اليهودية و البروتستانتية. و من نتائج انتقال الثقل المالي و الفكري إلى المجتمع الأنكلو-سكسوني (لوثري بمعظمه) بزوغ فكر أحادي الجانب كما يسميه المفكر هربرت ماركوز[ Herbert Marcuse, L’Homme Unidimensionnel, les Editions de Minuit,,1968 (One-Dimensional Man, Beacon Press Boston 1964) ] لا ينظر إلى الأمور بشكل موضوعي شمولي و لا يسعى لحل النزاعات بالتفاهم. فهو يرى الوقائع من زاوية الخير و الباطل. و بما أنه يتوهم بأنه يحمل الخير فإن الشر يأتي من الآخر. فانتقل المجتمع الأمريكي من عدائه لإبن الأرض الأصيل (الهنود الحمر) إلى الشيوعيين الذين “سيسلبون أموال الأمريكيين” ثم إلى المسلمين الارهابيين الذين “يعادون الأمريكيين و يعتدون عليهم و على أرواحهم و أملاكهم و على حلفائهم” (اسرائيل) بعد إضمحلال الشيوعية. و لم تتجلى هذه القناعة في الاعلام الموجه فحسب، بل في الكتب و الأبحاث الجامعية أمثال كتاب صراع الحضارات للمفكر صموئيل هنتكنتون[ Samuel P. Huntington, The Clash of Civilisations, and the remaking of the World Order, 1996. ] و نهاية التاريخ لفوكوياما[ Francis Fukuyama, The End of History, The National Interest, 1989]. و لكنه تصدى لهذا التفكير اليميني المتطرف بعض المفكرين الذين رفضوا هذا التوجه الخاطئ و اعتبروا أنه هناك سوء فهم للعلاقة المسيحية الإسلامية و للأسباب التي تحدو ببعض المسلمين القلائل إلى إتخاذ مواقف متطرفة و اضطرارها إلى اللجوء إلى العنف في بعض الأحيان[ Richard W. Bulliet, Christian Islamic relation, Columbia University, 2006, Michael Moore, Dude, Where’s my Country?, Warner Books, 2003].
إنطلاقا مما سبق يمكن تقسيم القوانين الأساسية (بمعناها المبدئي الفلسفي) كمصدر من مصادر هذه الحقوق الانسانية الفردية إلى ثلاثة أقسام:
القوانين الطبيعية أولا: أي تلك التي تستمد سلطتها من منطق الحياة و بديهية الخلق. فهي قوانين الطبيعة و سنن الخالق الذي جعل الانسان و الحياة و النظلم الكوني يخضعون لنظام تلقائي بحكم القوى الطبيعية التي لا يقوى على مقارعتها و يعمل على التكيف معها بغريزته و حب البقاء و التطور و قد جاءت التعاليم و المحرمات الدينية و القيم الاخلاقية التي أمليت على الانسان لتكون نظاما قانونيا روحانيا معنويا ملزما بطبيعته و بايمان الانسان به. و هذا ما نادى به التيار الأول. إنها القوانين التي تخضع لمشيئة تعالى كما وردت في الكتب و التعاليم.
و القوانين الوضعية ثانيا: أي تلك التي انبثقت عن مجموعة من العادات و القيم المتفق عليها و التي تتشكل بفضل فطرة الانسان الخلقية و رغبته في النظام و الإنسجام الاجتماعي و لكنها بالرغم من أنها تستمد قيمها من المبادئ الدينية إلا أنها تضع قواعدها انطلاقا من تحليل منطقي و ذكاء أكيد و ايمان بالعدالة و توازن الكون الذي خلقه سبحانه و تعالى. و يرى دعاة التيار الثاني أن الإنسان إنطلاقا من إيمانه جدير بوضع قوانين منطقية مكتوبة و منسقة على غرار النظام الروماني تجعله المسؤول الأول عن نفسه و عما يفعله في الكون أمام المجتمع و الأفراد قبل أن يتحمل مسؤوليته أمام خالقه.
القوانين المدنية ثالثا: و لكن التطور الفكري و قيام حركات النهضة الفكرية كما سبق و أشرنا، بغض النظر عن اختلاف مصادرها التاريخية، قادت إلى تكريس حقوق إنسانية فردية أساسية في مجموعة من الشرع و الاتفاقيات الدولية نذكر من أهمها الاعلان العالمي بحقوق الانسان لعام 1948، الاتفاقية الأممية ضد جرائم الابادة العنصرية لعام 1948، الاتفاقية الدولية لعام 1966 ضد كل أشكال التمييز العنصري، الشرعة الدولية المتعلقة بالحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية لعام 1966، إتفاقية 1980 المتعلقة بإلغاء كل أشكال التمييز ضد المرأة، اتفاقية 1984 المتعلقة بمنع كافة أنواع التعذيب و المعاملة غير الانسانية، الاتفاقية الاوروبية لحقوق الانسان لعام 1950 و ملحقاتها، الإعلان الاسلامي لحقوق الإنسان الذي أعلن بتاريخ 19/9/1981 أمام الهيئة العامة للأونيسكو بمبادرة من تجمع مسلمي فرنسا. و قد أدخلت معظم هذه المبادئ في تشريعات الدول التي ما فتئت محاكمها تحكم بموجبها عندما يتعرض أي إنسان مقيم على أراضيها لأي اعتداء على شخصه و حقوقه الأساسية (صادق لبنان على البعض منها). و ما انفكت هذه الحقوق تتطور و تنمو مع تطور الزمن و احتياجات المواطن الفرد بوجه التطور التقني و العلمي و الاجتماعي و الاقتصادي و السياسي. و انبثق عن هذه المبادئ مجموعة من التشريعات العامة و الخاصة في عدد من الدول التي ترجمت شرعة حقوق الانسان العالمية و الأوروبية إلى قوانين وطنية، فحفظت للإنسان المواطن حقوقا أساسيا أطلق عليها القوانين المدنية. لهذا سندرس فيما ما هية هذه الحقوق و عناصرها.
