شركات الأوف شور و القابضة

شركات الأوف شور: الحقيقة و الأوهام

قامت مجموعة التحقيق الصحافية الدولية (ICIJ Team) بإختراق مكاتب أحد المحامين في باناما (Mossack Fonseca) و استحصلت على ما يناهز مليون وثيقة تتعلق بشركات أوف شور و حسابات مرتبطة بأصحابها. و لما كان موضوع شركات الأوف شور يثار بشكل شمولي بوليسي يثير الشك و الريبة و يبعده عن موقعه القانوني و العملي، دفعني قلمي إلى الكتابة عنه بغية توضيح ما تيسر لي من معلومات لوضعه في نصابه الحقيقي. فما هي شركات الأوف شور؟
إن شركات الأوف شور بمعناه الشمولي العام كما هو متعارف عليه دوليا هي شركات تنشأ بموجب قوانين دول معينة و لكنها ليس لها أي علاقة إقتصادية مباشرة معها أي لا تعمل فيها. أي أنها ليست كما تحاول صحافة الإثارة تصويره بكونها شركات وهمية بل هي شركات قانونية مسجلة في الدول التي تنص قوانينها على وجودها و على طبيعة عملها (عدم المزج بين هذا التعريف العام و الشركات التجارية التي يطلق عليها إسم أوف شور كما ينص عليها القانون اللبناني كما سنرى فيما يلي). و الفكرة من إنشائها جلب عدد من المستثمرين و التجار الدوليين و مقدمي الخدمات و حثهم على تأسيس هذا النوع من الشركات في أراضي هذه الدول بغرض تحصيل ضرائب و رسوم سنوية رمزية و أتعاب يستفيد منها مديرو و محامو و محاسبو و موظفو هذه الشركات. كما أن قيام بعض هذه الشركات و القيمين عليها بالإقامة في أراضي هذه الدولة أو استئجار مكاتب فيها يحرك العجلة العقارية و السياحية و الاقتصادية فيها. و من الطريف أن العلامة فرنون من جامعة هارفارد الذي أطلق على هذه الدول لقب الجنات الضريبية (tax heavens) بالنظر للتسهيلات الضريبية التي تقدمها أظهر في إحصاء أجراه مطلع الثمانينات أن عدد هذه الشركات المسجلة في هذه الدول يتجاوز بأضعاف عدد سكانها الأصليين. و من الملاحظ هنا هي أن معظم هذه الدول تدور في فلك الدول الأنكلوسكسونية و هي: باهاماس، فرجن آيلاند، جبل طارق، هونغ كونغ، قبرص، باناما، ساموا، ولاية ديلاوير في الولايات المتحدة الأمريكية، يضاف إليها لوكسامبورغ، ليشتنشتاين و فادوز. مما يطرح السؤال حول سبب سماح الدول الكبرى كالولايات المتحدة و بريطانيا و ألمانيا لهذه الدول التي تدور في فلكها في أن تصدر هذه التشريعات و عن مصلحتها فيها! و من الملاحظ أن الدول التي اصدرت التشريعات المتعلقة بهذا النوع من الشركات و المؤسسات هي دول صغيرة تعتمد على الخدمات و السياحة و تحتاج إلى خلق فرص عمل. و عادة تتسم المعلومات المتعلقة بتاسيس هذه الشركات و بالمستفيدين منها أي المالكيين الحقيقيين بالسرية المهنية. لذلك جاء اختراق معلومات مكتب المحاماة و دخول بنك المعلومات بمثابة مخالفة للقانون المحلي الذي يحمي خصوصية و سرية هذه المعلومات. و لا شك أن وجود أسماء لامهة و مهمة من بين زبائن هذا المكتب جعل للحدث وقعا مدويا و خلق نوعا من الاثارة. و لكن هل ارتكب هؤلاء الأشخاص جنحة شائنة من خلال تأسيسهم هذه الشركات؟
المشكلة لا تكمن في طبيعة هذا النوع من الشركات و قانونيتها بل في طريقة استعمالها و غايتها و مصادر الأموال التي تستخدمها. لذلك سأبدأ بعرض الواقع القانوني لهذه الشركات و الغاية الأساسية و العملية من تاسيسها و سأعرض سوء استعمالها و مصادر تمويل البعض منها. كما أن استعمالها يختلف بين الأفراد و بين المجموعات الاقتصادية و هذا ما سأخلص إليه مرحلة أخيرة. و هذه التسمية العامة لشركات الأوف شور يمكن أن تطلق على عدة أشكال قانونية: فهي يمكن أن تكون شركة مساهمة (Joint stock co. Or shareholding co.) أو شركة محدودة المسؤولية (limited liability co.) بحسب النظام الأنكلو سكسوني (المتبع في الدول ذات النظام الانكليزي و الأمريكي) أو على شكل مؤسسات إئتمانية (trust, fiduciary) أو صناديق مالية (funds). و لكل منها غايتها و وظيفتها و طريقة عملها. و في الشركات المساهمة و المحدودة المسؤولية (بحسب النظام الأنكلوسكسوني) يمكن التحدث عن نوعين من الشركات: شركة الأوف شور التجارية (Off Shore co.) و الشركة القابضة (Holding co.).
