في سبيل عقلنة االلاعقلانية 3

في سبيل عقلنة اللا عقلانية

“يخطئ من يعتقد أن الميثاق أقام اتحادا داخليا بين عنصريتين مختلفتين تجاور الواحدة أختها إذ تعيشان في منزل واحد و لكن تنتظر كلاها يوم الانفصال بشوق…”. بهذه الكلمات قدم فيليب تقلا كتاب حقائق لبنانية للشيخ بشارة الخوري. فهل يمكن الاعتداد بهذه المقولات اليوم و هل في الأفق السياسي ملامح رؤى متباعدة و أو متناقضة بين أجنحة الطائر اللبناني؟

إن استعراض ما جرى منذ بدء الحوادث المؤلمة عام 1975 حتى تاريخه و التي مزق فيها الرصاص الغلاف الاصطناعي الذي كان يغلف العلاقات السياسية و الاجتماعية المبنية على واقع الحال و مجاملات فوقية تستجيب لها فئة من اللبنانيين حفاظا على مصالحهم، يكشف تناقضات أقوى من العرى التي تشد بالمواطنين إلى التعلق بالوطن و ما يمثله بالنسبة لهم.

و اليوم و بعد مرور نيف و عشرين عاما على انتهاء الحرب البغيضة يظهر المثال الأكبر على هذه التناقضات العميقة و التي تمثل صراعا لا بين طوائف و مذاهب و لا بين طبقات اجتماعية و اقتصادية من أبناء المجتمع فحسب، بل تبرز أيضا صراعا بين قوى العقل و الأخلاق و التفكير و التي تطمح إلى العمل من خلال برنامج و رؤيا واضحة لبناء مستقبل وطن عن طريق تجمعات و مؤسسات دستورية و بين قوى تنظر إلى العمل السياسي من زاوية الطموحات الشخصية تحت ستار تسميات مختلفة كالاحزاب او التيارات ضمن بازار المقايضة و البيع و الشراء. و يتجاوزه ليشمل شريحة كبيرة من المواطنين الذين أعياهم غياب الخطاب السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي المقنع فرضخت لشروط البازار الجديد يحثها على ذلك الوضع المالي و المعيشي و الانفعال الغريزي و المذهبي و التعلق الشخصي لعديد من أبنائها.

و عليه نجد نفسنا أمام تقسيم جديد قوامه طبقتين من المواطنين: طبقة قليلة تجاهد لرفع مستوى العمل السياسي الفكري و الأخلاقي و لكنها تبدو و كأنها طائر يغرد في غير سربه، و طبقة تصطف في طابور البازار لتقايض قناعاتها و حريتها بشكل لا عقلاني. و نتساءل أمام الخطاب السياسي المنغمس في المهاترات العاطفية و الانفعالية الغريزية، أين برامج التطلعات المستقبلية و خطط التشريع الإنمائية و التطورية؟ ما هي خطط الإصلاح الاقتصادي المنشود ؟ من حق بعد الأحزاب التباهي بأفكارها و برامجها الاقتصادية. و لكن لماذا تبقى هذه البرامج لتزين صفحات المجلدات و صالونات الحوار و لا تدخل إلى حيز العمل الجدي عوض التلهي و الانشغال بنزوات و متاهات السياسة الخارجية و الغريزية و الفئوية فحسب ؟

إن الظاهرة الفئوية أخذت تأخذ طابعا خطرا على مصلحة الوطن و مستقبل الشعب، و بات من الواجب معها لجم هذا الاندفاع اللا واعي و ردع الانزلاق في مهاو الخطر المحتم. هذا الخطر الذي يبقي على الجاهل الذي يسلط سيف الارتباط اللا عقلاني على الإنسان البريء.

