عولمة القانون حظوظ و مخاطر
ميراي دلماس مارتي
Mireille Delmas-Marty
Recueil Dalloz 1999, Chroniques p. 43
إن الجنرال بينوشيه متهم بالتعذيب و الخطف و الإبادة أي بتهم يعتبرها القانون الدولي بمثابة جرائم ضد الانسانية و جرائم حرب أي ” جرائم تتصل بالمجموعة الانسانية العالمية و التي لا يمكن أن تبقى دون عقاب” كما نصت عليها مقدمة اتفاقية روما تاريخ 17 تموز 1998 المتعلقة بإنشاء و بنظام محكمة الجنايات الدولية. إن أول طلب لاسترداده جاء من قبل قاض اسباني ثم توالت الطلبات الفرنسية و السويسرية و السويدية. و كان على القضاء الإنكليزي أن يبت بمجموع هذه الطلبات و أن يقر بمبدأ وجود حصانة أو لا و من ثم أن يقبل أو أن يرد طلبات الاسترداد.
إن الظروف و الخصوصيات التي دارت من خلالها المحاكمة تثبت أن عولمة القانون أخذت مجراها. فلكي ترفض حصانة رؤساء الدول الحاليين و السابقين ارتكزت هيئة اللوردات في قرارها تاريخ 25 تشرين الثاني 1998 على المبادئ المنبثقة عن محاكمات نورنبرغ و استشهدت بشكل صريح بمبادئ القانون الدولي كما أفاد اللورد نيكهولس من بيركنهيد Niccholls of Birkenhead بقوله أن القانون الدولي قد ثبت بأن بعض أنواع من السلوك بما فيها التعذيب و حجز الرهائن هي غير مقبولة من أي كان. و هدا ما يمكن تطبيقه على الجميع و بشكل أشد على رأس الدولة، و قول العكس هو استهزاء بالقانون الدولي.
international law has made plain that certain type of conduct , including torture and hostage-taking, are not acceptable conduct on the ârt of anyone. This applies as much to heads o state, or even more so, as it does to every one else; the contrary conclusion would make a mockery of international law”. ( R… v/ Bow St Stipendiary magistrate and others ex parte Pinochet Ugarte – 1998 – 3 WLR 1456).
و لكن يبدو من واقع القضية أنه إذا كان متفق عالميا على وصف و طبيعة الجرائم فأن فكرة عولمة القانون من حيث التنفيذ و العقوبات لم تنضج بعد. إذ أنه عوضا أن يوم قاض إنكليزي بالرد على طلب قاض اسباني وجب أن ينظر في أساس الموضوع قاض دولي، و ذلك عملا بأحكام اتفاقية روما، تكون وظيفته الحكم في قضايا الإبادة و الجرائم المرتكبة في حق الانسانية. و بموجب المادة 13 من هذه الاتفاقية تتضمن هذه الاوصاف كل الافعال المرتكبة بشكل منظم جماعي ضد مجموعة من السكان المدنيين و العلم بها. و تشمل السجن و ما يشابهه من أشكال حرمان الحرية الجسدية حسب ما هو متعارف عليه دوليا، كالتعذيب، الملاحقات و المضايقات، خاصة تلك المرتبطة بأسباب سياسية، و الاخفاء. و لكن إنشاء هذه المحكمة يحتاج إلى موافقة ستين دولة على الأقل لتأخذ حيزها إلى التنفيذ. و يجدر التنويه بأن دولا تمثل نصف سكان المعمورة قد صوتت ضد هذه الاتفاقية منها الولايات المتحدة و الصين و الهند.
في غياب هذه المحكمة و بالقياس لوضعية الملف يكمن الحل الأقل سؤا في إجراء المحاكمة في أوروبا. قانونيا يمكن الاستناد على الصلاحية المبنية على شخصية الضحية و جنسيتها أو بشكل أوسع على الصلاحية العامة. لأن رفض تسليم المتهم يعني عدم العقاب و يشكل تراجعا في مبدأ الجريمة و العقاب الذي يمس المجموعة الدولية.