خامسا: ماهية هذه الحقوق و عناصرها بالمفهوم العالمي:
يمكن تعريف هذه الحقوق بشكل بسيط “بأنها الحقوق الأصيلة في طبيعتها و التي بدونها لا نستطيع العيش كبشر”. و هي تتكون من عناصر مادية و معنوية ترافق الانسان منذ نشأته حتى بعد مماته. و عناصرها: مادية و معنوية.
أ) فالعناصر المادية هي: جسده و يترتب عليه الحق بصحة جيدة، الحق بالطبابة، الحق ببيئة سليمة، الحق بملجأ و مأوى، حق بالغذاء. و للحصول على ما سبق فله الحق بالحصول على عمل يؤمن له عائد مادي ضمن الاطار و النظام الاجتماعي و الاقتصادي الذي ينتمي إليه. و الفرد إنسان إجتماعي و له حق في مجتمعه السياسي و الاجتماعي و الاقتصادي بالأمن و الحماية. و حق الانسان على جسده تستتبع مجموعة من الحقوق الفرعية التي حددتها الشرعة الأوروبية لحقوق الانسان و هي:
– الحق في الحياة لكل إنسان و حماية جسده و منع التعرض له
– حق الجنين في بطن أمه في الحياة و منع الاجهاض دون سبب مشروع بعد مرور زمن معين على الحمل
– منع الاعتداء على جسد الانسان و بتر أي عضو من أعضائه لأي سبب من الأسباب
– منع التعامل و التجارة في الأعضاء البشرية (استثناء بيع أعضاء معينة لأسباب متعلقة بالأبحاث أو لأسباب قاهرة مسموحة في بلدان قليلة)
– منع حجز حرية أو اختطاف أي إنسان
– عدم الاعتداء على الحياة (موضوع الموت الرحيم قيد المناقشة)
– تحريم التعذيب الجسدي
– عدم التفرقة بسبب اللون أو المرض أو الشكل أو الجنس أو المصدر (تفرقة عنصرية)
– الحق بالطبابة و العناية الأساسية
– منع إجراء أي تدخل يتعلق بجسده دون موافقته
– منع إجراء تجارب جينية غير مرخصة
– منع التجارب اتي تؤذي الانسانية و أو الفرد و تشكل خطرا ماديا أو معنويا عليه
– احترام حرمة الجثمان و صورته و حق المتوفي بجنازة و دفن أصولي
– احترام حرمة القبور و منع التعدي على الجثامين
ب) أما العناصر المعنوية فهي كل ما من شأنه أن يتسبب بضرر شخصي أو إجتماعي للفرد بمعناه الواسع. و من العناصر المعنوية:
– الحق بالكرامة و منع التعدي عليها
– الحق بحماية صورته المادية (منع استعمال صورته الشخصية لأي سبب دون موافقته أكان ذلك في حياته أم بعد مماته، فلا يحق تصوير جثمانه)، و صورته المعنوية أي عدم المساس بسمعته، بسيرته في حياته و بعد مماته و عدم التشهير بها)
– الحق بالأسم و حمايته (الأسم و العائلة عندما يشكل ذلك عنصرا مهما من حياه الشخصية أو المهنية) يضاف إليه حماية الأسم المهني الذي يتخذه الفنانون و الأدباء و المهنيون، و الأسماء المستعارة لأسباب شخصية و أمنية.
– حرية المعتقد و حرية التعبير
– الحق بمأوى و بمنزل ملائم
– احترام حرمة المأوى و المنزل و العنوان و منع التعدي عليها أو إفشاء أسرار متعلقة بها
– الحرية الشخصية مقدسة و يمنع التعدي على الخصوصية (هاتف، مراسلات، انترنت و ما شابه ذلك، معلومات شخصية طبية أو دراسية أو خاصة أو مهنية لا تتعلق بالجمهور)
– حرية الزواج
– حماية حقوق الفكر و التأليف و الاستنباط
– حرية العمل (عدم جواز تحريم أي متعاقد من العمل مع رب عمل منافس بشكل يحد من حريته)
– حماية المعلومات الخاصة بالفرد التي توضع بتصرف مؤسسات رسمية أو ما شابه من سؤ استعمال بما فيه الحماية من المعلومات المتواجدة على الانترنت و في الوثائق المعلوماتية و حقه في مراجعتها و التدقيق فيها
– حماية حرية الفرد الشخصية (حق السمعة و الصورة و السيرة الذاتية الخ.) أمام حقوق الفكر و النشر و الحريات العامة التي تتمتع بها الصحافة عامة على أنواعها
يترتب على من يتعرض لأي من هذه الحقوق عقوبات لصالح المتضرر أو ورثته أو أصحاب الحقوق يحددها قانون كل بلد. و ينظر القاضي في طبيعة الفعل المرتكب و أهميته ليحكم بالعطل و الضرر الناتج عنه لصالح الشخص المتضرر.
