المحكمة الدولية و عولمة القانون

المحكمة الدولية و عولمة القانون

بقلم المحامي فواز سالم كبارة

لم يعد السؤال يطرح اليوم إدا ما كنا مع أو ضد المحكمة الدولية بحد ذاتها بل أن هذا الموضوع أصبح يبحث في دول العالم بصفة شاملة و في الدول النامية و الضعيفة بصفة خاصة من زاوية عولمة القانون لأن موضوع القانون الجزائي و مؤسساته أصبح معولما في أكثر من ميدان و أصبح واقعا في عدد من هذه الدول و في جو جماعي من انعدام الثقة بالمؤسسات و بالقيم الديمقراطية و بالعدالة الوطنية أي بالقيم الأساسية لدعائم الوطن. إن الأزمات العالمية مسؤولة عن هذا الواقع بدئا في أزمة الحرب العالمية الثانية و ما نتج عنها من الإعلان العالمي لحقوق الانسان عام 1948. مثال ذلك قضية الجنرال بينوشيه التي أضافت إلى هذا المضمار دروسا و عبرا مهمة و نواة قانون جزاء دولي قضت إلى إنشاء محكمة جزاء دولية دائمة. لقد ارتقت الانسانية و ارتفعت بقيمها لتنشئ عدالة جزائية عالمية دولية تعلو على القواعد القانونية المحلية و مبادئ السيادة الوطنية و حصانة المسؤولين فيها الغرض منها وقف الممارسات التي يقوم بها أصحاب السلطة من سياسيين و عسكريين متمرسين بالسلطة بحق شعوبهم أو بحق مجموعات أخرى. و لكن هذا المبدأ مع مثاليته لم يخل من الشوائب القانونية و العملية و السياسية. فما هي أسس قانون الجزاء الدولي، ما هي آثاره على السيادة الوطنية و ماهي انعكاساته على حصانة حكام الدول و المسؤولين فيها؟

أولا) مبادئ قانون الجزاء الدولي و شروطه و العقبات التي تعترضه: تعددت المصادر التي عرفت الجريمة الدولية التي يعاقب عليها قانون الجزاء الدولي. فالتعريف الأول للجرائم ضد الإنسانية جاء في اتفاقية لندن المتعلقة بمحكمة نورمبرغ العسكرية تاريخ 8 آب 1945 و ربطها بجرائم ضد السلام و بجرائم حرب، أي بجرائم الإبادة (طبعا كانت المحاكمة في حق الضباط الألمان و المسؤولين النازيين و الفاشيين عن أفعال التعذيب و مخيمات النقل و الإبادة العنصرية إبان الحرب العالمية الثانية). و هذا ما عبر عنه نظام المحكمة الدولية لجرائم يوغوسلافيا الصادر في 20/11/1996 بقوله أن هذه الأفعال لا تتعلق بمصالح دولة معينة بل تهز الضمير الجماعي… إنها جرائم معرف عنها في القانون الدولي بكونها اختراقات شنيعة “للقانون الانساني الدولي”، و هذا ما نصت عليه قرارات الأمم المتحدة رقم 827 و 955 و ثبته نظام محكمة الجزاء الدولية المنصوص عنها في اتفاقية روما تاريخ 18 تموز 1998، مع التنويه هنا بأن دولا تمثل نصف سكان المعمورة قد صوتت ضد هذه الاتفاقية منها الولايات المتحدة و الصين و الهند و اسرائيل (لم ينتسب إليها لبنان).

من جهة أخرى فإن الظروف و الخصوصيات التي دارت من خلال محاكمة الجنرال التشيلي بينوشيه أثبتت أن عولمة القانون أخذت مجراها. فلكي ترفض حصانة رؤساء الدول الحاليين و السابقين ارتكزت هيئة اللوردات في قرارها تاريخ 25 تشرين الثاني 1998 على المبادئ المنبثقة عن محاكمات نورنبرغ و استشهدت بشكل صريح “بمبادئ القانون الدولي” كما أفاد اللورد نيكهولس من بيركنهيد Niccholls of Birkenhead بقوله “أن القانون الدولي قد ثبت بأن بعض أنواع من السلوك بما فيها التعذيب و حجز الرهائن هي غير مقبولة من أي كان. و هدا ما يمكن تطبيقه على الجميع و بشكل أشد على رأس الدولة، و قول العكس هو استهزاء بالقانون الدولي”.

«  international law has made plain that certain type of conduct , including torture and hostage-taking, are not acceptable conduct on the ârt of anyone. This applies as much to heads of state, or even more so, as it does to every one else; the contrary conclusion would make a mockery of international law”. ( R… v/ Bow St Stipendiary magistrate and others ex parte Pinochet Ugarte – 1998 – 3 WLR 1456).

و عليه و نتيجة لتجمع الاجتهادات و قرارت الأمم المتحدة و الاتفاقيات الدولية و نظام محكمة الجزاء الدولية يمكن تلخيص عناصر الجريمة بحق الانسانية بأربعة عناصر اساسية:

و عليه و نتيجة لتجمع الاجتهادات و قرارت الأمم المتحدة و الاتفاقيات الدولية و نظام محكمة الجزاء الدولية يمكن تلخيص عناصر الجريمة بحق الانسانية بأربعة عناصر اساسية:

  1. هجوم عام و موجه ضد مجموعة معينة و كبيرة من الناس
  2. يجب أن يكون الهدف من الجريمة سكان مدنيين محددين مستهدفين كمجموعة. و يمكن أن يكون هذا الفعل مرتكب من قبل دولة أو تنظيم يؤمن بهذه الأفعال.
  3. إن الفعل غير مرتبط بنزاع عسكري مسلح. فهو مستقل عن الأعمال الحربية.
  4. لا يمكن وصف أنواع الأفعال الجرمية و حصرها : فالقتل، الإبادة، الاستعباد، النقل القسري و الابعاد الجماعي، الاعدام الفوري و الجماعي، الخطف، التعذيب، الاغتصاب ، الاستعباد و الاستغلال الجنسي، العقم الاجباري و كل نوع من أنواع الإخضاع الجنسي و الجسدي تعتبر نوعا من أنواع الجرائم بحق الإنسانية إذا ما توفرت فيه أحد الشروط الثلاث السابقة أو أكثر.

و قد لخصتها المادة الخامسة من اتفاقية روما بجرائم الابادة الجماعية، بجرائم الحرب و بالجرائم ضد الانسانية.