لاتقاء هذه الكارثة من الضروري تحليل أسبابها الاجتماعية. و الحلول الممكنة تكمن في رفع مستوى العمل السياسي إلى مصاف الدول الراقية و أن يقوم التمثيل على أسس جماعية و حزبية مدعومة بخطط عملية آنية و طويلة المدى ملزمة كبرنامج للعقد التشريعي. و لكنه من المؤسف أن هذا المفهوم لا يجد له صدى لدى أكثرية مرشحي و فائزي الهيئة التشريعية لأسباب نفسية و شخصية و لارتباطات مالية و سياسية اقليمية و عاطفية آنية، و لافتقاد معظم هؤلاء السياسيين إلى الروح القيادية إذ ينقادون لهوى الشارع مهما كان خطأه عوضا عن قيادته إلى السراط القويم. يضاف إليه إن هذا الموضوع لا يعالج و لا يفهم من قبل الجمهور لان قالبه العلمي الفكري و العقلاني يحتاج إلى شروط غير متوفرة في المعطيات الفكرية التي تتحكم في مجتمعنا المعاصر. فإذا كان على المواطنين أن يجيبوا على السؤال المتعلق باختيارهم و بمصيرهم و بما يحاك لوطنهم و لمنطقتهم فذلك لن يحصل إلا في التحليل الأخير أي حين يصبحون أحرارا فكريا في استنباط تصورهم و تطلعاتهم الخاصة و العامة. و ما داموا محرومين من الاستقلال الذاتي الحقيقي و خاضعين للتطرف الفكري و السلوك اللا عقلاني في الفعل و رد الفعل, فإن الجواب الذي يقدموه لهذا السؤال لا يمكن أن يعتبر جوابهم. فالحرية الإنسانية العقلانية لا تقاس تبعا للاختيار المتاح للفرد, و إنما العامل الحاسم الوحيد في تحديدها يكمن فيما يستطيع الفرد اختياره بكل تجرد، أي ألا يكون الاختيار بين طرفي نقيض مفروضين عليه. إن حرية المواطن تكمن في حرية اختيار الطريق الثالث أي طريق اللا الرافضة لكل الأشكال اللا حضارية المتخلفة التي تشدنا إلى الوراء.

و إذا كان الواقع قد قمص دور الفكر فهذا لا يعني أنه لم يعد هناك فكر. إن بعض مظاهر العقول اللا عقلانية تلك التي تعمل كما في السابق لصالح الواقع المتردي الذي تنهل منه ماء فسادها هي التي تحول دون نشأة و تطور الفكرة الثالثة الدفينة في أعماق الكثيرين من المؤمنين بكل مقدسات الإنسان في الحياة الحرة. و هؤلاء لا يجرؤ ون على المجاهرة بها أو المغامرة في اختيارها بسبب فقدان الثقة و انعدام التنسيق و لخشيتهم من رد فعل الجمهور.

إن وفاقنا على وطن أسمه لبنان و على أن يعيش كل مواطن فيه بحرية و كرامة و بأمل في مستقبل لأبنائه لهو من بديهيات الحياة. و لا أخال لبنانيين يختلفان عليه. و لكن وهم الوفاق الوطني السياسي الذي يتحدثون عنه فهو سراب يجول في مخيلة القادة و الناس. كيف نتحدث عن الديمقراطية و حرية الرأي و لا نقبل باختلاف الرأي و وجود سلطة ديمقراطية و معارضة؟ هل نسينا الصوت الواحد الذي نقل بنا من النهج الشهابي إلى الحلف الثلاثي؟ هل ننسى نسبة الواحد بالمائة التي نقلت فرنسا من اليمين الديغولي إلى الاشتراكية (و العكس) ؟ و هل تختلف الطوائف و التيارات على تحقيق البحبوحة و الاستقرار و العيش الكريم للمواطن اللبناني؟

إن أقصى مظاهر اللا عقلانية اليوم أن يقوم المسؤولون و المشرعون بمخالفة ما هم مؤتمنون عليه أي مبادئ القانون و الشرعية، و أن يقوم المواطنون بخرق الأنظمة المنصوص عنها لحماية حق و حرية الفرد و المجتمع مغلبين الأنانية الفردية على المصلحة العامة بدئا من قيادة المركبات في الشارع مثلا. إن تدخلهم و تصرفهم اليومي لمخالفة القواعد النظامية و الأخلاقية للمجتمع جريمة ترتكب بحق العدالة و المساواة و الحرية و الديمقراطية و حقوق الانسان. و إن اللا عقلانية و الجهل اليوم توأمان. فكيف التحدث عن حق الانسان و الحرية و الديموقراطية و الكل يساهم في دفنها كل يوم ؟ و الجميع شركاء في الجرم.