1) شركة الأوف شور التجارية: هي شركة مساهمة تؤسس في دولة يسمح قانونها بتأسيس هذا النوع من الشركات، الهدف منها القيام بعمليات تجارية و استثمار و تملك و تقديم خدمات خارج هذه الدولة. و لهذه الأسباب و لكون هذه الشركة لا تقوم بأعمال تجارية و مالية و خدمات ضمن أراضي هذه الدولة فهي تحظى بإعفاءات ضريبية و تسهيلات مختلفة تقدمها هذه الدولة. مثال ذلك دولة قبرص التي سمحت للمصارف العالمية بتأسيس فروع (أوف شور) لها في أراضيها تتعامل مع دول العالم كله باستثناء قبرص بشروط تشجيعية مما سمح لها بتحصيل حد أدنى من الضرائب غير المتوقعة و تشغيل آلاف المواطنين القبارصة و تحريك العجلة الاقتصادية و العقارية المحلية. كما أن عددا كبيرا من رجال الأعمال اللبنانيين الذين يتعاملون تجاريا و خدماتيا مع دول العالم دون المرور في لبنان يؤسسون شركات أوف شور في لبنان تقوم بكافة النشاطات الاقتصادية و التجارية و الاستثمارية خارجه بينما يقيمون مع عائلاتهم في لبنان و الاستفادة من الخدمات التعليمية و الطبية و المعيشية المتوافرة فيه. كما أنه تأسس في لبنان عدد من شركات الأوف شور التجارية التي تستخدم عدد كبير من اللبنانيين و هي تقوم بتقديم خدمات في حقل الاتصالات و المعلوماتية لزبائن دوليين دون التعامل مع لبنان. و من المعلوم أيضا أن معظم وسائل النقل التجارية و الخاصة (طيران و بحرية) تمتلك بموجب شركات أوف شور تسجل في دول متخصصة في هذا النوع من الشركات كباناما و قبرص و باهاماس و جزر فرجن ايلاند.
2) الشركة القابضة (Holding Co.): هي شركة مساهمة أيضا متخصصة في الاستثمار و التملك و إدارة الأملاك و تمويلها و ضمانها و لكن لا يحق لها القيام بعمليات تجارية. و يمكن تأسيسها في معظم الدول لأن الفارق بينها و بين الشركات المساهمة العادية يكمن في موضوع الشركة كما ينص عليه نظامها التأسيسي و الذي يحد من نشاطها التجاري و يحصره بتملك حصص و أسهم و براءات و حقوق و أملاك و إدارتها. و قد خصت بعض الدول كلبنان و لوكسامبورغ و ليشتنشتاين و فادوز و سويسرا و غيرها هذه الشركات بتشريعات خاصة و منحتها مميزات و تسهيلات ضريبية تتفاوت بين دولة و أخرى. و يستفيد من تأسيس الشركة القابضة مجموعة الشركات الكبيرة التي تريد توحيد إدارة مجموعة الشركات التابعة للمجموعة، أو أفراد متمولون يرغبون بإدارة استثمارتهم بشكل مالي منظم ضمن المجموعة دون اللجوء إلى تمويل خارجي، أو عائلة تريد توزيع الحصص فيما بين أفرادها بشكل أسهم تهربا من بعض القوانين الشخصية و رسوم الانتقال، أو فرد أو عائلة ترغب في تجميع موجوداتها ضمن إدارة واحدة بشكل سري بعيدا عن أنظار بعض الحشورين مهما كان مصدرهم و لأي سبب كان.