و هذه الجرائم معرفة في المواد 6 و 7 و 8 من الاتفاقية. و يراعى في ذلك وجوب توفر الركن المعنوي المنصوص عليه في المادة 30 أي الارادة في فعل الشيء و العلم به. و لا تكون المعرفة بجرائم الحرب مطلوبة لأن العلم بها و بنتائجها بديهيا. و تصبح الجريمة من اختصاص المحكمة بعد تعريفها و الموافقة عليها من قبل جمعية الدول الأطراف. و من شروطها عدم سريان مفعولها على الجرائم المرتكبة قبل سريان المعاهدة. و لا تطبق على الاشخاص الاعتباريين و الدول و لكن لا يستثنى الأشخاص بسبب صفتهم الرسمية أي لا حصانة بوجه المحكمة الدولية. و لا يسري مرور الزمن على الجرائم المرتكبة بحق الانسانية و ذلك منذ أن تبنت الجمعية العامة للامم المتحدة هذا المبدأ في قرارها رقم 2391 تاريخ 26/11/1968 و أكدته في قرارها رقم 2712 الصادر عام 1970 و تبنته الاتفاقية الاوروبية الخاصة الصادرة عن المجلس الاوروبي عام 1974 و تبناه نظام محكمة الجزاء الدولية في المادة 29.

و لأسباب سياسية و نتيجة لجدال واسع لم يتم التفاهم على تعريف لمفهوم العدوان و الارهاب. علما أن الأفعال المذكورة أعلاه و المعرف عنها في اتفاقية روما غالبا ما تكون ناتجة عن عدوان. إلا أن الدول الكبرى و على الأخص الولايات المتحدة رفضت إدراج العدوان في عداد الجرائم.

و التفكير بإحالة مسؤول إلى محكمة جزائية دولية (أكانت خاصة أم ضمن اتفاقية روما) تنبثق عن الاعتقاد بأن مرتكب الفعل سينجو من العقاب في بلده أو في البلد الذي ارتكب فيه الجرم ، لخطورة الفعل المرتكب و لما سيترتب عليه من نتائج و أضرار على المجتمع و الأنسان و الأشياء ، للطبيعة الدولية للجرم أو الجرائم المرتكبة و شجب الراي العام العالمي لها ، و رغبة الرأي العام في الإقلال من هذه الجرائم و عدم ترك الجناة من دون عقاب لمنع غيرهم من ارتكابها و التعويض لضحاياها.

ثانيا) آثاره على السيادة الوطنية: إن القانون الدولي يرتكز على مبدا أساسي يميز الدول فيما بينها ألا وهو مبدأ السيادة و احترام الحدود بمعناها القانوني و الجغرافي (البري و البحري و الجوي). و إذا نظرنا إلى المثل السابق المتعلق بالجنرال بينوشيه فإن قبول القاضي الانكليزي طلب الاسترداد لصالح دولة أوروبية كان عرضة للانتقاد لأسباب تتعلق بالسيادة و لأسباب معنوية و نفسية. فالحقوقيون و القانونيون الوطنيون الذين كانوا يعارضون في مجملهم الجنرال و نظام الحكم الدكتاتوري العسكري الذي تسبب لهم بضرر و ملاحقات شخصية مباشرة، و يتهمون بينوشيه بدعمه لانكلترا ضد الأرجنتين ابان حرب المالوين. عارضوا في غالبيتهم طلب استرداده الذي بدا و كأنه يعطي أفضلية و أحجية للشمال على الجنوب أي لأوروبا على حساب أمريكا الجنوبية. و طرح العديد منهم السؤال المعاكس: هل يمكن تصور الأرجنتين تحاكم السيدة تاتشر للجرائم التي ارتكبتها أثناء حرب المالوين، و هل تقبل فرنسا أن يحاكم رجالها في أفريقيا عن جرائم مسئولين عن ارتكابها أثناء الاستعمار و حرب التحرير ؟ و إلام تفضي ملاحقة الضباط و الجنود الفرنسيين بالنظر لمسؤوليتهم عن المجازر المرتكبة في رواندا ؟ و هل تقبل الولايات المتحدة بمحاكمة رئيسها و مسؤوليها و عسكرييها من قبل سلطات أجنبية على أفعال ارتكبوها على أراضيها ؟ أليس هذا ما يفسر سبب إحجام الولايات المتحدة عن الانضمام إلى اتفاقية روما المتعلقة بإنشاء محكمة الجزاء الدولية؟ يضاف إليه أن فكرة إجرا المحاكمة في اسبانيا البلد المستعمر القديم كانت تبدو مصدمة لهم . هذا السلوك لا يعني رفض الأرجنتين لمبدأ عولمة القانون بالنسبة لهذا النوع من الجرائم (بالعكس لكون الارجنتين من الدول المؤيدة بحماس لفكرة المحكمة الدولية في روما)، و إنما ينبي عن قلق من فكرة و مفهوم الهيمنة و التسلطconception hégémonique و انتقاص من سيادة الدول الضعيفة. إلا أن مبدأ السيادة بدأ يضمحل مع تنازل الدول عن صلاحياتها السيادية في أكثر من موضوع خاصة في المجال الاقتصادي و الأمني و المالي و البيئي و غيرها ، مثال ذلك اتفاقيات التجارة العالمية و الوحدة الاوروبية و شنغن و ماسترتش (العملة الاوروبية الموحدة) و مركوسور و غافي و غيرها مما لا يتسع المجال لذكرها هنا. ففي مجال التجارة الدولية مثلا نلاحظ تجاوز القوانين الوطنية المحلية لصالح قانون التجار lex mercatoria و هذا ما يعتمده و يطبقه المحكمون الوطنيون و الدوليون. فبعدما كانوا مجرد موكلين عن التجار أصبح المحكمون قضاة حقيقيين مستقلين، متشاركين مع القضاة الرسميين بشكل أدى إلى تقارب بين العدالة العامة و العدالة الخاصة. بشكل مواز يمكننا ملاحظة أهمية القوننة الخاصة، و انتشار قواعد اللباقة و حسن سلوك المشاريع و الشركات (code de conduite) الذاتية أي الصادرة عن الشركات ذاتها أو التجمعات المهنية أم الصادرة عن الأمم المتحدة ، يضاف إليها المبادرات الخاصة فيما يتعلق بتنظيم العلاقات الاجتماعية. و هذا ما يستنتج مما جاء في دراسة لمكتب العمل الدولي بتاريخ تشرين الثاني 1998 (منشورة على موقعه الالكتروني www.ilo.org) إذ قال أنه في نظام اقتصادي معولم، يبدو ظهور دور المشاريع و الشركات في الميدان الاجتماعيي و كأنه إنتقال للسلطة من الدولة الأم إلى المشاريع الخاصة و المتعددة الجنسيات، و ينبي بانحدار أثر و أهمية الدولة و المنظمات العمالية المحلية في سوق يتطور بشكل مستمر . و لكن تبقى السيادة لدستور الدولة و قوانينها في الشؤون السياسية الداخلية و المدنية كالاحوال الشخصية و موضوع الجنسية و القضائية و تنفيذ الاحكام الاجنبية.