سادسا: موقف القانون اللبناني و الحقوق التي يحميها؟
1) عرض واقع الحال:
إن لبنان يميل حتى تاريخه إلى التيار الأول من حيث أن عقيدته القانونية الأساسية تنبثق من الإيمان بسلطة الشريعة الإلهية و مرجعيتها. و ينتمي إلى التيار الفكري الثاني من حيث أنه ترجم القيم الإلهية إلى قواعد قانونية وضعية مكتوبة مستوحاة من القواعد الدينية تارة و من مبادئ مختلطة طورا (القانون الروماني الجرماني المكتوب). و نرى أن القانون اللبناني الذي يعود بأغلبه إلى عهد الانتداب الفرنسي (و هو متأثر به و كان خاضعا سابقا لأحكام مجلة الأحكام العدلية العثماني) مع بعض التعديلات على مدى السنوات لا يتضمن من حيث علاقة الإنسان الفرد بحقوقه الشخصية سوى قانونين أساسيين: قانون الأحوال الشخصية (بشقيه الاسلامي و غير المحمدي) و قانون الموجبات و العقود. و هاذان القانونان مجتمعين يشكلان القانون المدني اللبناني. و يغيب عن تشريعنا مواد أو مبادئ تلحظ حماية المواطن(ة) كما هو ملحوظ أعلاه في شرع حقوق الانسان و على الأخص في شرعة الحقوق الأوروبية و التي تبناها القانون الفرنسي (المواد 9 و 16 من القانون المدني) و توسع في شرحها الفقه و الاجتهادان الأوروبي و الفرنسي.
و لكن ذلك لا يعني أن في لبنان شريعة الغاب و أنه لا يوجد بعض القواعد الحمائية. من نافل القول أن الدستور اللبناني في مادته الأولى فقرة ج يحمي حرية المعتقد و الفكر و سائر الحريات السياسية. و تعرف المادة الأولى من قانون الموجبات و العقود الموجب بأنها “رابطة قانونية تجعل لشخص أو لعدة أشخاص حقيقيين أو معنويين صفة المديون بحق شخص أو عدة أشخاص يوصفون بالدائنين”. و ينتج عن ذلك حق للدائن بوجه المدين. و يستنتج من هذا التعريف أن القانون المدني اللبناني ينظر إلى الموضوع من زاوية الموجبات و ليس من زاوية الحقوق الشخصية. و من ناحيته فأن قانون العقوبات يعاقب التعدي على الأشخاص و منعهم من ممارسة حقوقهم (مادة 329) ، و التعدي على الحرية (مادة 367) و على حرمة المنازل (مادة 370 و 571) و على السرقة (مادة 635)، و على القدح و الذم (مادة 385 و 582)، و على التعدي على النساء و اغتصابهن (مادة 530 و ما يتبع) ، و على التعدي على الجسد و القتل (مادة 547 و ما يلي) ، و على الحرمان من الحرية (مادة 569) و على التعدي على الأموات و حرمة القبور (مادة 478 و ما يليها)، و على التعدي على حرية االقصار في الزواج (مادة 483)، و على إفشاء الأسرار (مادة 571) .
و المشرع اللبناني قد أصدر بعض القوانين المبعثرة التي تعنى ببعض الحقوق المدنية كقانون 220/2000 الخاص بحقوق ذوي الحاجات الخاصة (المعوقين). و قانون 659/2005 المتعلق بحماية المستهلك (مع الملاحظة أن المادة 17 من هذا القانون تستثني أصحاب المهن الحرة و المصارف و شركات التأمين – فمن يحمي إذن مم؟). و قانون 720/1998 الخاص بإنشاء هيئة تعنى بشؤون المرأة و حقوقها. و قانون 75/1999 المتعلق بحماية الملكية الأدبية و الفنية و قانون 240/2000 المتعلق ببراءات الاختراع. و هناك بعض المواد في قانون العمل التي تحظر تشغيل الأولاد و تلزم رب العمل بمراعاة النساء في ساعات العمل و تحرم التشغيل مدى الحياة. كما أن لبنان قد إنتسب إلى عدد من المعاهدات الدولية التي تعنى بشكل أو آخر ببعض الحقوق الأساسية كمعاهدة الأمم المتحدة لعام 1998المتعلقة بمنع الاتجار بالأشخاص و خاصة الأطفال و النساء، و معاهدة التمييز ضد المرأة عام 1996، و معاهدة الحماية المدنية عام 2004 و غيرها. ناهيك عن قانون 174 المتعلق بالحماية الصحية من آفات التدخين.
و لكنه لا يوجد قانون أساسي كما ذكرنا يتعلق بالنظام العام يحفظ الحقوق الشخصية الفردية و يجعل من كل عقد أو علاقة أو ممارسة تتعارض معه باطلة حكما لتناقضها مع مبدأ أساسي و هو حق الانسان و يعرض مرتكبها للملاحقة. و هي لا تتصف بالصفة الشمولية المدنية و لا تندرج ضمن صفة حق المواطن الأساسية الشخصية المدنية و ما يترتب عليها من آثار و تعويضات.
