اللجوء إلى العدالة حق من
حقوق الإنسان
نبيل الفاضل رعد
محام، دكتور دولة في الحقوق
من جامعة بانتيون- أساس (باريس2)
إلا أن هذه المفارقة سرعان ما تتبدد حين نتذكر أن الشيء يتغذى دوماً من ضده : كما الشر هو حاضن للخير.
هكذا وبقدر ما هو عليه الواقع السياسي في لبنان من انفلاش، بحيث يغدو القانون معه مجرد وسيلـة لتحويل السلطة إلى قنوات المصالح الخاصة والشخصية التابعة لفئة قدر لها ممارستها، بقدر ما هو الحديث عن الحقـوق الأساسية للإنسان مهم وضروري. وأحد هـذه الحقوق تتمثل حتماً في حق لجـؤ كل مواطن لبناني إلى العدالة.
2- غير أن هذا الحق الأساسي [ V.J.-P. Costa, Principes fondamentaux pricipes généraux principes à valeurs constitutionnelles in Conseil constitutionnel et Conseil d’Etat, LG.D.J., 1988, p. 133 s.; J. Rivero, Les principes fondamentaux reconnus par les lois de la République; une nouvelle catégorie constitutionnelle,D., 1972, chron. 265 s.] الذي يرتقي بالطبع إلى درجة الحرية[ Selon H. Motulsky L’accès aux tribunaux… est une liberté générale… le recours à la justice est une garantie essentielle de l’homme vivant en socité. V.H. Motulsky, Le droit tome IV, 1964, pp. 223 et 227; sur la distinction entre droits subjectifs et liberté publiques, v. F. Terré, Introduction générale au droit Précis Dalloz, Paris, 1994, n. 256, p. 232.] يبقى في إطار النظريات إذا لم يلق ترجمته العمليـة في القانون الوضعي اللبناني، الذي وان فعل، فعن طريـق تكريسه كحق ذاتي[ J. Dabin, Le droit subjectif in Archives de philosophie de droit tome 34, 1989; N. El Fadel- Raad, L’abus de la personnalité morale en droit privé, Préface de F. Terré, t. 214, LGDJ, Paris, 1991, n. 109 s.]. هذا ما هو حاصل على الأقل في قانون أصول المحاكمات المدنية حيث نصت المادة السابعة بفقرتها الثالثة على” حق الادعاء وحــق الدفاع لكل شخـص طبيعي أو معنوي لبناني أو أجنبي.”
وإذا كان على المرء أن يتحسر لواقع متمثل باستعمال القانون في غالب الأحيان من قبل الأشخاص الذين يتمتعون بالقـوة سواء أكانت سياسية، مالية أو اقتصاديـة، فلا بد من التأكيد، وبالرغم من هذا الواقع، على أن القانون دون سواه من شأنـه أيضاً حماية المستضعفين والمحرومين في هذا البلد، شرط منحهم المساعدة لتمكينهم من تحمل الأعباء المادية لممارسة ما هو حق لهم. بعبارات أعم، إن مبدأ المساواة بين المواطنين أمام القانون، المنصوص عنه في المادة السابعة من الدستور اللبناني[ Sur le principe constitutionnel d’égalité devant la justice, v.J.Vincent, S. Guinchard Procédure civile, Précis Dalloz, 1994, n. 147, p. 131.]، لا قيمة له دون مساعدة من لا
يطيقون أعباء ممارسـة أحكامه .هذا ما يحملنا إلى التطرق لمسألة المعونة القضائية .إلا أن هذه المعونة وإن توفرت، فاللجوء إلى العدالة يبقى مجرد من أية فعالية إذا لم يتأمن له ومعه ضمانات متصلة هي الأخرى بحقوق أساسية واجبة الاحترام، والمقصود هنا حقوق الدفاع.
3- في موطن حقوق الإنسان، في فرنسا، سعت السلطات هنـاك، ووفق مبادئ الثورة الفرنسية التي على أساسها قامت الجمهورية إلى تطوير مفهوم المساعدة القضائية مع ما يستتبع ذلك من توسيع حتمي لميدان تطبيقها. هكذا ومنذ عام 1851 خضعت هـذه الأخيـرة إلى تعديلات عديدة. فقانون 1972 وهو التعديل الأهم، ولكنه ليس الأخير، أرسى هذه المؤسسة على فكرة التضامن الاجتماعي .للتدليل على ذلك حلّت المعونة القضائية بدلاً من المساعدة القضائية، هذه التسمية التي جلبت الانتقاد لجهة انطوائها على فكرة الصدقة .