ثالثا) انعكاس قانون الجزاء الدولي على حصانة حكام الدول و المسؤولين فيها: يتمتع الملوك و الرؤساء و الحكام (على اختلاف تسمياتهم و رتبهم) و بعض المسؤولين في بعض الدول بحصانة يوليها إليهم دستور بلدهم أو القوانين المرعية تحميهم من الملاحقة على الأفعال التي يقوموا بها أثناء ممارستهم لمسؤولياتهم و تنئيهم عن الملاحقات القضائية. و تنتفي هذه الحصانة فور انتهاء مسؤولياته ما لم ينص القانون على خلاف ذلك و ما لم يكن الجرم الملاحق به سياسيا او فكريا. و كان هذا الموضوع عرضة لخلاف بين الفقهاء و الاجتهاد ما زالت آثاره تتفاعل حتى تاريخه. و لئن حسمت اتفاقية روما هذا الموضوع فهي لا تسري إلا على الدول التي ابرمتها. سنعرض هنا على سبيل المثال أربع قضايا و اجتهادات قانونية: قضية الجنرال بينوشيه، قضية العقيد معمر القذافي، قضية الرئيس ميلوسفيتش و قضية الرئيس الأميركي ريغن، ثم نعقب عليها.

1- إن الجنرال التشيلي بينوشيه أتهم بالتعذيب و الخطف و الإبادة أي بتهم يعتبرها القانون الدولي بمثابة جرائم ضد الانسانية و جرائم حرب أي “جرائم تتصل بالمجموعة الانسانية العالمية و التي لا يمكن أن تبقى دون عقاب” كما نصت عليها مقدمة اتفاقية روما تاريخ 17 تموز 1998 المتعلقة بإنشاء محكمة الجنايات الدولية و بنظامها. إن أول طلب لاسترداده جاء من قبل قاض اسباني ثم توالت الطلبات الفرنسية و السويسرية و السويدية. و كان على القضاء الإنكليزي أن يبت بمجموع هذه الطلبات و أن يقر بمبدأ وجود حصانة أو لا و من ثم أن يقبل أو أن يرد طلبات الاسترداد. و لكي ترفض حصانة رؤساء الدول الحاليين و السابقين ارتكزت هيئة اللوردات في قرارها تاريخ 25 تشرين الثاني 1998 على المبادئ المنبثقة عن محاكمات نورنبرغ التي كرست أول مبدأ من مبادئ سقوط الحصانة أمام مبدأ الجريمة في حق الإنسانية.

و لكن بدا من وقائع القضية أنه إذا كان متفق عالميا على وصف الجرائم و طبيعتها، فأن فكرة عولمة القانون من حيث التنفيذ و العقوبات لم تنضج بعد . إذ أنه عوضا من أن يقوم قاض إنكليزي بالرد على طلب قاض اسباني كان من الأنسب أن ينظر في أساس الموضوع قاض دولي (كما جاء فيما بعد في اتفاقية روما) تكون وظيفته الحكم في قضايا الإبادة و الجرائم المرتكبة في حق الانسانية. و بموجب المادة 13 من هذه الاتفاقية تتضمن هذه الاوصاف كل الافعال المرتكبة بشكل منظم جماعي ضد مجموعة من السكان المدنيين و العلم بها. و تشمل السجن و ما يشابهه من أشكال حرمان الحرية الجسدية حسب ما هو متعارف عليه دوليا كالتعذيب و الملاحقات و المضايقات و الإخفاء ، خاصة تلك المرتبطة بأسباب سياسية. في غياب هذه المحكمة و بالقياس لوضعية الملف كمن الحل الأقل سؤا في إجراء محاكمة الجنرال بينوشيه في أوروبا. قانونيا يمكن الاستناد على الصلاحية المبنية على شخصية الضحية و جنسيتها أو بشكل أوسع على الصلاحية العامة. لأن رفض تسليم المتهم يعني عدم العقاب و يشكل تراجعا في مبدأ الجريمة و العقاب الذي يمس المجموعة الدولية.

2- تشبه قضية العقيد معمر القذافي من الناحية القانونية القضية السابقة. فقد أقام أهالي ضحايا طائرة دي سي 10 التابعة لشركة UTA الفرنسية التي سقطت بتاريخ 19/9/1989 نتيجة لإعتداء دعوى أمام القضاء الفرنسي بالنظر لجنسية الضحايا، و اصدرت محكمة الإستئناف الجزائية قرارا بتاريخ 20 تشرين الأول 2000 يقضي بسجن مسؤولين من التابعية الليبية (من قسم المخابرات) لترتب مسؤوليتهما عن تفجير و سقوط الطائرة مما أودى بحياة 170 راكبا معتبرة هذا العمل ارهابيا و مشينا بحق الانسانية. و تمادى القرار في حيثياته ليبحث عن المسؤول الرئيسي عن الفعل ليخلص إلى ملاحقة رئيس الدولة أي الرئيس معمر القذافي عن فعل مرؤوسيه معتبرا أن حصانة الرئيس تسقط عندما يتصف الفعل المرتكب بجريمة دولية تخالف الضمير العالميconscience universelle. و لكن محكمة التمييز الفرنسية في قرارها خالفت هذا الحكم و نقضته فيما يتعلق بملاحقة الرئيس القذافي و اعتبرت أن حصانة رؤساء الدول مصونة بموجب الأعراف و مبادئ المجاملة الدولية comitas gentium التي تحول دون ملاحقتهم أثناء ممارستهم لسلطاتهم ، و اعتبرت أنها تزول بانتهاء مهماتهم و عملهم و بالتالي يمكن عندئذ معاقبتهم.