و يقول قائل ماذا يشكو القانون اللبناني إذن؟ قد يغفل عن بال العامة و غير المهنيين دقة الفرق و الطابع القسري و الفوقي للقوانين اللبنانية التي ترمي إلى معاقبة الفاعل عن فعلته و زجره. و هذا ينبع من تأثر القوانين اللبنانية بالتيارين الأول و الثاني اللذين يعملان بمبدأ العقوبات عن الأفعال المحرمة أي لا جرم بدون نص و لا عقوبة بدون جرم. و هو لا ينص على قواعد الحقوق الانسانية التي يحق للمواطن الاعتداد بها و الاعتماد عليها للمطالبة بحقه. فبموجب القوانين الحالية على المتضرر إن يتقدم بشكوى و أن يطلب تعويضا إذا تلازم فعل الجاني مع ضرر مباشر، و إلا فعليه التقدم بدعوى المسؤولية المدنية عن الضرر الذي يلحقه ضمن إطار المسؤولية المدنية و تلازمه مع الفعل. و هذا الموضوع يستلزم أمرين: أولا: ثقافة مواطنية تحمل المواطن على اختيار الطريق القانوني السليم لاستحصال حقوقه المباشرة خارج إطار العقوبات التي تقر بها النيابة العامة و الهيئات الاتهامية، و الثاني أن يكون الضرر معترفا به قانونا و اجتهادا خارج إطار الفعل الجزائي و عقوباته. لأنه يوجد أفعال تؤدي إلى اضرار جسيمة على الأقل ماديا و تستوجب تعويضا دون أن تكون خاضعة للعقوبات المباشرة. مثال ذلك المسؤولية الناجمة عن أخطاء الجسم الطبي و عن فعل الأشخاص المعنويين و عن أصحاب المهن الحرة بسبب الأهمال أو الخطأ. كما يندرج ضمن ذلك مسؤولية الدولة و موظقيها عن تجاوز حد السلطة و حجز الحرية و غيرها من الممارسات.
يقابل ذلك غياب نصوص متعلقة ببعض الحقوق. مثال ذلك الحق في صورة الانسان و سيرته الذاتية و تاريخه. و هنا و بكل اسف لا يوجد أي نص يحمي هذا الحق. فعلى صاحب الحق أن يوثق حقه بشكل كتاب أو وثيقة أو قرص موثق و يودعه بشكل محدد في القانون رقم 75 و المراسيم الملحقة به ليثبت حقه به. و أية مخالفة أو سوء إستعمال ترتب عليه إقامة دعوى مدنية أو تجارية حسب نوع العلاقة، أم جزائية (في حالة الاحتيال و إساءة الاستعمال). كما لا يوجد نص يحمي إسم الانسان و سمعته المهنية و حقه في الزواج مثلا.
من هنا الحاجة لأن تكون الحقوق الأساسية للمواطن مدرجة في قانون صريح يحمي حقوقه، فيكون اللجوء إلى القضاء من السهولة بمكان لتحديد الفاعل و الضرر و المسؤولية و النتائج المترتبة عليه .
2) دور الفقه و الاجتهاد اللبنانيين:
في غياب نصوص صريحة قام الفقه و الاجتهاد اللبنانيان، مستوحيين من المبادئ الدينية و الانسانية البديهية و مستلهمين من الاجتهاد الفرنسي، باستنباط عدد من الحقوق الأساسية فدخلت بدورها في معجم قواعد الحق اللبناني. فبالإضافة إلى الضرر المادي الذي ينتج عن الفعل المباشر ضمن إطار نظرية المسؤولية أكانت تعاقدية أو ناجمة عن الخطأ أو الإهمال و القصد، فقد صدرت مجموعة من الآراء و الاجتهادات التي أقرت بالضرر المعنوي لصالح الفرد نتيجة لخطأ يرتكبه احد بحقه. مثال ذلك الأخطاء المهنية. فما هي الحقوق التي أقر بها الفقه و الاجتهاد اللبنانيان و ما هي مصادره القانونية؟
لقد أثيرت قضايا تتعلق بالخطأ الطبي و مسؤوليته الطبيب عن خطئه. و هناك شبة إجماع في الاجتهاد على أن مسؤولية الطبيب هي تقصيرية أو تعاقدية و هي نابعة عن موجب وسيلة و بذل عناية و ليس عن موجب نتيجة. و قد صدر في لبنان قانون الآداب الطبية عام 1994 و المتضمن تنظيما لمهنة الطب في لبنان و الذي يأتي تكريسا لمبادئ قسم سقراط. يقابله قوانين تنظيم المهنة و الأنظمة الداخلية لعدد من النقابات كنقابة المحامين مثلا و التي تفرض على المهنيين شروطا مسلكية و آدابا في علاقاتهم مع زبائنهم و فيما بينهم و في ممارستهم لمهنهم. و لدى تحليلنا لهذه الأنظمة و الشروط المسلكية التي تنص عليه، و بالرغم من تناقضها مع نص المادة 17 من قانون حماية المستهلك المشار إليها أعلاه، فإننا نستنتج أنها تستند إلى الناحية القانونية التعاقدية من جهة و تعتمد مبدأ المسؤولية التقصيرية أو الخطأ و بالنظر لآداب و نظام المهنة بالنسبة لحق الزبون المتضرر في المطالبة بالمحاسبة و بتعويضه. بينما تنطلق الحقوق المدنية الأساسية التي نحن بصددها من مبدأ أساسي و هو حق المرء المطلق كإنسان و كمستهلك و كمواطن بالخدمة و بالعناية و بحقه على جسده و حمايته.