على صعيد آخر، كرس القانون عينه اللجوء إلى العدالة كحق ذاتي، فمنح المعونة القضائية الشاملة للمحرومين والجزئيـة لذوي الدخل المحدود.
إلا أنه وبعد مرور عشرون سنة على العمل بقانون 1972، صدر قانون 1992الذي قام بدوره بتعديل نوعي لميدان تطبيق المعونة القضائية بحيث باتت المعونة تشمل حق اللجوء إلى القانون ( accès au droit ) وذلك خارج إطار أي نزاع قضائي مما جعل التسمية القديمة غير ملائمة مع محتواهـا الجديد. من هنا حلّت المعونــة الحقوقية (aide juridique ) مكان المعونة القضائية.
كما أنشأ القانون المذكور أيضاً هيكلية رسميـة للمعونة الحقوقية، تمثلت على السـواء بمجالس على مستوى المقاطعات،ومجلس وطني، وظيفتها متابعة حسن سير المؤسسة[ sur l’ensemble de cette question, v. J. Vincent, S.Guinchard, Procédure civile, op. cit., n. 1605 s.].
4- أما في لبنان فالواقع يختلف عما هو معمـول به في موطن حقوق الإنسان .هذا لا يعني بالطبع أننا نعيش في بلد يتجاهل كلياً أمر تسهيل اللجوء إلى العدالة لمن هم عاجزين عن تحمل مصاريف المحاكمة .فمسألة المعونة القضائية مدرجة في قانون أصول المحاكمات المدنية وقد نصت عليها المـواد 425 حتى 441 ضمناً .إلا انه ومن الإطلاع على محتوى هذه المواد، سرعان ما يتبين للقارئ أن هناك ثمـة فوارق مهمة. أولها يكمن في أن المعونة القضائيـة لم ترتق بعد إلى درجة المؤسسـة، بدليل أنه لا يوجد لدينا جهاز مستقل ومتخصص للفصل في طلبات المعونـة بعكس ما هي عليه الحال في فرنسا[ Il s’agit des bureaux d’aide juridictionnelle qui ne sont pas des juridictions, sur cette question, v. Cass., 9 Juill., 1993, S., 1994, p. 137.
]، فأمر النظر بهكذا طلبات منوط عندنا مباشرة بالسلطات القضائية.
إضافة إلى ذلك، وهذا فارق آخر، فحق المعونة القضائية مرتبط بوجود نزاع قضائي . فالقانون اللبناني لم يكرس بعد حق اللجوء إلى القانون كحق ذاتي . هكذا، لا يستطيع اللبناني أن يستحصل على معونة من أجل الوقوف على مدى حقوقه، وكذلك الأمر بالنسبة إلى تلقيه المساعدة عندما يكون طرفاً في محاكمة أمام هيئات غير قضائية.
الجدير بالتنويه أيضاً، في هذا الإطار، أن الأحكام والقرارات التي تصدر عن المحاكم اللبنانية بخصوص طلبات المعونة لا تقبـل، بحكم النص[ Art. 432 NCPCL]، الطعن وهذا بالتأكيد يشكل مساً بحق الطعن الذي هو حقاً من حقوق الدفاع.
لكن الفارق الأبرز هو عدم وجود في أحكام المعونة القضائية نص يشير إلى شموليتها لكافة المحاكم القضائية .هـذا الواقع قد يحمل بعض المحاكم اللبنانية، لا سيما الجزائية منها، على التنصل من الإمكانية التي تملكها بالنظر بطلبات المعونة التـي يمكن أن تردها، معتبرة ، بدون وجه حق، أن سلطة منح هـذه الأخيرة إنما يعود حصراً للمحاكم المدنية. وما يساعدها، ظاهرياً على الأقل، على هذا الموقف،المطلوب بالطبع أدانته،افتقار للأصول المطبقة أمامها لأي نص يتعلق بالمعونة.
إن ما يمكن قوله هنا، انه يجب على المحاكم القضائيـة، بصفتها حامية للحريات، أن تسعى، ضمن إطار القوانين الحاليـة والمبادئ العامة، إلى تأمين ممارسة حق اللجوء إلى العدالة لفئة المحرومين في هذا البلد. هكذا، وعلى سبيل المثال، فالمحاكم الجزائية، وخلافاً لما قد تعتقده، أو يعتقده البعض لديها السلطة بمنح المعونة للمدعى الشخصي. بالفعل فإن أحكام هذه الأخيرة جائزة التطبيق لديه، لأن حق الحصول على المعونة هو حق يرتقي إلى درجة المبدأ العام الإجرائي[ V.J. Habsheid, Les principes fondamentaux du droir judiciaire privé, Rapp. Gén. Congrès inter. pr.civ., Kulwer, éd. 1978, p. 29.