بالرغم مما سبق فإن قبول القاضي الانكليزي طلب الاسترداد لصالح دولة أوروبية عرضة للانتقاد أيضا. خلال قيامي بمهمة في الارجنتين التقيت بعدد من الحقوقيين و القانونيين الذين يعارضون في مجملهم الجنرال بينوشيه و نظام الحكم الدكتاتوري العسكري الذي تسبب لهم بضرر و ملاحقات شخصية مباشرة، و يتهمون بينوشيه بدعمه لانكلترا ضد الأرجنتين ابان حرب المالوين. و بالرغم من ذلك فإن غالبيتهم تعارض طلب استرداده الذي يبدو و كأنه يعطي أفضلية و أحجية للشمال على الجنوب أي لأوروبا على أمريكا الجنوبية. و يطرح العديد منهم السؤال المعاكس : هل يمكن تصور الأرجنتين تحاكم السيدة تاتشر للجرائم التي ارتكبتها أثناء حرب المالوين، هل تقبل فرنسا أن يحاكم رجالها في أفريقيا عن جرائم مسئولين عن ارتكابها أثناء الاستعمار و حرب التحرير؟ يضاف إليه أن فكرة إجرا المحاكمة في اسبانيا البلد المستعمر القديم تبدو مصدمة. هذا السلوك لا يعني رفض الأرجنتين لمبدأ عولمة القانون بالنسبة لهذا النوع من الجرائم (بالعكس لكون الارجنتين من الدول المؤيدة بحماس لفكرة المحكمة الدولية في روما)، و إنما ينبي عن قلق من فكرة و مفهوم الهيمنة و التسلط conception hégémonique .
و السؤال الحقيق يكمن في هذا الطرح. إذا اصبح القانون عالميا بشكل غير منظور و متقطع، ينبغي التساؤل عن كيفية و طريقة تطوره و عن تقييم حظوظه و مخاطره.
1- المخاطر أولا:
لا نعني هنا بصفة خاصة المخاطر الاقتصادية التي ينقسم بعض الأخصائيون حولها، باعتبارهم أن العولمة الآقتصادية يرافقها ازدياد الخلل في التوازن و المساواة الاجتماعية سواء في الدول الغنية أو في معظم الدول الناشئة بما فيها الدول الصناعية الحديثة. و لا نقصد أيضا المخاطر الثقافية ، و فقدان الهوية عبر توحيد المراجع على صعيد المعمورة، و لا نعني بالمقابل مخاطر الانطواء و الصراع الثقافي أي ما يسمى بصدام الحضارات choc de civilisation و مضافا إليه ما هو أخطر أي صراع الديانات.
و لو تم حصرها بالمخاطر القانونية فإن فكرة قانون عالمي مثيرة للقلق. تقلق أولا الحقوقيين الذين اعتادوا النظر إلى القانون من خلال دولة منشئه، و تقلق ثانيا المواطنين المنتمين إلى عالم لا تحترم بعض الدول فيه و المنظمات الدولية المبادئ الديمقراطية . و بالعودة إلى قضية بينوشيه كيف يمكن القبول باسم مبدأ الصلاحية الشمولية compétence universelle أن يقوم قضاة كافة الدول بالنظر و الحكم في جرائم دولية بدون حد أدنى من الضوابط و الضمانات؟ ضمانات متعلقة بأصول المحاكمات بدئا بحق الدفاع و بضرورة وجود محكمة مستقلة و منصفة و متجردة. ففي الواقع إن الشك في تجرد أحد قضاة الدرجة الأولى هو ما برر قرار مجلس اللوردات الصادر بتاريخ 17 كانون الأول 1998 بإلغاء الحكم الصادر ضد بينوشيه: the important principle is justice, not revenge . ضرورة وجود ضمانات في الأساس أيضا كمبدأ عدم رجعية قوانين العقوبات المتشددة و الأشد وطأة . إن ضعف هذه الضمانات تساهم في خلق ما سماه أحد المعلقين بعدالة الكاو بوي.
في الوضع الراهن لا يكتفى بطرح الموضوع في الحقل الجنائي فحسب، بل إن مجموع قواعد القانون الدولي، أكان جنائيا أو لا، تكاد تقع في خطأ التسلط على حساب النظام الحقوقي الذي يقضي بعدم وجود تناقضات في فكرة العولمة و مسارها و انسجام المعايير المستخلصة منها. و هذا ما يتناقض مع ما يحصل.