و استلهم الاجتهاد اللبناني من الاجتهاد الفرنسي و من المبادئ الانسانية و القيم الدينية و الأخلاقية بعض الأسس و القواعد التي اعتمدها ليكرس في حالات معينة بعض الحقوق الفردية الشخصية الأساسية و ذلك انطلاقا من نص المادتين 134 و 263 من قانون الموجبات و العقود اللتين اعتبرتا أنه يمكن أن يعتد بالضرر المعنوي كما يعتد بالضرر المادي. و رأى بعض الفقهاء أن هذا الشرط الوارد في مجال المسؤولية العقدية يسري أيضا في المسؤولية التقصيرية لأن النصوص القانونية تكمل بعضها[ د. مصطفى عوجي- القانون المدني-ج 2، ص. 168]. و قد عرف الضرر المعنوي بأنه “الأذى الذي يلحق بغير ماديات الانسان فيمس بمشاعره او باحساسه او بعاطفته او بنفسه او بمكانته العائلية او المهنية او الاجتماعية محدثا لديه الألم النفسي او الشعور بالانتقاص من قدره”(م. عوجي مصدر نفسه). و مرة أخرى نلاحظ أن هذا الضرر المعنوي لا ينتج عن مساس بحقوق أساسية بل في معرض مسؤولية تعاقدية أو تقصيرية. فما هي الحقوق التي كرسها الاجتهاد بطريقة غير مباشرة في معرض تناوله للأذى و الضرر المعنوي؟
– حق الانسان على جسده و صورته: إن إصابة آنسة عزباء و فنانة بجروح في جسدها و وجهها ينتج عنه تعطيل و تشويه دائم يؤثر في تعاطيها مهنتها الفنية الغنائية يعطيها الحق بالتعويض عن الضرر المادي و المعنوي الذي لحق بها[ المحكمة الادارية الخاصة، 6/4/1970، ن ق 1970 ص 410 ] .
– حق الولد بحقه بالكرامة و المساواة: يحق للإبنة غير الشرعية ، ثمرة معاشرة خارج الزواج، أن تطالب والدها بالتعويض عن الضرر الذي لحق بها بتسببه بوجودها بشكل منتقص الحقوق كإبنة غير شرعية ذات مكانة إجتماعية منتقصة في هذه الدنيا. مما ألحق فيها ألما نفسيا رافقها مدى حياتها[ تمييز مدنية 14/4/1067، ن ق 1967 ص 835].
– كما يحق للأب أن يقاضي إبنته و عشيقها عن العار الذي ألحقته به بسبب استسلامها للغير في سن يقرب من سن الانعتاق من الولاية[ محكمة ابتدائية البقاع 21/7/1948، ن ق 1949 ص 554 ].
– الحق بالسمعة و الاسم التجاري: حكمت إحدى المحاكم على أحد المصارف بالتعويض لأحد عملائه بالتعويض المعنوي بسبب تأخره في فتح اعتماد و تحويل مبالغ إلى أحد المصارف الأجنبية في الوقت الذي كان الزبون قد سحب شيكات على المصرف الاجنبي لاعتقاده بوصول الاعتماد و الحوالة، فتعرض لرد الشيكات بدون رصيد و تزعزعت ثقة عملائه و زبائته في الخارج به مما تسبب له بأذى معنوى و تعرضت سمعته للضرر[ تمييز مدني 26/6/1956، ن ق 1956 ص 639].
– الحق في الأمان و الراحة النفسية: إن إصابة الانسان بألم نفسي و بحزن عميق أثر عليه معنويا من جراء تعرض شخص قريب أو لتشويه أو لحرمانه من محبته و عطفه و مساندته المادية و المعنوية يرتب على الفاعل الخاطئ أو المقصر تعويضا لصالحه[ تمييز مدني 18/6/1963. ن ق 1963 ص 1168].
– حق التمتع في الحياة: حكم الاجتهاد في أكثر من مناسبة و أرفق إلى جانب التعويض عن الضرر الجسدي التعويض عن الضرر المعنوي الناتج عن الحرمان من متع الحياة. مثل الرياضي الذي يحرم من ممارسة هوايته أو حرفته. و لم يقتصر الحرمان على الأممور و الاعاقات أو الأضرار الجسدية بل تعداها ليطال الأضرار الذهنية و الفكرية و النفسية[ د. مصطفى عوجي، المرجع نفسه، ص. 181 . و عاطف النقيب، النظرية العامة الناشئة عن الفعل الشخصي. 1983، ص 321].
– حق الوالدين بالتعويض عن الضرر المعنوي الناتج عن مشاهدة الضرر الجسدي الذي لحق بإبنهما و حقهما بتعويض عن الحزن والأسى الشديدين و الغصة التي تتكرر يوميا بمشاهدة تشوه إبنهما و عجزه عن القيام بأود نفسه. و هو حق مستقل عن الحق بالتعويض عن الضرر المادي و المعنوي المترتب لصالح الولد المصاب[ استئناف جبل لبنان رقم 533 تاريخ 4/7/1960، مصنف شمس الدين، 1960، المستشار].
– حق الأقرباء الشرعيين المطالبة بالتعويض المعنوي عما لحقهم من الحزن و الأسى بسبب إصابة قريب بحادث من شأنه تشويه جسمه بشكل يستدعي العاطفة
– حق زوج المرأة التي جرحت و تشوه وجهها على إثر حادث بتعويض عن الضرر المعنوي الذي لحق به بمعزل عن التعويض الذي يستحق للمرأة[ محكمة الجنايات تاريخ 5/1/1951 المحامي 12/1951 ]
– تكريس حق الأقارب و ذوي المصاب بتعويض معنوي عن الأضرار المعنوية المتسببة عن الآلام التي يعانيها أقارب المصاب أكان الحادث قد أدى إلى وفاة المصاب أم لا[ استئناف جبل لبنان رقم 221 تاريخ 25 حزيران 1962، مصنف شمس الدين، 1962، و أيضا ن ق 1962 ص 461].