3- قضية الرئيس ميلوسفيتش و اعوانه: نتيجة للحرب التي دارت في دولة يوغوسلافيا السابقة و نتيجة للانقسام التي حصل في الجمهوريات التي كانت تتألف منها الدولة السابقة و نتيجة للممارسات التي حصلت بحق بعض رعايا الجمهوريات المنشقة ككرواتيا و الهرسك و البوسنة عن الجمهورية الصربية الرئيسية ، اتهم الرئيس الصربي ميلوسيفيتش و بعض جنرالات الجيش الصربي (و بعض رجال الميليشيا و المخابرات) بممارسات لا انسانية و تصفيات جماعية و اغتصاب. و تشكلت محكمة جزاء دولية بقرار من مجلس الأمن عام 1993 لهذا الغرض و وضع لها نظام داخلي و أصول محاكمات ، و من أهم بنود هذا النظام ما جاء في الفقرة الثانية من المادة السابعة التي تنص على أن الصفة الرسمية للمتهم لكونه رئيسا للجمهورية أو للوزراء أو موظفا ذي رتبة أو مسؤولية عالية لا تعفيه من مسؤوليته الجنائية و ليست سببا مخففا للعقوبة. لقد تم القبض على الرئيس الصربي و على المسؤولين العسكريين المتهمين بارتكاب مجازر و احيلوا إلى المحكمة التي تألفت لهذا الغرض و تجلس في لاهاي.

4- قضية الرئيس الأميركي رونالد ريغن: إثر الغارة الأميركية على ليبيا في 15 نيسان 1986 و ما ترتب عليها من قتل و إصابة أكثر من مائتي ضحية مدنية، رفع أهالي ضحايا الغارة دعوى ضد الرئيس الأميركي و المسؤولين العسكريين و المدنيين الأميركيين أمام القضاء الأميركي ، و لكن القضاء الأميركي رد الرعوى متذرعا بتمتع هؤلاء المسؤولين بالحصانة (AJIL , 1990, p 705) .

أن مبدأ حصانة رؤساء الدول و المسؤولين فيها يعود إلى مطلع القرن العشرين عندما كان هذا المبدأ يتلازم مع مبدأ سيادة الدول، و يعتبر أن إخضاع صاحب سلطة أجنبية لسلطة قضائية محلية يعني اغتصاب سلطة أجنبية كما جاء في قرار محكمة الاستئناف الفرنسية تاريخ 23 آب 1870. و لكن هذا المبدأ تعرض لانتهاكات مختلفة. الأول في اتفاقية فيرساي لعام 1919 عندما اتهم الأمبراطور الألماني ويلهلم الثاني في اشعال الحرب و نصت المادة 227 منها على انشاء محكمة جنائية خاصة لمحاكمته، كما نصت المادتان 228 و 229 منها على محاكمة الضباط الالمان و الاتراك على خرقهم قوانين الحرب و اعرافها و على المجازر المرتكبة بحق الشعب الارمني ، و الثاني عام 1945 أثناء محاكمات نورمبرغ المشار إليها أعلاه. و مع تطور مبدأ حقوق الإنسان و حماية القواعد الإنسانية الأساسية بدأ هذا العرش يتزعزع من تحت بعض الملوك و الرؤساء والذين جالوا و صالوا في الاستقواء على شعوبهم و على الأمم الأخرى اثنيا و طائفيا و عنصريا.

و الخلاصة التي توصلت إليها محكمة التمييز في موضوع العقيد القذافي تعرضت بدورها لانتقادات عدة. فقد رأى عدد من الفقهاء أن القواعد العرفية التي كان يبنى عليها مبدأ المجاملة الدولية يسقط عندما يتعلق الموضوع بالنظام العام الدولي المرتبط بالحقوق الأساسية للأنسانية. فما أورده اللورد نيكهولس من بيركنهيد Niccholls of Birkenhead في مرافعته في قضية الجنرال بينوشيه ينطبق تماما هنا. و في هذا السياق يؤكد الفقهاء تيكسييه، غوزي، غونيهيك و باشولييه و غيرهم أنه لا يوجد تعارض بين مبدأ المجاملة الدولية و القانون الجزائي الدولي بمعناه الشمولي، و أنه لا يجوز أن يتعارض القانون الوضعي مع مبادئ عامة أساسية، كما يؤكد في أطروحته السيد دومييه. و على صعيد القانون و الاتفاقيات الدولية فإن مبدأ المجاملة الدولية لا يندرج في عداد القواعد المنصوص عنها في اتفاقية فيينا تاريخ 29/5/1969 المتعلقة بقانون الاتفاقيات و التي تعطي القوة الالزامية للاتفاقيات و القواعد التي تندرج فيها jus cogens. و هذا ما أكدته محكمة العدل الدولية سابقا في قرارها تاريخ 20/2/1969. و هذا ما كرسه الاجتهاد الفرنسي في عدم مرور الزمن على الجرائم المرتكبة بحق الانسانية (تمييز جزائي تاريخ 6/10/1983). كما أن الاجتهاد الفرنسي في اجتهاد شهير (اجتهاد أكوارون jurisprudence Aquarone – مجلس شورى الدولة تاريخ 6/6/1997) رفض تفضيل العرف الدولي على القاعدة الجزائية. و بالتالي فإن حصانة رؤساء الدول و المسؤولين فيها لا تعلو على المبادئ الانسانية الأساسية و تخضع الجرائم المرتكبة بحقها للملاحقة بغض النظر عن المركز الذي يتبوؤنه. أي بتعبير آخر، لا تحصنهم حصانتهم عن الأفعال المرتكبة بحق الانسانية بما يخالف القانون و الضمير الإنساني الجماعي و الشمولي. و لكن موقف القضاء الفرنسي مع تحفظه و تردده أكثر تشريفا من موقف القضاء الأميركي الذي يستعمل مبادئ القانون الدولي الانساني ضد الآخرين ، و يتحصن عندما يتعلق الموضوع بحماية المسؤولين الأمريكيين عن سوء أفعالهم . و لم ينبر الفقه لينتقد قرار القضاء الأميركي. و هنا تبرز بكل أسف ازدواجية المعايير .

و لكن إذا اصبح القانون عالميا او معولما بشكل غير منظور و متقطع، ينبغي التساؤل عن كيفية تطوره و آثاره و عن تقييم حظوظه و مخاطره.