1- إن التناقضات كثيرة و شاسعة بين المفهومين الأساسيين للعولمة المعاصرة أي العولمة الاقتصادية من جهة (التي تتميز بتوجه لتوحيد المعايير بشكل مهيمن tendance à l uniformisation de type hégémonique ) ، و من جهة أخرى شمولية مبادئ حقوق الانسان universalisation des droits de l homme التي تواجه بالمقابل خطر الانفلاش و التجزئة.
فمن الجهة الاقتصادية، إن التقنيات القانونية التي تؤدي إلى الهيمنة متعددة بشكل أن كل من الدول العظمى ساهمت فيه بدئا بالدول المستعمرة مرورا بالاتحاد السوفييتي وصولا إلى الولايات المتحدة الأمريكية الآن.
أول شكل من أشكال التقنيات القانونية المستعملة هو لا حدودية القوانين الوطنية extraterritorialité . هذه الممارسة التي يمكن أن تبدو مشروعة إذا كان القصد منها معاقبة فعل يترتب عنه آثار مباشرة مهمة في الدولة المعنية و لو أنه ارتكب من قبل أجنبي في بلد أجنبي، تصبح غير مشروعة و مناقضة لمبادئ القانون الدولي في الحالات العادية المطلقة. نذكر على سبيل المثل هنا قوانين الحظر الأمريكية الصادرة عام 1996 التي حرمت التجارة مع كوبا ( قانون هلمس بورتون) و مع ليبيا و إيران (قانون داماتو كنيدي). إن الحظر هذا الذي يرافقه عقوبات يطول الشركات في العالم كله. إن الهدف المعلن من هذه القوانين هو تشجيع ديمقراطية النظام فيما يتعلق بكوبا و محاربة الإرهاب فيما يتعلق بإيران و ليبيا. و لكنه يبدو من الصعوبة القبول بالتفسير و التعليل الأمريكي لهذين القانونين و لآثار أسبابهما على أراضي الولايات المتحدة من وجهة نظرية الأسباب و الآثار. فمن الصعوبة دعم القول أن لاستثمار بترولي تقوم به شركة أجنبية (غير أمريكية) في ليبيا أو إيران علاقة بالولايات المتحدة و أن له آثار على أراضيها[ Stern V.B. Vers la mondialisation juridique, RGDI, publ. 1996, p. 4,
Gherari H. et Szurek S. Sanctions unilatérales, mondialisation du commerce et ordre juridique international, Montchrestien, 1998 ]. في الحقيقة إن هذا النوع من لا حدودية القانون تؤدي بشكل رئيسي إلى عولمة القانون الأمريكي.
إن الهيمنة يمكن أن ترتدي ثوبا آخر يتمثل بتصدير قوانين وطنية معينة جاهزة للتطبيق codes clés en mains و هذا ما حصل خاصة في دول المعسكر الإشتراكي. حللت عالمة إجتماع أمريكية هذه الممارسة explicit selling و انتقدتها بشدة إذ اعتبرت أنه يمكن تحديد و فرض الشكل الثقافي و الاقتصادي و الاجتماعي لشعب و أمة ما من خلال ايراد النظام القانوني الذي يؤثر على تنظيمها الاجتماعي بأسره و ذلك دون الحاجة لاحتلال الدولة أو للاستثمار في عملية تطويرها الاقتصادي و الاجتماعي[Silbey V.S. let them eat cake : globalisation post modern colonialism and the possibilities of justice, Law and Society review, 1997, p. 204 ].
يجب التذكير بأن العديد من الدول يقوم على جذب المستثمرين من خلال اعتماده تشريعات أكثر تشجيعا و حماية لمصالها الخاصة. هذا الاستعمال للقانون في خدمة السوق العالمي (الاستثماري) يؤدي إلى أن يصبح أداة لخدمة المصالح المالية بشكل مميز[Couret V.A., la dimention internationale de la production du Droit : l’exemple du droit financier, in les transformations de la régulation juridique, direction Clam J. et Martin G., LGDJ, 1998 p. 197, Frison-Roche M.A., le cadre juridique de la mondialisation des marchés financiers, Banque et Droitr, mai-juin 1995, p. 46 ]، مع العلم بأن القانون هو من حيث المبدأ أحكام وطنية عامة ملك للدولة التي أصدرته و لو أنها تفضل و تشجع المصالح الخاصة بالمستثمرين. هناك نوع آخر من الهيمنة الأكثر فعالية و تأثيرا ألا و هو انفلات النظام الحقوقي الدولي و ضعفه أمام حاجات السوق العالمي و ظهور مراكز و تجمعات تخضع لقانون السوق و لحاجات رأس المال و متطلباته دون غيره، مما حدا ببعض المحللين إلى القول بأن السوق يحل مكان الأمم و يفرض نفسه على الدول و يصبح قانونا مستقلا[Mazères J.A., L’un et le multiple dans la dialectique marché-nation, in Marché-Nation, regards croisés, direction Stern B. , Montchrestien 1995, p. 146 ].