– حق الانسان على جسمه و عورته: كل فعل يقع على عورات الغير و من شأنه أن يخدش عاطفة الحياء ، و أن الأفعال التي تقع على أجزاء الجسم من دون أن يكون لها طابع الفحش و من دون ملامسة عورات الغير تعتبر من الأفعال الفاضحة أو المنافية للحياء.
و بمقتضى المادة 134 موجبات و عقود يعتد بالضرر الأدبي كما يعتد بالضرر المعنوي و المادي. فللقاضي أن ينظر بعين الاعتبار إلى شأن المحبة إذا كان هناك ما يبررها من صلة القربى الشرعية أو صلة الرحم. و يحق للأقارب و ذوي القربى و للورثة و لسواهم من ذوي القربى الشرعية أو من ذوي صلة الرحم أن يطالبوا بالأضرار المادية و المعنوية التي نالتهم بسبب موت مورثهم بخطأ الغير. و لأشقاء المتوفي أن يطالبوا بمثل هذه الأضرار حتى و لم يكونوا من الورثة لأن الحق الذي يدعون به على هذه الصورة ليس منتقلا عن الميت بل هو شخصي متعلق بهم ناشيء عن صلة المحبة و القربى[ محكمة الاستئناف، قرار 751، تاريخ 31/5/1949 ، مصنف شمس الدين 1949 ، المستشار].
3) من يحق له حاليا إقامة الدعوى للمطالبة بالعطل و الضرر:
– المتضرر : أي الشخص الذي أصابه عطل أو ضرر من شأنه ترتب تعويض لصالحه. و يمكن إقامة هذه الدعوى أمام القاضي المدني او الجزائي (حسب نوع التعدي و ما إذا كان الضرر ناتج عن فعل جرمي من نوع الجناية أو الجنحة)
– الأشخاص الذين ينعكس الضرر عليهم بسبب تعطل المتضرر: فإذا حصل اعتداء على شخص و أدى إلى تعطيله عن العمل حق لمن يعيلهم من أفراد العائلة أن يقيموا الدعوى المدنية طالبين التعويض عما طالهم من ضرر مادي.
– الأقرباء الذين اصابهم ألم و ضرر معنوي بسبب الإعاقة أو التشوه أو التعطيل الذي أصاب قريبهم.
– في حال تنازل المتضرر عن الدعوى الجزائية لصالح طرف آخر، و في حال قيام شركة تأمين بدفع التعويض المادي للمتضرر لا يحق لهؤلاء الحلول الشخصي مكانه و القيام بالادعاء الجزائي مكانه. لأن الحلول الشخصي جائز فقط أمام القضاء المدني[ محكمة استئناف جنح في جبل لبنان رقم 103 تاريخ 6/3/1996 – المصنف في القضايا الجزائية 1996، و محكمة التمييز السابعة، رقم 96 تاريخ 27/6/1996، المصنف في القضايا الجزائية 1996].
– دائنو المتضرر: و هنا يجب التمييز بين حالتين: إذا كان الضرر يقع على أملاك المتضرر فيحق للدائن بصفته صاحب مصلحة عملا بأحكام المادة 268 معطوفة على المادة 276 موجبات إقامة الدعوى حفاظا على العين و الدين و أو تحصيلا لدينه. و إذا كانت تتناول حقا ماديا فيحق للدائن أيضا إقامة الدعوى لأن المال شيئ ملموس. أما إذا كان الضرر معنويا و أدبيا و يتعلق بالمساس بإسم و شرف و سمعة المدين إنحصرت المطالبة بالأخير فقط و هذا ما نصت عليه المادة 276 إذ جاء فيها ” ما خلا الحقوق و الدعاوى المتعلقة بشخصه دون سواه”.
– الورثة: من المعلوم أن الموجبات تنتقل بالوفاة (279 موجبات)، فإذا توفي المتضرر من الجرم انتقلت حقوقه أي الموجبات التي نشأت في ذمة من أوقع الضرر بحقه إلى ورثته. و المشكلة أن الذمة المالية التي يتحدث عنها القانون هي تلك القائمة عند حدوت الوفاة و ليس تلك التي تحدث بسبب إقامة الدعوى لدى الوفاة أو بعدها لأن المتوفي منئذ إقامة الدعوى ليس له ذمة مالية و لا تنشأ له حقوق منذ وفاته (268 موجبات). و لكن يبقى للورثة أن يطالبوا بما يترتب لهم من تعويضات مالية و معنوية ناتجة عن الفعل الذي أدى إلى الوفاة بعد أن يثبتوا أن ضررا لحق بهم من جراء الحادث أو الفعل و الوفاة. و إذا تعرض أحدهم للمتوفي بالتشهير و القدح و الذم فيحق للأقرباء حتى الدرجة الرابعة إتخاذ صفة الادعاء الشخصي بحق الفاعل.
4) بوجه من تقام الدعوى حاليا؟
– عملا بأحكام المادة 212 عقوبات فإن الدعوى تقام بوجه فاعل الجريمة و شركائه و المتدخلين فيها و المحرضين عليه
– أما في الدعوى المدنية التي ترمي إلى المطالبة بالتعويض فإنها تقام بوجه الفاعل و الشريك و المتدخل و المحرض بالاضافة إلى المسؤول بالمال و الوريث و الضامن و الهيئات المعنوية.