1- المخاطر أولا : لا نعني هنا بصفة خاصة المخاطر الاقتصادية التي ينقسم الأخصائيون حولها، باعتبارهم أن العولمة الآقتصادية يرافقها ازدياد الخلل في التوازن و المساواة الاجتماعية سواء في الدول الغنية أو في معظم الدول الناشئة بما فيها الدول الصناعية الحديثة. و الدليل على ذلك المؤتمرات المتناقضة و التجمعات المضادة التي ترافق اجتماعات منظمة التجارة العالمية. و لا نقصد أيضا المخاطر الثقافية، و فقدان الهوية عبر توحيد المراجع على صعيد المعمورة، و لا نعني بالمقابل مخاطر الانطواء و الصراع الثقافي أي ما يسمى “بصدام الحضارات choc de civilisation ” العزيزة على هنتغتون و ” نهاية التاريخ ” العزيزة على فوكوياما و مضافا إليها ما هو أخطر أي صراع الديانات و التي يكتب التطرف بعض فصولها بكل أسف. و لو اردنا حصرها بالمخاطر القانونية فإن فكرة قانون عالمي مثيرة للقلق. تقلق أولا الحقوقيين الذين اعتادوا النظر إلى القانون من خلال مبدأ السيادة و دولة منشأه، و تقلق المواطنين المنتمين إلى عالم سقطت فيه القيم و المبادئ و لا تحترم بعض الدول الكبرى فيه و المنظمات الدولية أسس الديمقراطية و مبادئ العدالة و المساواة، ثانيا. فكيف نتحدث عن معاقبة دول و رؤساء دول في الوقت الذي تجول اسرائيل و تصول و تحتل أراضي و تصادر ممتلكات و تهجّر سكان و تقتلهم و تغتال دون محاكمة و لا تنفذ قرارات مجلس الأمن و ذلك دون رادع؟ و بالعودة إلى مثال قضية بينوشيه كيف يمكن القبول باسم مبدأ الصلاحية الشمولية compétence universelle أن يقوم قضاة كافة الدول بالنظر و الحكم في جرائم دولية بدون حد أدنى من الضوابط و الضمانات ؟ ضمانات متعلقة بأصول المحاكمات بدئا بحق الدفاع و بضرورة وجود محكمة مستقلة و منصفة و متجردة . فمن مراجعة وقائع هذه القضية، إن الشك في تجرد أحد قضاة الدرجة الأولى هو ما برر قرار مجلس اللوردات الصادر بتاريخ 17 كانون الأول 1998 بإلغاء الحكم الصادر ضد بينوشيه :”the important principle is justice, not revenge “. يضاف إليه ضرورة وجود ضمانات في الأساس أيضا كمبدأ عدم رجعية قوانين العقوبات المتشددة و الأشد وطأة . إن ضعف هذه الضمانات تساهم في خلق ما سماه أحد المعلقين “بعدالة الكاو بوي”. يضاف إليه عدم ضمانة عدم استعمال العدالة الدولية لأسباب سياسية.

في الوضع الراهن لا يكتفى بطرح الموضوع في الحقل الجزائي فحسب، بل إن مجموع قواعد القانون الدولي، أكان جزائيا أو لا، يكاد يقع في خطأ التسلط على حساب النظام الحقوقي الذي يقضي بعدم وجود تناقضات في فكرة العولمة و مسارها و انسجام المعايير المستخلصة منها . و هذا ما يتناقض مع ما يحصل. إن التناقضات كثيرة و شاسعة بين المفهومين الأساسيين للعولمة المعاصرة أي العولمة الاقتصادية من جهة (التي تتميز بتوجه لتوحيد المعايير بشكل مهيمن tendance à l’uniformisation de type hégémonique )، و من جهة أخرى شمولية مبادئ حقوق الانسان universalisation des droits de l’homme التي تواجه بالمقابل خطر الانفلاش و التجزئة.

فمن الجهة الاقتصادية، إن التقنيات القانونية التي تؤدي إلى الهيمنة متعددة بشكل أن كل الدول العظمى ساهمت فيه بدئا بالدول المستعمرة كبريطانيا و فرنسا مرورا بالاتحاد السوفييتي وصولا إلى الولايات المتحدة الأمريكية الآن و لو بشكل مختلف.

أول شكل من أشكال التقنيات القانونية المستعملة هو لا حدودية بعض القوانين extraterritorialité (مطبقة بشكل رئيسي من قبل الولايات المتحدة الأميركية خاصة في الحقل الضريبي و منع الاحتكار). هذه الممارسة التي يمكن أن تبدو مشروعة إذا كان القصد منها معاقبة فعل يترتب عنه آثار مباشرة مهمة في الدولة المعنية و لو أنه ارتكب من قبل أجنبي في بلد أجنبي (كقانون منع الاحتكار) ، تصبح غير مشروعة و مناقضة لمبادئ القانون الدولي في الحالات العادية المطلقة. نذكر على سبيل المثل هنا قوانين الحظر الأمريكية الصادرة عام 1996 التي حرمت التجارة مع كوبا ( قانون هلمس بورتون) و مع ليبيا و إيران (قانون داماتو كنيدي). إن الحظر هذا الذي يرافقه عقوبات يطول الشركات في العالم كله. إن الهدف المعلن من هذه القوانين هو تشجيع ديمقراطية النظام فيما يتعلق بكوبا و محاربة الإرهاب فيما يتعلق بإيران و ليبيا . و لكنه يبدو من الصعوبة القبول بالتفسير و التعليل الأمريكي لهذين القانونين و لآثار أسبابهما على أراضي الولايات المتحدة من وجهة نظرية السببية. فمن الصعوبة دعم القول أن لاستثمار بترولي تقوم به شركة أجنبية (غير أمريكية) في ليبيا أو إيران علاقة بالولايات المتحدة و أن له آثار على أراضيها . في الحقيقة إن هذا النوع من لا حدودية القانون تؤدي بشكل رئيسي إلى عولمة القانون الأمريكي . ناهيك عن القطبة السياسية المخفية .

إن الهيمنة يمكن أن ترتدي ثوبا آخر يتمثل بتصدير قوانين و نظم معينة جاهزة للتطبيق codes clés en mains و حللت عالمة الإجتماع الأمريكية سيلبي هذه الممارسة التي أطلقت عليها تسمية explicit selling و انتقدتها بشدة إذ اعتبرت أنه يمكن تحديد و فرض الشكل الثقافي و الاقتصادي و الاجتماعي لشعب و أمة ما من خلال ايراد النظام القانوني الذي يؤثر على تنظيمها الاجتماعي بأسره و ذلك دون الحاجة لاحتلال الدولة أو للاستثمار في عملية تطويرها الاقتصادي و الاجتماعي . و هذا ما نلمسه في دول الخليج العربي بالإضافة إلى احتلال العراق و فرض نظام و دستور سياسيين.

