و سقط الرشيد شهيدا يذود عن وحدة الوطن و سلامة أبنائه و يتحدى مخططات الشرذمة و التقسيم لينضم إلى قافلة شهداء الوطن الذين سقطوا في هذه الحرب المقيتة على يد الغدر و الطائفية. قتلته أيد غاشمة رأت في مساعيه الحثيثة لرأب الصدع و لم الشمل و إعلان ميثاق صلح و تلاق بين اللبنانيين و في تحديه لآلة الحرب تهديدا لمآربها و تفشيلا لأهدافها في خدمة مخططات خارجية و تقسيم لبنان، فضغطت على جهاز التحكم فدوت المتفجرة في طائرته المحلقة في سماء لبنان لتضيئ شعلة الشهادة أفق لبنان الأزرق. أرادوا أن تنفجر الطائرة في الجو و أن تبتلعها أمواج البحر، و لكن أبى القدر إلا أن تغط الطائرة المنكوبة في رعين المجرمين ليظلل علم الوطن جثمان الشهيد و يرقد إلى جانب بطل الاستقلال عبد الحميد، في مدينة الوطنية و العروبة طرابليس، و ليبقى رفاقه الجرحى شهودا على هول الجريمة و فظاعتها و لتكون الطائرة بما تحمله من أدلة براهين تشير إلى مرتكبيها.
أغتيل رجل الأعمار الحقيقي، رجل إنماء الوطن بكل أطيافه و كل مناطقه. رجل بناء الدولة و نهضتها شعبا و مؤسساتا. سقط في الأول من حزيران 1987 رجل الدولة الذي اقترن توقيعه بصفته رئيسا للوزراء و أو وزيرا للمالية بعدد كبير من المشاريع الانمائية و الاجتماعية و المالية و التجارية و العقارية و الادارية و التربوية و غيرها. كيف لا و قد شهد لبنان في أيام حكمه مع الرئيس الراحل فؤاد شهاب و من بعده إنماء متوازنا شمل كافة المناطق اللبنانية من شماله إلى جنوبه مرورا بكسروان و البقاع و الشوف فجهز عدد وفير من المناطق النائية و المحرومة بالكهرباء و مياه الشفة و الهاتف و المدارس مثلا، و شهدت البلاد نهضة اقتصادية و عمرانية و مالية مشهودة. و شكلت هيكلية الدولة الحديثة بإنشاء المصرف المركزي و هيآت التفتيش و مجلس الخدمة المدني و مجلس البحوث العلمية و التنظيم المدني و الضمان الاجتماعي و مؤسسة الكهرباء ، كما صدرت قوانين المحاسبة العمومية و الرقابة و النقد و التسليف و الحماية الصناعية و التنظيم الاداري و الملكية المشتركة و التنظيم القضائي و المالي ناهيك عن تنفيذ عدد كبير من المشاريع الانمائية في مختلف المناطق من لبنان و الشمال أخص منها في طرابلس مشاريع الملعب البلدي و المحجر الصحي و معرض طرابلس الدولي و تقويم مجرى نهر ابو علي و كورنيشه و إنشاء شبكات من الطرق و البولفارات و غيرها بالتعاون مع نواب طرابلس بالاضافة إلى اوتوستراد الشمال و جامعة المنار.
و عند استذكار الرئيس الشهيد رشيد كرامي تستحضرنا ذكرى ذاك الرجل اللبناني الوطني و العربي الصميم الذي تبوأ مكانة مرموقة بين كبار العظماء من ملوك و رؤساء الدول العربية و دول عدم الانحياز و رجالات العالم، و الذي كان يمثل لبنان في المحافل العربية و الدولية أكبر تمثيل. و لن ننسى مواقفه و دفاعه المستميت عن مصالح لبنان و القضايا العربية في مختلف المناسبات و خاصة أثناء حرب حزيران 67 و ما تبعها من تطورات في المنطقة. و لن ننسى تفانيه في سبيل وقف الحرب الأهلية و لم الشمل و جمع الأضداد و تخفيف المعانات عن كاهل هذا الشعب الذي جنحت به عاصفة حرب طائفية غريزية لا أخلاقية بغيضة تخدم غايات فردية و أنانيات ذاتية و مصالح أجنبية. ناهيك أنه لا يمكن لكل من تعرف على الشهيد المغفور له و عاصره أن ينسى ثقافته و طرافته في مجالسه الخاصة و في المجلس النيابي و خطابته و سعة صدره و برودة أعصابه و إنسانيته تجاه كل كبير و صغير.
كم نشعر اليوم بكم من الفراغ لغياب رجالات دولة أمثال المغفور له رشيد كرامي لبنان بحاجة إلى وطنيتهم و حكمتهم و توازنهم و إخلاصهم لحمايته و لتوجيه دفة الحكم في هذه الأجواء المتلبدة. رحم الله شهيد لبنان الأول المغفور له رشيد كرامي رجل الدولة و الاعمار و البناء و الانسان و المؤسسات و لنتذكر ما قاله أحدهم: “لا عدالة لأمة يظلم شهداؤها”.
فواز سالم كبارة