– و يحق مقاضاة الشخص المعنوي عن الضرر الذي يتسبب به عملا بأحكام المادة 122 موجبات و عقود معطوفة على المادة 210 عقوبات بحيث أن الشركة (أي الشخص لمعنوي) يكون مسؤولا عن الضرر المادي الذي تسبب به العاملون فيها الذين يعملون باسمها و لمصلحتها (مديرا أو عضوا في إدارتها أو ممثلا لها أو عاملا فيها) اثناء ممارسة عملهم فيها و لها و بوسائلها. كما أن الشخص المعنوي يمكن أن يمثل مدنيا بصفته مدعيا[ عاطف النقيب، المرجع ذاته ص. 162 و ما يليها ].
5) استنتاج عام
لا بد من توجيه تحية إكبار و تقدير للإجتهاد اللبناني الراقي الذي في معرض تحليله و قضائه في قضايا المسؤولية الناجمة عن تطبيق المواد 122 و 123 و 134 من قانون الموجبات و في مواد أخرى متعلقة بقانون العقوبات عرضنا لها آنفا، ارتقى في تقديره لواقع الأمور و أنشأ بطريقة مباشرة و غير مباشرة حقوقا شخصية كنا نتمنى أن تترجم عمليا بواسطة المشرع و أن تدخل في صلب التشريعات اللبنانية.
و لكن هذه القرارات القضائية مشوبة بعيوب جوهرية شكلية و موضوعية متصلة بجوهر الموضوع الذي نحن بصدده و ليس بجوهر و أساس القرارات الصادرة بحد ذاتها. فبعض هذه الحقوق أشير إليها في معرض النطق بها بطريقة غير مباشرة من زاوية التعويض عن الضرر الناجم عن المساس ببعض منها. ففي الحالات المعروضة أمام الاجتهاد اللبناني قام القضاء بعمل علاجي بتعويض المتضرر عن أفعال جرمية أو مدنية تسبب بها اشخاص بحق المتضرر. بينما نحن بصدد البحث عن حل وقائي أي وجود حقوق اساسية تمنع حدوث الضرر لعلم المواطن بأحقية هذه الحقوق، أولا، و لإمكانية قيام المواطن و من بعده أصحاب الحقوق الناشئة عنه، بالتدابير القانونية و القضائية للحؤول دون وقوع الضرر و لمنع التعدي ، ثانيا. و كنا نتمنى أن ينطق الاجتهاد و يسمي هذه الحقوق على كونها حقوقا إنسانية اساسية و لكنه لم يفعل ذلك. و نقر بأن دور القضاء تطبيق القوانين و الاجتهاد حيث يلزم و ليس التشريع.
و بالاضافة إلى النقص في إدراج عدد من الحقوق المدنية في القوانين الوطنية كما لاحظنا، فمن حيث المبدأ، إن الفرق بين ادراج هذه الحقوق في قانون مدني يشكل أحدى قواعد النظام العام لكونها تشكل قواعد حمائية للفرد و المواطن هو أننا في النظام القانوني المعتمد حاليا يترتب التعويض عن وقوع الضرر المادي أو المعنوي بعد وقوع الفعل أكان تعاقديا أم تقصيريا أم خطأ. و على المتضرر إقامة الدعوى و إثبات العلاقة السببية بين الفعل و الضرر و تقدير قيمته. و يكون الضرر قد حصل.
كما أنه في حال انتهاك حرمة السمعة أو السيرة الذاتية أو تاريخ المرء مثلا، على الأخير أن يثبت الواقعة بشكل تعاقدي أو جزائي و أن تكون هذه الوقائع مثبتة بشكل موثق. بينما في حال وجود حق الانسان في سمعته و سيرته فمجرد التعرض لها يعتبر انتهاكا يعرض فاعله للملاحقة و النشر للبطلان. بشكل مختصر إن وجود الحقوق هو وقائي استباقي، بينما الوضع الحالي هو علاجي.
هل يقدر المواطن ما يترتب على إدراج هذه المبادئ في قانون عام يحمي حقوق المواطن الأساسية؟ هل يدرك كيف ستتغير نظرة القوى الأمنية و القضائية و الإدارية إلى حقوقه و طريقة التعامل معه و حرمة منزله و خصوصياته و سرية حياته الشخصية و المعلومات المتعلقة به في الوقت الذي يعلن عن استباحة عدد من المعلومات برسم دول و منظمات و هيئات خارجية لم يكن للمواطن فيها أي رأي أو تعبير و تعرض سلامته و أمنه إلى استفهام؟
سابعا: كيفية تطبيق هذه الحقوق
- قبل حصول الضرر: يمكن للمواطن الذي يعلم بوجود حالة تعد على أحد حقوقه التقدم بدعوى أمام قاضي الأمور المستعجلة طالبا: منع حصول الفعل أو منع النشر أو إبطال العقد أو رد الشيء المباع الخ..