من جهة حقوق الانسان إن المنهجية مختلفة. لا يمكن تجاهل المعارضة و الاحتجاج الذي يلقاه الاعلان العالمي لحقوق الانسان لعام 1948 من قبل من يرى فيه نوعا و مظهر آخر من التسلط و الهيمنة الثقافية الغربية. و لكن الاعضاء الثمانية عشر الذين يشكلون هيئة حقوق الانسان ينتمون إلى حضارات متعددة، و بالرغم من بعض التأثيرات الغربية التي نفحها وجود اليانور روزفيلت و رينيه كاسين، فإن النص النهائي لا يعبر عن رغبة تسلط و هيمنة لا بل العكس فإنه يعرض فكرة شمولية عامة تعترف بكافة الثقافات بقدر ما تعبر هي بنفسها و تعترف بالمساواة و العدالة فيما يتعلق بالحق و بالكرامة الانسانية. في الحقيقة إن التعددية في قواعد حقوق الانسان تؤدي إلى مخاطر التشرذم و التفرقة أكثر منها إلى مخاطر الهيمنة و التسلط. و هذا ما يمكن ملاحظته من مختلف التقنيات القانونية و الحقوقية.
أولا التمييز: لا يوجد في الاعلان العالمي لحقوق الانسان تفريق أو تفضيل أو هرمية بين الحقوق المدنية و السياسية من جهة و الحقوق الاقتصادية و الثقافية و الاجتماعية، فشمولية حقوق الانسان تستند إلى وحدتها. و تبع هذا الاعلان العالمي شرعتان صادرتان عن الأمم المتحدة عام 1966 تتناول الأولى الحقوق المدنية و السياسية و الثانية تشمل الحقوق الاقتصادية و الثقافية و الاجتماعية و غيرها. و لكن عدد كبير من الدول لم تبرم بعد هاتين الشرعتين. فمنها من يفضل الاولى على الثانية و بالعكس. و هذا ما يؤدي إلى ازدياد الخلاف و التفرقة و تشرذم الحقوق خاصة في غياب وسائل الرقابة و تناقضها. إن آلية الحقوق المدنية و السياسية أكثر تطورا من آلية الحقوق الأخرى. و يمكن استنتاج ذلك على صعيد الأمم المتحدة كما يمكن ملاحظة ذلك على الصعيد الأوروبي. فمحكمة حقوق الانسان الأوروبية تختص في النظر بالقضايا المتعلقة بالحقوق المدنية و السياسية، و لكنها تحاول أن تتناول الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية بطريقة غير مباشرة كفرض وجود محاكمة عادلة و متوازنة بتقديمها مساعدات قضائية و عن طريق رفض التمييز على صعيد الحقوق الاجتماعية. مع العلم بأن إمكانية اللجؤ إلى المحكمة الأوروبية في حال خرق الحقوق المعلن عنها في الشرعة الاجتماعية الأوروبية ما زات مشروعا قيد الدرس.
و ثانيا، يعود هذا التشرذم أيضا إلى ظهور أدوات اقليمية في موضوع حماية حقوق الانسان. إن التوزع الاقليمي ليس متناقضا مع فكرة الشمولية و العالمية بقدر ما يوجد تطابق عام بين النصوص. فالاتفاقية الاوروبية لعام 1950 و الاتفاقية الأمريكية لعام 1969 و الشرعة الأفريقية لعام 1981 و أخيرا الاتفاقية العربية لحقوق الانسان الصادرة عام 1994 تشير كلها إلى الاعلان العالمي لحقوق الانسان. و لكن مقارنة النصوص قد تظهر بعض التناقضات. فمضون الشرعة العربية ذات الطابع الديني يبدو غير منسجم مع مضون الشرع الغربية العلمانية. يضاف إليه غياب أداة و وسائل المراقبة في الشرعة العربية و عدم كفاية مضمون الشرعة الأفريقية.