3) المؤسسات الائتمانية (trust, fiducies): و هي شركات أو مؤسسات مدنية عادة ما تخضع للنظام الأنكلو سكسوني الغاية منها تجميع أموال شخص أو عائلة أو مجموعة معينة بغية إدارتها لأسباب عائلية (إدارة أموال قاصر) أو إجتماعية (عمل خيري). و هي تشبه إلى حد ما نظام الوقف.
4) الصناديق (fonds): و هي تجمعات مالية الغاية منها تجميع أموال لأفراد أو مجموعات أو شركات بغية تشغيلها أو استثمارها، أو توجيه المال في عمل إجتماعي أو تمويلي. مثال ذلك صناديق أموال التقاعد التي تشغل أموال المنتسبين إلى صناديق تقاعدية بغية دفع التعويضات و الرواتب التقاعدية للمنتسبين عند بلوغ السن القانونية. أو صندوق المساعدات الذي أنشأه بيل غيتس.
من حيث المبدأ ليس تاسيس الشركة الأوف شور مهما كان نوعها و طريقة عملها عملا غير قانوني يلام عليه فاعله. إلا أنه يجب التمييز بين طريقة تاسيس شركات و مؤسسات الأوف شور و الغاية منها من جهة و مصادر الأموال من جهة أخرى في مرحلة أولى، و بين استعمال هذه التقنية القانونية من قبل أفراد أو من قبل شركات من مرحلة ثانية.
أولا تأسيس شركات الأوف شور:
1) طريقة تأسيس شركات و مؤسسات الأوف شور: الشفافية و السرية: ليس المقصود هنا طريقة تأسيسها القانونية بل التساؤل عن شفافيتها. ففي حالات قليلة تؤسس الشركة باسماء أصحابها الحقيقيين و يكونون حاملين لحصص أو اسهم الشركة. و لكنه و في معظم الحالات و بغية التستر خلف السرية التامة فإن هذه الشركات تؤسس بإسم مواطنين محليين يحملون اسهمها و حصصها و يوقعون على تنازلات لصالح المستفيدين الاقتصاديين الحقيقيين “على بياض” و على إفادة يصرحون بموجبها أنهم يحملون هذه الحصص و الأسهم لصالح المساهم الرئيسي. و يتلقون لقاء ذلك راتبا شهريا يدفعه مكتب المحاماة. و تودع هذه التصاريح و التنازلات لدى مكتب المحاماة بشكل “سري”. و يعين من بين هؤلاء المواطنين من يدير الشركة ظاهريا. و يعطى صاحب الشركة وكالة على حساب الشركة لدى المصرف و بطاقة دفع لدى المصرف المعتمد باسم الشركة ليتصرف بأموالها. و هكذا لا يظهر إسمه و لكنه يدير الشركة فعليا.