و من المعلوم بأن العديد من الدول يقوم على جذب المستثمرين من خلال اعتماده تشريعات أكثر تشجيعا و حماية لمصالحها الخاصة. هذا الاستعمال للقانون في خدمة السوق العالمي (الاستثماري) يؤدي إلى أن يصبح أداة لخدمة المصالح المالية بشكل مميز، مع العلم بأن القانون هو من حيث المبدأ أحكام وطنية عامة ملك للدولة التي أصدرته و لو أنها تفضل و تشجع المصالح الخاصة بالمستثمرين. هناك نوع آخر من الهيمنة الأكثر فعالية و تأثيرا ألا و هو انفلات النظام الحقوقي الدولي و ضعفه أمام حاجات السوق العالمي و ظهور مراكز و تجمعات تخضع لقانون السوق و لحاجات رأس المال و متطلباته دون غيره ، مما حدا ببعض المحللين إلى القول بأن السوق (le marche) يحل مكان الأمم و يفرض نفسه على الدول و يصبح قانونا مستقلا.

أما من جهة حقوق الانسان فإن المنهجية مختلفة. و لا يمكن تجاهل بعض المعارضة و الاحتجاج الذي يلقاه الاعلان العالمي لحقوق الانسان لعام 1948 من قبل من يرى فيه نوعا و مظهر آخر من التسلط و الهيمنة الثقافية الغربية. و لكن الاعضاء الثمانية عشر الذين يشكلون هيئة حقوق الانسان ينتمون إلى حضارات متعددة، و بالرغم من بعض التأثيرات الغربية التي نفحها وجود اليانور روزفيلت و رينيه كاسين، فإن النص النهائي لا يعبر عن رغبة تسلط و هيمنة لا بل العكس فإنه يعرض فكرة شمولية عامة تعترف بكافة الثقافات بقدر ما تعبر هي بنفسها و تعترف بالمساواة و العدالة فيما يتعلق بالحق و بالكرامة الانسانية. في الحقيقة إن التعددية في قواعد حقوق الانسان تؤدي إلى مخاطر التشرذم و التفرقة أكثر منها إلى مخاطر الهيمنة و التسلط. و هذا ما يمكن ملاحظته من مختلف التقنيات القانونية و الحقوقية.

أولا : لا يوجد في الاعلان العالمي لحقوق الانسان تفريق أو تفضيل أو هرمية بين الحقوق المدنية و السياسية من جهة و الحقوق الاقتصادية و الثقافية و الاجتماعية، فشمولية حقوق الانسان تستند إلى وحدتها. و تبع هذا الاعلان العالمي شرعتان صادرتان عن الأمم المتحدة عام 1966 تتناول الأولى الحقوق المدنية و السياسية و الثانية تشمل الحقوق الاقتصادية و الثقافية و الاجتماعية و غيرها. و لكن عدد كبير من الدول لم تبرم بعد هاتين الشرعتين. فمنها من يفضل الاولى على الثانية و بالعكس. و هذا ما يؤدي إلى ازدياد الخلاف و التفرقة و تشرذم الحقوق خاصة في غياب وسائل الرقابة و تناقضها. إن آلية الحقوق المدنية و السياسية أكثر تطورا من آلية الحقوق الأخرى. و يمكن استنتاج ذلك على صعيد الأمم المتحدة كما يمكن ملاحظة ذلك على الصعيد الأوروبي. فمحكمة حقوق الانسان الأوروبية تختص في النظر بالقضايا المتعلقة بالحقوق المدنية و السياسية، و لكنها تحاول أن تتناول الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية بطريقة غير مباشرة كفرض وجود محاكمة عادلة و متوازنة بتقديمها مساعدات قضائية و عن طريق رفض التمييز على صعيد الحقوق الاجتماعية. مع العلم بأن إمكانية اللجؤ إلى المحكمة الأوروبية في حال خرق الحقوق المعلن عنها في الشرعة الاجتماعية الأوروبية ما زات مشروعا قيد الدرس.

و ثانيا، يعود هذا التشرذم أيضا إلى ظهور أدوات اقليمية في موضوع حماية حقوق الانسان. إن التوزع الاقليمي ليس متناقضا مع فكرة الشمولية و العالمية بقدر ما يوجد تطابق عام بين النصوص. فالاتفاقية الاوروبية لعام 1950 و الاتفاقية الأمريكية لعام 1969 و الشرعة الأفريقية لعام 1981 و أخيرا الاتفاقية العربية لحقوق الانسان الصادرة عام 1994 تشير كلها إلى الاعلان العالمي لحقوق الانسان. و لكن مقارنة النصوص قد تظهر بعض التناقضات. فمضون الشرعة العربية ذات الطابع الديني يبدو غير منسجم مع مضون الشرع الغربية العلمانية. يضاف إليه غياب أداة و وسائل المراقبة في الشرعة العربية و عدم كفاية مضمون الشرعة الأفريقية.

و أخيرا يوجد طريقة ملتوية تؤدي إلى تشتيت مبادئ حقوق الانسان و هي القيام بتأميمها وطنيا عن طريق وضع تحفظات بوجهها لدى المصادقة عليها و إبرامها. ليس المقصود هنا التحفظات التي تتناول الحقوق الاساسية لأن الغرض من هذه الشرع هي إيجاد قاسم أدنى مشترك من الحرية و حماية الأفراد، أي جميعهم متساوون بالكرامة و الحقوق أينما وجدوا. و يبقى أن يتمكن الفرد من طرح السؤال و عرض الموضوع و هذا غير متوفر في الدول التي لم تقر بحق الفرد بإثارة الموضوع و المقاضاة فيه فرديا. في هذا السياق نذكر بأن الولايات المتحدة واكبت إبرام شرعة الأمم المتحدة المتعلقة بالحقوق المدنية و السياسية بمجموعة من التحفظات و الإعلان عن تفسيرات و اجتهادات خاصة فيما يتعلق بعقوبة الإعدام التي اعتبرت أنها تنطبق على القصار و فيما يتعلق بالتعذيب بقولها أن النص يفسر انسجاما مع الدستور الأمريكي. و ها هي اليوم تطعن بمبادئ حقوق الانسان و الحريات العامة تحت شعار المحافظة على الأمن (قانون Patriot Act و أمر التجسس على المواطنين الأميركيين)

من هنا إن التناقض بين آليتي العولمة الهادفة من جهة إلى شموليتها و من جهة ثانية إلى تفتيتها و شرذمتها يؤدي إلى تناقضات على الصعيد التشريعي normatif incohérences au plan. و هذه التناقضات تنبع أساسا من ظاهرتين: في بادئ الأمر يعود ذلك إلى مصادر التشريع العالمية من كل حدب و صوب أكان المرجع و المصدر عاما أو خاصا أي القوانين الوطنية أو قانون التجار lex mercatoria و هذا ما يعتمده و يطبقه المحكمون الوطنيون و الدوليون. و هذا ما أدى تعايش بين العدالة العامة و العدالة الخاصة كما ذكرنا. بشكل مواز يمكننا ملاحظة أهمية القوننة الخاصة، و انتشار قواعد اللباقة و حسن سلوك المشاريع و الشركات (code de conduite) الذاتية أي الصادرة عن الشركات ذاتها أو التجمعات المهنية أم الصادرة عن الأمم المتحدة، يضاف إليها المبادرات الخاصة فيما يتعلق بتنظيم العلاقات الاجتماعية.