- الادعاء على الدولة بالعطل و الضرر بسبب الإهمال و بالعطل و الضرر الذي سببه الإهمال و طلب رد الضرر
- إتخاذ صفة الادعاء الشخصي ضد الموظف بسبب التقصير أو الخطأ
- بعد حصول الضرر: المطالبة بالعطل و الضرر المادي و المعنوي حسب الحالة
- الادعاء جزائيا في حال وقوع اعتداء جسدي أو معنوي و أو إتيان فعل يعاقب عليه جزائيا
ثامنا: من يستفيد من هذه الحقوق و من يحق له الادعاء بها؟
- صاحب الحق الذي قام أحد بالتعرض له أو مس به أو حال دون الاستفادة منه فيجبره على احترامه أو يمنعه من التعدي عليه، أو تسبب له بأذى مادي أو معنوي فيطالبه بالعطل و الضرر
- الورثة طبعا و بعض الدائنين للضرر المادي و الحقوق المادية من بعد الوفاة،
- الأقارب و ذوو الرحم كما ينص عليه القانون اللبناني (كما لاحظنا آنفا) بالنسبة للضرر المعنوي بعد حادث أو بعد الوفاة
- أصحاب الضرر المباشر أو غير المباشر لذوي الصلة بصاحب الحق بالنسبة للضرر المعنوي أي كل من له صلة بصاحب الحق المتضرر أو المتوفي يثبت طبيعة الضرر المعنوي الذي أصابه، و هذا يشمل الخطيبة و الصديق(ة) القريب(ة) و الشركة أو المؤسسة التي يعمل بها صاحب الحق المصاب إذا أدى إلى إعاقته أو تشويهه أو وفاته أو حرمانه من ممارسة حياته الطبيعية مثلا.
و خلافا للواقع القانوني حاليا الذي يحصر الحق في المطالبة بالحق المعنوي بالأقارب لغاية الدرجة الرابعة فإننا لا نحدد هذا الحق و نترك تقديره للصلة الحقيقية التي تربط صاحب الحق المعنوي المتضرر بالمصاب. و يترك تقديره في كل حالة للقضاء.
تاسعا: نتائج قوننة هذه الحقوق:
إن إدخال هذه الحقوق في صلب التشريع الدستوري أو المدني أو الجزائي يترتب عليه نتائج و آثار مهمة على الأفراد و المجتمع. و هذه الآثار نفسية و سلوكية و ثقافية.
بالنسبة لأصحاب الحقوق أولا، إن شعور المواطن بوجود حق له يحميه يغير من نفسيته و سلوكه و يحول دون السماح لأي كان بتجاوز حقوقه الأساسية . في الوقت نفسه أن شعوره بوجود هذه الحقوق لصالحه ينتج عنها ترتب نفس الحقوق لصالح المواطن الأخر و يترتب على ذلك شعوره بضرورة احترام حقوق الأخرين بقدر ما يترتب عليهم احترام حقوقه. أي أنها تنتج حقوقا و واجبات لصالح مواطن و مسؤول و على كاهلهم. إنها العقد الاجتماعي و الثقافة الجماعية بضرور احترام حرية الغير و حقوقه و ما ينتج عليها من التزامات.
و ينسحب هذا الشعور الفردي على المجتمع و الادارة و السلطة ثانيا، حيث تنتقل هذه الثقافة إلى القيمين على إدارة شؤون الناس بحيث يصبحون حريصين على احترام حقوق المواطن و حمايتها بقدر حرصهم على احترام حقوقهم كمواطنين من جهة، و بحيث أنهم يخشون من عاقبة تجاوز حدود السلطة و التعسف في استعمالها لوجود العقاب و الملاحقة و الحماية التي يتمتع بها المواطن بوجود حقوقه الأساسية في الدستور و القانون من جهة أخرى.
إن شعور المواطن بوجود حقوق أساسية تحميه و إمكانية ممارسته لها تشعره بالكرامة و الحماية، من جهة ، و تحول هذه الحقوق دون كل من تخوله نفسه التطاول عليها أكان شخصا عاديا أو شخصا معنويا أو موظفا إداريا من إن يقوم بفعل من شأنه أن يعرضه للملاحقة العامة أو الفردية. و يضع المواطن اللبناني و العربي (في حال تبني دول عربية لهذه المبادئ الشمولية) في مرتبة إنسانية رفيعة، حضارية و راقية.
خلاصة:
هذا ما يحدو بنا إلى التفكير جديا في إعادة النظر في بعض التشريعات الحالية و دمج التشريعات المدنية و الأحوال الشخصية الدينية (مع المحافظة على خصوصياتها التي تميز قيم مجتمعنا) في قانون مشترك يضم في مقدمته القيم الأساسية للأنسان و حقوقه الانسانية الأساسية التي لا تختلف عليها الديانات و الحضارات. و يقضي ذلك تعديلا بسيطا للدستور و لقوانين أصول المحاكمات المدنية و الجزائية و الإدارية (نظام مجلس الشورى) بالإضافة إلى تعديل بعض القوانين المتعلقة بالبيئة و حماية المستهلك و قوانين التجارة و حماية الملكية الأدبية و الفكرية و الصناعية و قانون العقوبات وغيرها مما يتلاءم مع حماية هذه الحقوق.
من الملاحظ أن بعض هذه الحقوق يمكن أن تفصل عن بعضها بحيث يعتبر كل منها حقا لذاته، و بالمقابل فإن البعض الآخر منها يمكن دمجه ضمن عنوان مشترك على ألا يفقدها العنوان العام الغامض خصوصيتها و ميزاتها.
و في المطلق علمتنا التجارب أنه في الشرق العربي عامة و في لبنان خاصة، ليست العبرة في سن القوانين و إطلاق الحقوق و المبادئ بل في إرساء الثقافة الحقوقية و في التطبيق، و أني أرى أننا قبل كل شيء بحاجة إلى ثورة من أجل إسقاط الفساد و الفوضى و من أجل إرساء قواعد الحق و العدالة و الحرية و المساواة ثقافة و فعلا.
و مانيل المطالب بالتمني إنما تؤخذ الدنيا غلابا
و ” ما مات حق من ورائه مطالب”
في 15 أيلول 2011
فواز كبارة
محام بالاستئناف
أستاذ جامعي