2) الغاية: قبل الحكم على حسن نية صاحب الشركة أو سوئها يجب البحث عن الغاية المرجوة من تأسيس هذا النوع من الشركات. إذا كان الشخص يقوم بأعمال تجارية دولية مثلثة بأن يشتري بضائع من البرازيل ليبيعها إلى غانا، فمن المنطقي أن يقوم بتأسيس شركة أوف شور تجارية في دولة تقدم هذه التسهيلات و أن يستفيد من خدماتها و تخفيضاتها الضريبية في الوقت الذي لا يحقق أرباحا فيها. يقابل ذلك أنه يساهم في خلق حركة اقتصادية في هذه الدولة من خلال استعمال جهازها المصرفي و العمالي و السياحي و العقاري. فهناك تكافوء في المصالح و المنافع. و إذا كان الغرض أيضا تجميع إدارة محفظته المالية و الاستثمارية ضمن إدارة مالية واحدة و أسس شركة قابضة لهذا الغرض و استفاد من التسهيلات العملية و الضريبية لهذا النوع من الشركات علما أنه من حيث المبدأ فإن معظم العمليات التي تتملكها الشركة القابضة تكون قد دفعت ما توجب عليها من رسوم عقارية أو ضرائب مالية في دول المصدر، فإن هذا العمل لا تشوبه أية شائبة. و لا حاجة أن تكون الشركة سرية. و هكذا دواليك بالنسبة لتأسيس المؤسسات الإئتمانية و الصناديق الإستثمارية. أما إذا كانت الغاية من تأسيس شركة أو مؤسسة أوف شور هو التستر خلف السرية (secret professional – discretion) التي تمنحها تسهيلات تأسيس هذه الشركات و المؤسسات للقيام بأعمال غير مشروعة أو لإخفاء أموال و أسماء لها خصوصيات تجعل من استعمالها لهذه الشركات و المؤسسات أو استثمارها لأموال خارج دول جنسيتها أمرا له محاذيره الأخلاقية و نتائجه القانونية بحسب الاتفاقيات الدولية التي تعتبر الأفعال و الأموال الناتجة عنها غير مشروعة، فإن الغاية من تأسيس هكذا شركات أو مؤسسات تصبح غير مشروعة بالنسبة لدول جنسية هؤلاء الأشخاص و لقواعد الأخلاق الدولية. إلا أنه يجب تناول هذا الموضوع بنسبية. فالتجارة بالمحرمات كما هي متعارف عليها بموجب القانون الجنائي و الاتفاقيات الدولية تجعل من تأسيس هذه الشركات و استعمالها لهذا الغرض أو لتشغيل الأموال الناتجة عنها غير مشروع حتى في الدول التي تسمح بتأسيسها. أما من يؤسس هذه المؤسسات و الشركات لتوطين الأموال التي هربها من بلده لأسباب سياسية (يجب البحث هنا عن السبب السياسي) أو ضريبية فهو بالنسبة لدولة جنسيته مخالف (و ملاحق لأسباب ضريبية أو سياسية) و لكنه ليس مرتكب لأي جرم بالنسبة لدول تاسيس شركات الاوف شور. و بالتالي فإن استعمال آلية الشركات الأوف شور لإخفاء مصادر أموال غير مشروعة كما هو مبين فيما يلي مدان بشكل مختلف لعدة اسباب الأولى: طبيعة و مصادر المال، و الثانية: محاولة التخف لعدم التصريح عنها لأسباب شخصية أو ضريبية أو جزائية، و ثالثا: استعمال هذه الشركات الأوف شور بأسماء وهمية لتمويل حلقة من العمليات غير المشروعة بما يطلق عليه شبكة العنكبوت (كشبكات التهريب و المافيات و جماعات الجريمة المنظمة).
3) مصادر الأموال: تكمن المشكلة في مصادر الأموال. فمن ناحية أولى إن من كان يجني أموالا مشروعة في بلده و يدفع عليها ضرائبا لا يحتاج إلى توطينها في جنات ضريبية إلا إذا كان الغرض منها حجب الأنظار عنها لأسباب شخصية إجتماعية أو عائلية أو سياسية. و هنا تدخل نظرية نسبية مشروعية مصادر الأموال. فهناك أموال تم تهريبها لأسباب سياسية (أموال معارضين يخشون من وضع اليد عليها من قبل نظام غير ديمقراطي لا يحمي الحريات، أو أموال سياسي يهرب أمواله الخاصة خشية وضع اليد عليها في حال انقلاب النظام كما يحدث في بعض الدول غير المستقرة سياسيا و اقتصاديا). أم لأسباب إقتصادية (أفراد و رجال أعمال يضعون أموالهم في أمكنة آمنة و بعيدا عن الأنظار خشية وضع اليد عليها لأسباب تتعلق بطبيعة النظام الاقتصادي كما كان الحال عليه في بعض الدول الاشتراكية و التوليتارية الأوروبية و العربية و الأفريقية). إلا أنه في كثير من الأحيان تستعمل آلية شركات الأوف شور و السرية المحيطة بها لتغطية عمليات تبييض أموال غير مشروعة ناتجة عن الجريمة المنظمة و أموال ناتجة عن تجارة المحرمات (المخدرات و الأسلحة و الأعضاء البشرية و الدعارة الخ)، و أموال تم الحصول عليها بوسائل غير قانونية و غير مشروعة كالاحتيال و الاختلاس و السرقة و سوء الائتمان وصولا إلى عمولات على عمليات تجارية كبيرة (تجارة اسلحة أو صفقات دولية أو أموال رئيس يهرب أموال عامة أو عمولات على صفقات بشكل غير مشروع).