و عندما تتدخل الدول فيكون ذلك على أصعدة تشريعية متعددة تتناقض و تتنافس فيما بينها. فمثل قضية بينوشيه يبرز في الحين نفسه أهمية المحاكم الوطنية و ضرورة الاسترداد أي ضرورة التعاون القضائي الدولي. إن إنشاء محكمة الجزاء الدولية يضع هذا الموضوع في رتبة فوق القوانين supranational دون نكران دور الأخرى لأن مقدمة إنشاء هذه المحكمة تشير إلى أنها مكملة للمحاكم الجزائية الوطنية. و لإكمال الصورة وجب التذكير أيضا بأن الاختصاص يمكن أن يكون موزعا داخليا infranationale إذا أخذنا بعين الاعتبار القوانين الاقليمية الوطنية، أو دوليا أي منبثق عن منظمة دولية أو اقليمية.

2- الحظوظ ثانيا : تكمن الحظوظ في تعددية الثقافات و المراجع الحقوقية. فهي على اختلافها و بالرغم من تناقضها كما ورد أعلاه تشكل عامل غنى ثقافي و حضاري يسمح للانسانية بولوج طريق الوحدة و اللقاء. و بانتظار ذلك و على الطريق تسلك الأخيرة سبيل الحوار المستمر. الم تحقق في طريقها هذا العديد من المكاسب بتوحيدها الكثير من المعايير التقنية و المصطلحات العلمية. الم تتوحد بعض القواعد القانونية مثال اتفاقية فيينا المتعلقة بالبيع الدولي لعام 1980 و اتفاقية روما المتعلقة بعقود التجارة الدولية لعام 1994 و غيرها من اتفاقيات متعلقة بتنفيذ الأحكام و الملاحة الدولية الخ… مضافا إليها شرعة حقوق الأنسان المتفق على مبادئها المختلف على تطبيقها و على محاكمة مخالفيها؟ خير مثال على هذا التفاعل الحضاري و الثقافي القانوني يردنا في نظام محكمة لاهاي الجزائية المؤلفة بقرار مجلس الأمن لعام 1993 المتعلقة بيوغوسلافيا و الذي يتضمن 125 مادة مستوحاة من آفاق قانونية مختلفة: انكلوسكسونية و رومانوجرمانية و غيرها و قد أدلى قضاة من مختلف أقطار المعمورة بدلوهم في موضوع هذا النظام بحيث أنه تعدل لمرات قبل أن يتم إقراره بشكله النهائي كنموذج عالمي. فمبدأ تعددية الثقافات القانونية يقوم على قاعدة حوار و تبادل متوازن و رفض الفكر الأحادي الجانب (نسبة لنظرية الإنسان الأحادي الجانب العزيزة على الفيلسوف ماركوز) بكل ما لهذه الكلمة من معان فلسفية و فكرية و سلطوية كما نوهنا سابقا. و لكن لكي لا تبقى هذه التعددية عرضة للأهواء و تسير بشكل عشوائي، ينبغي أن تتوحد الجهود لتنظيم قواعد الحوار و التفاعل الثقافي و الحضاري و هذا ما دأبت الأمم المتحدة على القيام به في لجانها المتخصصة و قد نتج عنها أعمالا و مقررات و اتفاقيات و نماذج قوانين برسم الدول المنتسبة في حقول مختلفة تؤمن للبشرية تقدما و رخاء. إلا أن الخلل يكمن في زعزعة الاستقرار القانوني الدولي و استفراد دولة عظمى بمقدرات الأمم المتحدة و عدم اكتراثها بعدد من قراراتها و انظمتها و بمبادئ العدالة الدولية مما يزعزع استقرار العدالة الدولية و اسس عولمة القانون.

على الصعيد المحلي ، لقد أخطأ لبنان عام 1998 و في عهد الحكومة التي كان يترأسها المرحوم الرئيس رفيق الحريري في عدم الانضمام إلى اتفاقية روما التي تعنى بمعاقبة الجرائم التي تمس بالانسانية و تنص على انشاء محكمة الجزاء الدولية و التي يحال إليها المتهم عندما يوصف الجرم المثار بموجبها باعتداء على الانسانية. لو كان الأمر كذلك لكنا وفرنا الجدل القائم حول إنشاء محكمة دولية و الشكل الذي ترتديه بعد أن نتأكد من تتطابق وصف الجرائم النكراء و الممارسات التي حصلت في لبنان لعقود خلت مع تحديد اتفاقية روما. و لربما كانت خشية الحكومة اللبنانية في حينه أن يتناقض مضمون هذه الاتفاقية ومنطوقها مع أحكام قانون العفو الذي شمل جرائم و ممارسات ارتكبت اثناء الحرب اللبنانية علما أن الجرائم المرتكبة بحق الانسانية المنصوص عنها في الاتفاقية لا تسقط بمرور الزمن.

إن اللجوء إلى قضاء أجنبي (أو دولي أي غير وطني) للبت في جريمة ارتكبت على أرض وطنية يجب أن ينطلق من ثلاث اعتبارات:

الأول قانوني: ينطلق من طبيعة الجريمة و مكان ارتكابها و جنسية مرتكبها و جنسية الضحية أو الضحايا. و هذا غير متوفر حاليا لأن الجرائم قد ارتكبت على الأراضي اللبنانية بحق لبنانيين أو مقيمين على الأراضي اللبنانيية. و حتى إثبات العكس ينتفي عن الجريمة العنصر الأجنبي الذي قد يدفع أو يؤثر على طابعها و اختصاصها الوطني المحلي lex loci delicti. و هذا ما يفسر محاكمة الرئيس العراقي السابق و أعوانه للجرائم بحق الانسانية المنسوبة إليه و لنظامه على الأراضي العراقية علما أنه لم يحل إلى محكمة الجزاء الدولية لأن العراق لم ينتسب إلى إتفاقية روما. و لم تجري له محاكمة خاصة خارج العراق.