و أخيرا يوجد طريقة ملتوية تؤدي إلى تشتيت مبادئ حقوق الانسان و هي القيام بتأميمها وطنيا عن طريق وضع تحفظات بوجهها لدى المصادقة عليها و إبرامها. ليس المقصود هنا التحفظات التي تتناول الحقوق الاساسية لأن الغرض من هذه الشرع هي إيجاد قاسم أدنى مشترك من الحرية و حماية الأفراد، أي جميعهم متساوون بالكرامة و الحقوق أينما وجدوا. خلاف ذلك فإن التحفظات مقبولة مع العلم أن المحكمة الأوروبية تراقبها بشدة و تعطيها تفسير محدود جدا. و يبقى أن يتمكن الفرد من طرح السؤال و عرض الموضوع و هذا غير متوفر في الدول التي لم تقر بحق الفرد بإثارة الموضوع و المقاضاة فيه فرديا. في هذا السياق نذكر بأن الولايات المتحدة واكبت إبرام شرعة الأمم المتحدة المتعلقة بالحقوق المدنية و السياسية بمجموعة من التحفظات و الإعلان عن تفسيرات و اجتهادات خاصة فيما يتعلق بعقوبة الإعدام التي اعتبرت أنها تنطبق على القصار و فيما يتعلق بالتعذيب بقولها أن النص يفسر انسجاما مع الدستور الأمريكي.
من هنا إن التناقض بين آليتي العولمة الهادفة من جهة إلى شموليتها و من جهة ثانية إلى تفتيتها و شرذمتها يؤدي إلى تناقضات على الصعيد التشريعي normatif incohérences au plan.
2- إن التناقضات تنبع أساسا من ظاهرتين: في بادئ الأمر يعود ذلك لمصادر التشريع. إن القانون العالمي من كل حدب و صوب أكان المرجع و المصدر عاما أو خاصا. لإي مجال التجارة الدولية نلاحظ تجاوز القوانين الوطنية المحلية لصالح قانون التجار lex mercatoria و هذا ما يعتمده و يطبقه المحكمون. بعدما كانوا مجرد موكلين عن التجار أصبح المحكمون قضاة حقيقيين مستقلين، متشاركين مع القضاة الرسميين بشكل أدى إلى تقارب بين العدالة العامة و العدالة الخاصة. بشكل مواز يمكننا ملاحظة أهمية القوننة الخاصة، و انتشار قواعد اللباقة و حسن سلوك المشلريع و الشركات، يضاف إليها المبادرات الخاصة فيما يتعلق بتنظيم العلاقات الاجتماعية. و هذا ما يستنتج مما جاء في دراسات حديثة لمكتب العمل الدولي إذ قال أنه في نظام اقتصادي معولم، يبدو ظهور دور المشاريع و الشركات في الميدان الاجتماعيي و كأنه إنتقال للسلطة من الدولة الأم إلى المشاريع الخاصة و المتعددة الجنسيات، و ينبي بانحدار أثر و أهمية الدولة و المنظمات العمالية المحلية في سوق يتطور بشكل مستمر.
و عندما تتدخل الدول فيكون ذلك على أصعدة تشريعية متعددة تتناقض و تتنافس فيما بينها. فمثل قضية بينوشيه يبرز في الحين نفسه أهمية المحاكم الوطنية و ضرورة الاسترداد أي ضرورة التعاون القضائي الدولي. إن إنشاء محكمة الجزاء الدولية يضع هذا الموضوع في رتبة فوق القوانين supranational دون نكران دور الأخرى لأن مقدمة إنشاء هذه المحكمة تشير إلى أنها مكملة للمحاكم الجزائية الوطنية. و لإكمال الصورة وجب التذكير أيضا بأن الاختصاص يمكن أن يكون موزعا داخليا infranationale إذا أخذنا بعين الاعتبار القوانين الاقليمية الوطنية، أو دوليا أي منبثق عن منظمة دولية أو اقليمية.