ثانيا: استعمال شركات الاوف شور:
تتغير المفاهيم فيما إذا كانت شركات الأوف شور تمثل أفرادا يملكونها لتغطية ثرواتهم و استثمارها بشكل ضريبي افضل أم إذا كانت تعود لمجموعة مالية كبيرة أو تنتمي إلى هرمية مجموعة من الشركات أو بما يعرف بالشركات المتعددة الجنسيات.
1) إستعمال شركات الأوف شور من قبل الأفراد: تندمج الغاية و استعمال شركات و مؤسسات الأوف شور عندما يكون صاحب المشروع فردا أو عائلة تبتغي لأسباب إقتصادية أو مالية أو إجتماعية أو وراثية أو سياسية إنشاء هذا النوع من الشركات أو المؤسسات كما بينا أعلاه. فمشروعية استعمال هذا النوع من المؤسسات مرتبط بمصدر الأموال و الغاية منه. إلا أن عاملا جديدا قد يستعمله مؤسسو هذا النوع من الشركات و هو الحصول على الإمتيازات التي تمنحها هذه الدول للمقيمين فيها. ففي عدد كبير من الحالات لا يكتفي أصحاب الأموال المهربة بتأسيس شركات مستترة لإخفاء أموالهم و مصادرها بل يقيمون في هذه الدول للإفادة من إمتيازات الاقامة و الحماية المحيطة بها ألا و هي الحماية القضائية و عدم تسليمهم إلى البوليس الجنائي الدولي في حال الملاحقة كما هو الحال في باهاماس. و عدم ملاحقتهم ضريبيا كما هو الحال بالنسبة لعدد من الفنانين الفرنسيين الذين اتخذوا لهم مقاما في سويسرا.
2) إستعمال شركات الاوف شور من قبل مجموعة شركات: تختلف النظرة إلى هذا الموضوع عن الأبحاث السابقة. فالبحث هنا يتعلق بنظرة الدوائر الضريبية إلى العلاقة القائمة بين الشركة الأم و الشركة التابعة (أي الأوف شور) و ما يمكنها أن تستنتج من روابط مالية و إدارية تؤدي إلى تهريب الأرباح من شركة إلى أخرى. و تختلف الوسائل المتبعة لهذا الغرض كما أن النتيجة التي تخلص إليها الدوائر الضريبية قد تكون مغايرة للواقع القانوني للمجموعة. فهي في حالات معينة تتجاوز التركيبة القانونية للمجموعة و لا تعتد بجنسية الشركة التابعة بالنسبة للشركة الأم، بل تعتبر الشركة التابعة شكليا المركز الفعلي للمجموعة أي بمثابة الشركة الأم. و يترتب على ذلك اكتساب جنسية الشركة الأم التي تكون عادة منشأة و مسجلة في دولة تمتاز بامتيازاتها الضريبية جنسية الشركة التابعة. و هذا ما تسعى إليه عادة الدوائر الضريبية بمحاولتها نزع الصفة الشكلية عن الشركة الأم المتواجدة في جنات ضريبية لتنفذ إلى مكان الإدارة الفعلية و مركز القرار. و قد تهافت المستثمرون و على رأسهم الشركات المتعددة الجنسيات على إنشاء شركات في دول تمنح امتيازات ضرائبية بحيث تعمد إلى تجميع أرباح المجموعة عن طريق المبادلات المالية و التلاعب بالفوترة و غيرها من التقنيات في الشركة المنشأة في هذه الدول. و قد عرفت هذه الممارسات بتعبير treaty shopping.