الثاني اجتماعي: يتعلق بالواقع الاجتماعي و البنيوي المحيط بالمجموعة التي ترعى عملية الملاحقة و المحاكمة. و هنا ينبثق موضوع الثقة بالجهاز المولج بمتابعة التحقيق و الاتهام و المحاكمة. و غني عن القول أن الكتاب معروف من عنوانه. فالجزء الأول منه أي التحقيق أوكل إلى لجنة دولية: مما يعني انعدام الثقة بتحقيق وطني ناجز لسببين منفصلين أو متصلين معا. الأول عدم توفر التقنية العالية لتحقيق الغاية منه و الوصول إلى النتائج المرجوة، و الثاني عدم الثقة السياسية بالقيمين على التحقيق أي بتجرد الجهاز الأمني و العدلي و القضائي اللبناني. أو بتعبير آخر وجود تفسيرات مختلفة في معاني الجريمة و اتجاهاتها و مراميها و اتجاهات التحقيق و الجهات المستفيدة منه. علما أن معظم الجهات السياسية قد اعطت نتائج التحقيق و أصدرت أحكامها على المتهمين قبل أن يباشر التحقيق الفعلي .

الثالث: سياسي: إن الاختصاص المكاني يمكن أن يصبح دوليا بناء لقرار من مجلس الأمن عندما يعتبر أن العمل يهدد الأمن و السلام العالمي أو الاقليمي أو عندما يدخل في الموضوع عنصر أجنبي يقضي ذلك. و هذا ما يتوفر في قضية جريمة اغتيال الشهيد الرئيس رفيق الحريري على سياق القرار 1559 و وجود القوات السورية في لبنان على خلفية الصراع الأميركي- الفرنسي – الإيراني- السوري – الإسرائيلي في المنطقة. و هذا ما نقل التحقيق من يد القضاء اللبناني إلى لجنة تحقيق دولية. نتيجة لما سبق و لأسباب مرتبطة باستنتاجات و بديهيات مسبقة نوه عنها تقرير لجنة التحقيق الدولية تسعى بعض الجهات المحلية و الدولية لفرض محاكمة دولية على فرضية وجود مسؤولية عنصر اجنبي في الجريمة لا يمكن استدراجه إلى محاكمة إلا بقرار من مجلس الأمن لعدم امكان استرداده و محاكمته في لبنان. إلا أنه لا يخفى عن بال المطلع الخلاف الفقهي القائم حول الطبيعة القانونية للوجود الأمني غير اللبناني على الأراضي اللبنانية و طبيعة التكليف الصادر عن الحكومة اللبنانية و وضعيته بعد اتفاق الطائف و التعديل الدستوري. و من المنطق القانوني أن تسير الأمور في نفس السياق. أي أن الوصف و التصنيف الذين حتما اللجوء إلى لجنة تحقيق خارجية دولية يقضيان بإجراء المحاكمة بإشراف محكمة دولية (أو ذات طابع دولي كما يحلو للبعض تسميتها مع تحفظنا على هذه البدعة). ذلك لا يعني أن عودة الملف إلى ربوع القضاء اللبناني المشرف غير ممكنة بل مستحبة، و لكن آلية التنفيذ في حالة ثبات وجود عنصر أجنبي بعيد المنال تعيق ذلك. فمن ينفذ الحكم و أين؟ هنا يكمن جوهر الخلاف!

و لا بد هنا من خواطر شخصية و تعليق عام و مع التحفظ لخصوصيات الجرائم التي تهز جوارح اللبنانيين و محبي السلام، لا يخفى في هذا المضمار الطابع السياسي لأي قرار يصدر عن مجلس الأمن بحق أي دولة عندما تنعدم المساواة و تتعدد المعايير خاصة على خلفية النزاع العربي – الاسرائيلي و الاطماع البديهية في حقول البترول العراقية و الإيرانية و السورية و الخليجية و ازدواجية المعايير فيما يتعلق في حقوق الشعوب في استخدام الطاقات المتوفرة لأسباب مدنية (نتذكر ضرب مفاعل العراق و اليوم تلاحق ايران بينما تنام اسرائيل على ترسانة نووية عسكرية و مفاعل ديمونا بدأ بالاهتراء و يشكل خطرا على الجوار)، ناهيك عما ينشر عن مخطط لتقسيم المنطقة طائفيا. و قرارات مجلس الأمن تبدو للبعض و كأنها وسيلة ضغط ليس إلا و ليس الغاية منها إحقاق حق . فقرارات تتراكم و يخفيها غبار التاريخ دون تنفيذ بحق دول مدللة، و قرارات ترتجل و تفرض و يسلط سيفها على دول أخرى لمآرب سياسية مناوئة و أطماع اقتصادية مستقبلية. فرد فعل الشعور القومي سيغلب على طرف من القضية و يطرح السؤال غير القانوني: هل المحكمة الدولية غاية يراد منها إحقاق حق؟ أم حق يراد منه غاية سياسية؟ من جهة أخرى، و الشيء بالشيء يذكر، هل يسمح للعراق بمحاكمة جورج بوش و اركان حربه على أفعال جيشه في العراق و ما ارتكبه في سجونه و قد دخله بدون اية شرعية دولية؟ و هل يقبل بتطبيق اتفاقية جنيف؟ هل من باب يمكن للدول الضعيفة أن تطرقه لتطلب منه العدالة الدولية طالما أن مجلس الأمن بيد الدول العظمى؟ و متى تنتسب الدول التي يشكو منها العالم إلى اتفاقية روما ليمكن محاسبتها؟ و بأي منطق و من أي منطلق نقنع الأصولية و التطرف العقائدي السائد (أو ما يسميه الغرب بالإرهاب) بجدوى مبادئ الحوار و السلام و العدالة الدولية؟ ألا نذكر كيف باءت محاولات ملاحقة رئيس وزراء اسرائيل شارون بتهمة جرائم بحق الانسانية بالفشل أمام القضاء البلجيكي بعد أن قامت الحكومة البلجيكية بتعديل قانونها لتحول دون ذلك؟ أليست العدالة الدولية في النهاية عدالة المنتصر كما جاء في محاكمات نورمبرغ؟

مراجع

BIBLIOGRAPHIE