] وذلك بحكم ارتباطه الوثيق على السواء مع المبدأ العام
المنصوص عنه في المادة 7 من قانـون أصول المحاكمات المدنية، المتعلق بحق الادعاء وحق الدفاع، ومع المبدأ الأساسي المكرس فـي المادة 7 من الدستور اللبناني، والمتمثل بمسـاواة المواطنين أمام القانون. هذا الحل يبدو أكثر ملاءمة في ضوء نص المادة 6 محاكمات مدنية.
5- إلا أن منحى اجتهاد المحاكم اللبنانية يتوسيع ميدان تطبيق أحكام المعونـة، إذا كان له التأثير بتخفيف بعض الشوائب المتعلقة بهذه الأحكام، ليس من شأنه، بالتأكيد، تصحيح نظام المعونة القضائية الذي يبقى، مبدئياً، وبحكم القانون، لزاماً عليها التقيد به[ Dans la mesure où le juge doit appiquer la loi cette obiligation est formulée par l’art. 369 NCPCL. Contra, v. Civ. 1re. 21 février 1988, D. 1988, 505, note Lindon.].
على السلطات اللبنانية، إذا، العمل على إدخال التعديلات المناسبة، في ضوء ما بيناه من فوارق، بهدف تطوير هذا النظام المعمول به في بلدنا، فيكون بالتالي على الدولة تحمل الأعباء المالية التي ستترتب حتماً عن أي تعديل مرتقب لكي يصبح اللجوء إلى القانون حقاً مضموناً وفعلياً[ Dans l’affaire Airey en sept. 1979, point 24, la Cour europénne des droits de l’homme a considéré que l’absence d’aide judiciaire ne permet pas de considérer que le droit au juge ait été reconnu effectivement à l’intéressé, 1989, p. 214 et s.]. فلعل” الهدر” من أجل العدالة يوقف الهدر بها وضدها.
لكن وجود نظام متطور يسهل اللجوء إلى العدالة[ Sur cette question v.Cohen Jonathan, Les conventions europénnes des droits de l’homme, 1989, p. 214, et s.] ليس كافياً وحده أن يجعل من هذا اللجوء ذات طابع فعلي. فهناك ضمانات أخرى، مستمدة من مبدأ عام قائم على احترام حقوق الدفاع، يجب أن تـلازم حق الادعاء وحـق الدفاع في كل محاكمة.
6- أن ضرورة مواجهة ما قد يصدر عن المحاكم الجزائية من أحكام مانعة للحرية وسالبة للمرء حتى حقه في الحياة[ Art. 2,1 de la convention européenne des droits de l’homme.]، كان الحافز الأكبر لمدبجي إعلان حقوق الإنسان في فرنسا للتمسك بمبدأ احترام حقوق الدفاع. وخير دليل على ذلك هو إعلان،1789 ولا سيّما مادته السابعة، على أن المادة 8 من الدستور اللبناني يمكن إدراجها في هذا الإطار. إلا أن المادة 6 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان[ La convention européenne des droits de l’homme et la justice française en 1992, Gaz. Pal ., 1991, I, doctr, 181 s.] شكلت نصاً أساسياً ومبدعاً في هذا المجال، نظراً، من جهة، لشمولها للنزاعات المدنية إلى جانب الجزائية منها، ولتكريسها لمبادئ عامة إجرائية من جهة أخرى[ V.F. Terré, Introduction générale au droit, op. cit., n. 176.] .فقد أصبح من الجائز إلى حد بعيد، في ضوء نص المادة المذكورة، تأييد فكرة وجود قانون مستقل يضم مجموعة القواعد العامة الإجرائية، ليكون هكذا بمثابة القانون العام للأصول المدنية والجزائية والإدارية[ V.G. Rouhette, L’ordre juridique processuel, Réflexions sur le droit du procès, Mélanges Raynaud, 1985, p. 687 s.: W Baranes, Marie Annes Frison- Roches, J. -H. Robert, Pour de droit processuel, S., 1993, chr. III.]. ومما لا شك فيه أن هذه المجموعة، التي تبرز في صلبها حقوق الدفاع ومعهم وعلى رأسهم طبعاً مبدأ الوجاهية، قائمـة على هدف رئيسي، وربما وحيد، إلا وهو تأمين محاكمة عادلـة ومنصفة لكل إنسان يلجأ إلى العدالة. فما هي تلك الحقوق التي تعتد بها محكمة التمييز الفرنسية منذ عام 1828؟
7- إن مبدأ الوجاهية، حتى وان شكل العامود الفقري لحقوق الدفاع، لا يمكن له أن يمتصهم جميعاً، فالى جانبه لا بد لنا من ذكر بعض المبادئ الأخرى؛ كحياد القاضي، حرية الدفاع، الحق في الإثبات، علانية المحاكمة، تعليل الأحكام وطرق الطعن. ويمكن هنا القول، إذا ما أردنا تحديد وظائف هذه المبادئ وبالتالي المفاضلة بينهم على أساس ذلك، أن الثلاث الأولى منها إنما تهدف بصورة مباشرة إلى تحقيق الإنصاف. أما الأخرى منها، فهي تشكل نوعاً من الضمانات المرتكزة على الرقابة لحسن إحقاق الحق[ V. En ce sens, G Wiederkehr, Droits de la défense et procèdure civile, D., 1978, ch. VIII.].