إن جنون المجتمع عامة يخفي غباء الأفراد و يجعل من الجرائم المقترفة بحق الإنسانية و الحضارة جزءا من الواقع اللاعقلاني. و إذا كان الناس المكيفون مع هذا الواقع الأليم مستعدين لأن يحيوا حياة هم فيها دوما في حالة غياب و عدم مسؤولية و بدون هدف عقلاني مستقبلي حضاري فلا محيد لنا من الاعتراف بأنهم يسلكون سلوكا انتحاريا في حضرة عدو حقيقي ألا و هو الجهل و التخلف. و من المضحك المبكي أن الجهل و اللا وعي سائدان لدرجة تزدهر معها كل النزوات العصبية و الغريزية . فأصحاب المال و النفوذ الشخصي أو السياسي أو المذهبي يرمون بالمواطنين في مجاهل النزوات الغريزية و الحاجات الملحة ليسخروهم لخططهم المكبوتة فتصبح الجماهير الكادحة المتألمة المخدوعة بالشعارات و الآمال البراقة تلتوي في كل مكان بنار الواقع و المشاكل الآنية-السرمدية و التي ليس لها فيها من عدو سوى السادة الذين يستغلون بمهارة السلطة و النفوذ و ضعف النفوس و الحاجة. و في نهاية المطاف يعتقد المرء الذي يندفع بقواه لمناصرة زيد من الناس أنه يناضل من أجل عقيدة و هو في الواقع يتبع مطامع رجل و حاشيته، و يعتقد بأنه يكافح من أجل قضية و هو في الواقع يساهم في إثراء و إرضاء مستغل يعزز نفوذه و يرضي أنانيته الشخصية و يخدم من يدور في فلكه و مخططات أبعد من مصالح وطن.

إن كل المظالم المقترفة من قبل و بحق اللبنانيين تسوى اليوم ضمن لعبة لا عقلانية. فيغيب عنها الفكر و انتماء الإنسان إلى حق بديهي من حقوقه كالنظام و العدل و احترام الحرية و المواطنية والقانون و بيئة سليمة. و من المؤسف ألا يوجد للشعور بالذنب و الخطأ و الحساب مكان في ذهن المواطن في هذا المجتمع العجيب أكان ذلك في سلوكه الذاتي اليومي أم في تقييمه لممارسات القيمين عليه. و عندما تكون كل ممارسة بمثابة لعبة و شطارة لا تكون هناك مسئولية و لا عقاب: فهذان هما تقيمان شخصيان ينبعان من قناعة المجتمع و أخلاقه.

إن معالجة الأوضاع هذه تفرض التغلب على آثار التخلف و تحرير الفكر من المعتقدات الاجتماعية البالية و الممارسات اللاحضارية و تحرير العقل من أغلال الجهل و اللا عقلانية و التسلح بجوهر الإيمان بمعناه الفكري السماوي الاخلاقي الراقي الخلاق دون التعصب, و عبر حركة الحضارة الفكرية يقوى الإنسان على واقعه المشين و يرقى إلى مرتبة تليق بخالقه و ما يميزه عن المخلوقات.

إن تحرير الإنسان في هذا الوطن يفترض إبطال كل مظاهر الحرية و الديمقراطية الزائفة و الترقي في قرار الخيار إلى مستوى المسؤولية الفردية الحرة بعيدا عن مظاهر الغنى الفاسدة و الاستغلال المعيشي و العصبية الغريزية و ضمن إطار من حقوق الانسان العامة و الخاصة. إن أولى مهمات أي حكم عتيد إصلاح و تحديث أجهزة الدولة و تقويم الاعوجاج الاقتصادي و التخطيط لاستقرار اجتماعي و رسم أفق وطن آمن و مستقر للجميع. و لقد أصبح من الضرورة القصوى القيام بورشة اصلاح جذرية تربوية و علمية تقنية و أن نطلق عجلة القطار الاقتصادي لتحصين الوضع الداخلي و لتحفيز الاستثمار و حماية المؤسسات الاقتصادية من الانهيار و التداعي الوشيك.