و تختلف الأنظمة القانونية الضريبية بين الدول. ففي الحين الذي تحترم فيه معظم الدول، من حيث المبدأ، استقلالية الشركات عن بعضها بحيث تكلف كل منها عن نشاطها في الدولة التي تأسست فيها أو لها فيها مركزها الرئيسي (عملا بالقانون المعتمد في هذه الدول)، فإن الولايات المتحدة تعتمد نظام التكليف الموحد unitary activity. أي أن الشركات الأمريكية مكلفة بدفع الضرائب إلى المالية الأمريكية أينما كان موطن نشاطها في العالم. و لا تعر الشكليات القانونية، أي استقلال الشركات التابعة و المنشأة في دول أخرى، أي اعتبار. فهي ترى في مجموعة الشركات التي تعمل لغاية اقتصادية واحدة على أنها شركة واحدة. كما أن دوائر الضرائب الأمريكية (international revenue service) تستعمل ثلاث تقنيات لشمل أرباح الشركات التابعة و لتقدير أرباح الشركات ضمن المجموعة: مقارنة الأسعار comparable uncontrolled price method ، تحديد السعر الحقيقي real price method، و تقدير الكلفة و الربح المعقول cost-plus method . و على دائرة الضرائب تقدير كل حالة على حدا بالنظر لمعطيات الموضوع و تركيبة الشركة.
أما في فرنسا فإن الاجتهاد بادر منذ بداية هذا القرن إلى البحث عن الشركات الوهمية société fictive و الشركات المنشأة لمخادعة القانون Frauder la loi و قد عمد إلى إلغاء البعض منها باعتبارها مجرد واجهة للشركة الأساسية الحقيقية (نظرية الوهم و الإيحاء Théorie de la simulation). أي أن الشركات و الأشخاص المعنويين المنشئين مستعملون كوسيلة لخدمة غاية خاصة دون أن يكون لهذه الشركات أي غاية أو هدف بحد ذاتها تبرر وجودها. و من المعلوم أن بعض الشركات العالمية تلجأ إلى تأسيس شركات تابعة في دول معينة لا تربطها بها أية مصلحة اقتصادية سوى الاستفادة من تشريعات معينة أو من اتفاقيات دولية موقعة من قبلها تعطي للمجموعة بواسطة الشركة التابعة هذه بعض الامتيازات و إعفاءات جمركية و ضريبية و غيرها. و من المعروف أن غالبية الدول (النامية منها بصفة خاصة) تتهافت على تقديم التسهيلات و الامتيازات القانونية التجارية و الاقتصادية و المالية و الضريبية و الاجتماعية لجذب الاستثمارات و للسماح للشركات الأجنبية بالتمركز ضمن أراضيها. و بالمقابل فإن الاجتهاد في عدد من الدول الأمريكية و الأوروبية و على رأسها فرنسا سعى إلى تصويب المسار. و تشن هذه الدول حربا شعواء على الشركات المربحة و المؤسسة أصلا لديها و التي تعمد إلى تأسيس شركات أوف شور في دول الجنات الضريبية هذه (في معظم الأحيان قابضة)، و هذا ما أشرت إليه في كتابي “قانون التجارة الدولية” الصادر عام 2004 عن دار صادر.
و لكن، و من جهة أخرى، لا يمكن إغفال أقدام بعض مجموعة الشركات من خلال تاسيس شركات أوف شور، على القيام بعمليات تجارية غير مشروعة كما سبق شرحه.
أما في لبنان فقد تشدد المشرع اللبناني في ملاحقة الجريمة المنظمة و الأعمال المشينة و المعاقب عليها جنائيا و عمليات تبييض الأموال و في تقييد السرية المصرفية من خلال إصدار القانون 44 تاريخ 24/11/2015 الذي عدل القانون 318. و قد فوض هذا القانون مهمة التحقق من هوية الزبائن و مصادر الأموال للمصارف و شركات التأمين و كتاب العدل و المحامين. و أنى للمحامين أن يتولوا هذه المهمة و قد أعفت حكومة الرئيس السنيورة عام 2008 شركات الأوف شور في لبنان من مراقبة المحامين القانونية عند تأسيسها و أثناء سير أعمالها؟

فواز سالم كبارة
محام و أستاذ جامعي