وفي هذا المجال يجب ألا يغيب عن ذهننا حق آخر هو أيضاً أساسي والمقصود هنا حق كل إنسان في أن يتم سماعه في خلال مهلة مقبولة[ Art. 5, 3 er 6, 1 de la convention européenne des droits de l’homme.]. ويبدو أن التمسك بهكذا حق هو أكثر إلحاحاً بوجه المحاكم الجزائية[ V. Anne d’hauteville note sous Cass. crim., 20 oct. 1993, S., 1994, p. 280 et s.].
8- وإذا كانت المبادئ، المحددة أعلاه منصوصاً عليها، بشكل أو بآخر في القوانين الإجرائية اللبنانية، فهذا لا يعني، بالطبع إن صورة واقع الحال ليست ببعيدة عما يجب أن تكون وفقاً لما هو مكتوب ومقرر من الناحية النظرية.
هكذا، فحق كل إنسان في أن يتم سماعه ضمن فترة معقولة يصطدم ، عندنا كما في بلدان أخرى, بعجز المحاكم عن إطفاء النزاعات العالقة أمامها، وهذا العجز يترجم عن طريق تأجيل جلسات المحاكمة بصورة منتظمة ولفترات طويلة. إن هذا من شأنه ليس فقط تقويض الحقوق المطالب بها بل أيضاً ثقة المواطنين بالقانون، وإن لم يكن بالدولة نفسها، مما يؤدي إلى اتساع رقعة اللاقانون (non-droit) [ Sur l’ensemble de cette question, v.J.Carbonnier, Flexible droit, 8 éd. L.G.D.J. Paris 1995.]. فعلى من يمسك بزمام السلطة العمل على تطوير سير المرفق العام للعدلة بحيث يستطيع استيعاب أعداد الدعاوى المتدفقة إلى أقلام المحاكم. ولكن، بالطبع، عليهم أيضاً أن يجعلوا منه، أولاً وقبل كل شيء، مرفقاً فاعلاً، وهذا لن يتم، على أسلم وجه، إلا بإخراج الجسم القضائي من بزار الحصحصة السياسية.
9- إن مبدأ حياد القاضي[ Il s’agit ici de la neutralité sociale, Sur la distinction entre la neutralité tehnique et la neutralité sociale, v. J. Vincent S. Guinchard. G, Montagnier, A. Varinad, La justice et ses institutions, 3 éd. Précis Dalloz 1991, n. 950.]، هو الآخر، يرتدي أهمية قصوى فبدونه يغدو مبدأ الوجاهية بدون موضوع. ما يجب أن يقال هنا أنه على كل قاض أن يعلم أن موضوعيته هي الضمانة الوحيدة للمتقاضين لأنه المؤتمن على ملكيتهم وحرياتهم في إطار النزاع المعروض عليه. طبعاً هناك ضمانات أخرى لمبدأ الحياد نصت عليها القوانين الإجرائية: كالطعن بالأعمال الصادرة عن المحاكم، أو رد المحكمة أو حتى تقديم طلب نقل الدعوى، إلا أنها تبدو ذو طابع وقائي.