قد يتراءى للبعض أن رياح التغيير القادمة تحت بعض الشعارات الطنانة الرنانة قد تجلب بعض الخير لوطننا و لمنطقتنا. ربما إذا كانت النيات حسنة من جهة، و احسنا التحضير لها و التعامل معها، من جهة أخرى. و لكن لنتنبه و لا نخدع. مرة أخرى يأتي هذا التغيير مستوردا و مفروضا و غير صادر عن مبادرة و عن إرادة و قناعة وطنية و نتيجة لممارسة حوارية ديموقراطية سليمة، و قد يؤدي إلى وصاية خفية جديدة. و هذا دليل على تقصير و خنوع وطنيين و على عدم نضوج الفكر السياسي و الاجتماعي و العقائدي لدى البعض من اللبنانيين و يشكل هروبا إلى الأمام، عوضا عن التحاور بكل جرأة و ندية بغية التوصل دون مواربة و نفاق إلى القواسم المشتركة التي تحترم كل فكر و خصوصيات كل عقيدة و ترسخ الحكم على اسس ديمقراطية علمية لا تختلط فيها النزوات و العصبيات و تحترم حقوق الانسان المواطن المطلقة. ناهيك على أن من يريد أن يعطي لبنان دروسا بالقيم و الديموقراطية أن يبدأ بنفسه مرورا باحترام مبادئ حقوق الانسان و شرعة الأمم المتحدة و تطبيق قرارت مجلس الأمن و المصادقة على اتفاقية روما و اتفاقية كيوتو و مراعاة العدالة الدولية و الامثلة لا تحصى هنا. و لا يغيب عنا أن عدالتهم و ديموقراطيتهم ذات وجهين.

يضاف إلى ما سبق أنه يجب التنبه إلى أن أي حل يخطط له بالنسبة لدول المنطقة ينطلق من مركزي ثقل. أساسهما اولا: تأمين سيطرة قوى عظمى على مصادر الطاقة، لذلك، فالهدف النهائي و المرسوم مسبقا برأيي هو ضم منطقة الشمال حيث تتواجد حقول النفط السورية بشكل او آخر إلى المنطقة الكردية حيث تسيطر الشركات الأميركية و الدائرة في فلكها على استثمار الآبار فيها، و ثانيا: تأمين مصلحة الدولة العبرية و استقرارها و توسعها الجغرافي و الديموغرافي و الاقتصادي. أما مصلحة الشعوب الأخرى القاطنة في المنطقة و استقرارها فموضوع فيه نظر ، و الصحراء شاسعة…. و شبح تقسيم المنطقة يصبح حقيقة يوما بعد يوم…

فأين هي مصلحة اوطاننا و شعوبنا و مجتمعاتنا و طوائفنا أمام كل هذه التحديات ؟ و ماهي الرؤيا و البرامج الاجتماعية و التطلعات المستقبلية الوطنية و القومية لمختلف الأحزاب و التيارات ؟ أليس أحرى بنا أن نجلس و نتحاور بعمق و مسؤولية و عقلانية في مستقبل هذا الوطن ضمن رؤيا موضوعية تعي المعطيات الجيوبوليتيكية و الجغرافية و الاقتصادية و السياسية العالمية فنحصن الجبهة الداخلية و نثبت دور لبنان الاقليمي و الدولي ضمن إطار النظام العالمي الجديد و بغية مواكبة تحديات العولمة قبل أن يجرفنا التيار الخارجي الجامح ؟ اين هي الرؤيا المستقبلية لممثلي و قياديي هذا الوطن. الا يكفي جلوسا و انتظارا….. كتب والتر بنجامين في القرن الماضي: ” أن الأمل لم يكتب لنا إلا بسبب أولئك الذين هم بلا أمل…” و كم من حضارات ارتفعت و من امبراطورية هوت و ديكتاتورية سقطت على مر العصور و التاريخ. و يبقى على الشعوب العقلانية الحرة أن تتحرك و تقر ر

فواز سالم كبارة
محامي
استاذ جامعي