من جهة أخرى، على المسؤولين إعطاء الضمانات الكافية للقضاة من أجل الحفاظ على استقلاليتهم بوجه أي ضغوط تمارس عليهم، وعلى رأسهم رئيس الجمهورية الذي له أن يتدخل بصفته حامي لدستور البلاد، في كل مرة تكون استقلالية القضاة المنصوص عليها في المادة 20 من الدستور معرضة للانتقاص.
10- غير أن ضمانة المتقاضين الأساسية، بمحاكمة عادلة ومتصفة، تكمن حتماً في احترام المحاكم لمبدأ الوجاهية.
فالاجتهاد الفرنسي كرسه كمبدأ أساسي[ Conseil d’Etat, 21 fév. 1968, Ordre des avocats près la cour d’appel de Paris et autres , Rec. Cons. D’Et., p. 123.]، وأيد الفقه بالإجماع هذا التوجه، وذهب البعض إلى اعتباره حقاً طبيعياً لا يمكن المساس به تحت أية حجة[ V. En ce sens, Cl. Parodi, L’esprit générale et les innovations du nouveau code de procédure civile, n. 46.]. هكذا يبدو أن معظم القواعد الإجرائية، إن لم نقل جميعها، صيغت بشكل أو بآخر أو يمكن من إبداء دفاعه.
وللدلالة على قيمة هذا المبدأ نذكر هنا أنه في المرحلة الأولى أبطل مجلس الشورى في فرنسا تعديلاً حكومياً لنص المادة 16 محاكمات مدنية[ Sur l’ensemble de cette question, v. A Bénabent, L’art. 16 du nouveau code de procédure civile, version 1981, D., 1982, chr. VIII.]، الذي كان قد أعفى القاضي من إلزام نفسه بمبدأ الوجاهية. هكذا، وعلى أثر الإبطال المذكور، إبداء ملاحظاتهم بشأنها، إلا أنه، وفي ظل صمت النص المذكور بالنسبة لطابع تلك الأسباب، السؤال بات مطروحاً فيما إذا كان النص الجديد يمتد ليشمل تلك المتعلقة بالانتظام العام. هذه المشكلة، في الحقيقة،
شكلت المرحلة الثانية حيث كرست محكمة التمييز، من جهتها، وبعد تردد الاجتهاد، شمولية هذا الحل كائناً ما كان طابع الأسباب القانونية[ Arrêts de la chambre mixte du 10 juill. 1981, Gaz. Pal., 13 oct. 1981, note J. Viatte, Rev. trim. dr.civ., 1981, 677 et 905, obs. R.Perrot.]. بالطبع لقد كان موقف النقابات والفقه اللذين عارضا بشدة أي تقليص لميدان تطبيق مبدأ الوجاهية وقعاً أكيداً على ما قررته محكمة التمييز الفرنسية [ V. H. Solus et R. Perrot, Droit, judiciaire privé Sirey, 1991, n. 121. V. Encore sur cette question, A. Bénabent, Les moyens relevés en secret par le juge, J.C.P., 1977, I, 2849.].
أما في لبنان فقد كرست المادة 373 فقرة 3 محاكمات مدنية الحل المنصوص عنه في المادة 16 المذكورة أعلاه. مما يدعو إلى الاعتقاد إن اجتهاد محكمة التمييز الفرنسية ممكن التطبيق عندنا . بل نميل إلى التأكيد أنه على القاضي في لبنان احترام مبدأ الوجاهية في حال إثارته من تلقاء نفسه لأسباب قانونية تتعلق بالنظام العام سواء أكان ينظر بالصورة النزاعية أو حتى الرجائية[ V. En ce sens, G. Bolard, La liberté des plaideurs dans la procédure gracieuse, D., 1976, chr. XI.]. إلا أن أحداً قد يلاحظ أن بعض الأحكام في لبنان تصدر، بصورة عفوية، خلافاً لهذا التأكيد. فعلى محكمة التمييز ، الحارسة لصحة القوانين ، أن تصون هذا المبدأ الجوهري ، ضامنة هكذا حق كل مواطن باللجوء الفعلي إلى العدالة[ V. R. Martin, De la contradiction à la vérité judicaire, Gal, Pal., 1981, Doctr., p. 209.
] . لعل هذا اللجوء الفعلي، إضافة إلى تسهيله ، يرسخ الشعار المرجو أن يعمل به، على وجه مرض، في بلد نريده ديمقراطياً ألا وهو: العدل للجميع، والعدل، أيضاً وطبعاًُ، على الجميع.

