دولة الرئيس سعدي المنلا – لكي لا ننسى
أثناء توجهي إلى الخارج بمناسبة الأعياد رغبت في إهداء زملاء لي رموز تذكارية من لبنان. و رسى فكري على مجسم العلم اللبناني و قد وقع عليه واضعوه من رجالات الاستقلال. و كم كانت خيبتي أن أكتشف أن توقيع أحد الرموز الأساسية و راسم هذا العلم بيده غير موجود. أعني بذلك المغفور له دولة الرئيس سعدي المنلا. فهل هذا الاغفال مقصود أم ينم عن إهمال أو جهل بأهمية هذا الرجل و خصوصيته؟ لم يستطع قلمي مقاومة حماستي الطرابلسية وفاء لإبن طرابلس البار الذي ولد في أواخر القرن التاسع عشر و نشأ في عائلة كريمة لها مكانتها في طرابلس و تعلم الحقوق في اسطمبول و خدم برتبة ضابط في الجيش التركي لفترة وجيزة و لكن شعوره القومي العربي و حماسته حديا به للفرار من الجيش التركي و أسس مع لفيف من الرفاق “حركة الرابطة الوثقة” التي كان هدفها جمع شمل الأمة العربية و استقلالها عن الحكم العثماني الجائر مما عرضه للاعتقال و حكم عليه بالاعدام رميا بالرصاص و لم ينفذ فيه هذا الحكم بسبب تدخل الملك فيصل الفاعل. و استمر هذا الرجل في نضاله و انتقل إلى العمل ضد المنتدب الفرنسي مع لفيف من الشباب الطرابلسيين إلى أن استقل لبنان و انتخب سعدي المنلا نائبا عن طرابلس مع الزعيم عبد الحميد كرامي. و شغل سعدي المنلا أثناء نيابته مهاما وزاريا بارزة فكان وزيرا للعدل عام 1945 و وزيرا للداخلية عام 1946 إلى أن كلف تأليف حكومة الاستقلال الرابعة في ايار 1946. و تجدر الاشارة إلى أن حكومته قامت بعدد من الانجازات على رأسها قانون العمل اللبناني الذي وضع برعايته.
إلا أن قصة العلم اللبناني فلها مرحلتين. مرحلة دخول النائب (عندئذ) سعدي المنلا إلى المجلس و مرحلة رسم العلم اللبناني و هي من الطرافة و الأهمية على السواء روايتهما. عندما اعتقل الفرنسيون عددا من الزعماء في راشيا تداعى النواب إلى اجتماع طارىء في المجلس النيابي. و لكن الفرنسيون منعوا هؤلاء من الولوج إلى قاعة المجلس و وضعوا حراسا سنغاليين على مدخله و لم يتمكن من الوصول إليه قبل ذلك بقليل سوي عدد قليل منهم أذكر منهم صائب سلام، صبري حمادة، رشيد بيضون، مارون كنعان، محمد الفضل و هنري فرعون. و لما وصل سعدي المنلا و منعه السنغاليون من الدخول حمله الجمهور و حولوه إلى الجهة الأخري حيث يقع مكتب رئيس المجلس و رفعوه ليدخل من النافذة. إلى أن الجنود هاجموهم و فرقوهم و بقي المنلا معلقا في الحديد الذي يحمي الشباك: نصفه إلى الداخل و نصفه إلى الخارج. و شاهده أحد الجنود و صوب بندقيته نحوه. إلا أن أخد المواطنين دفع الجندي و سارع زملاؤه النواب إلى شد سعدي المنلا إلى الداخل. و منذ ذلك التاريخ يطلق على هذه النافذة “شباك سعدي”.
و بعد أن اجتمع النواب و تواصلوا هاتفيا مع زملائهم الذين لم يتمكنوا من الوصول إلى المجلس قرر المجتمعون بالإجماع تعديل المادة الخامسة من الدستور المختصة بتغيير لون العلم اللبناني. في ذلك الحين كان العلم اللبناني كالعلم الفرتسي (أزرق فأبيض فأحمر تتوسطه أرزة). فأقترح أحد الموجودين (على ما روي هنري فرعون) أن يتم استبدال اللون الأزرق باللون الأحمر. إلا أن الرئيس سعدي المنلا مدعوما من الرئيس صائب سلام إقترح تغيير الشكل الجيوميتري للعلم بحيث تكون الألوان أفقية و ليس عامودية كما كانت الحالة عليه. فصدق الاقتراح و تناول سعدي المنلا قلما أحمر و رسم العلم الجديد. و لما لم يكن لديه قلما أخضر رسم الأرزة بقلم رصاص. فوافق الجميع عليه و وقعوا عليه و أقسموا اليمين و تم تعديل المادة من الدستور.
لم يكن نشاط الرئيس سعدي المنلا مقتصرا على العمل الوطني بل كان حاضرا في المجال الطرابلسي و الشمالي حيث كان يشارك في النشاطات الثقافية و الاجتماعية و الانسانية و الاقتصادية في طرابلس و كان من بين الرجالات الذين عملوا على إرساء المصالحة الشهيرة بين الزعيم عبد الحميد كرامي و الدكتور عبد اللطيف بيسار. و لا تنسى نقابة المهندسين في طرابلس موقف دولة الرئيس سعدي المنلا الذي وقف وقفة صامدة بوجه المحاربة المعتادة بحق كل مطلب طرابلسي و الذي أدى إلى حصول مهندسي طرابلس و على راسهم المهندس أشرف كبارة عام 1946 على ترخيص نقابة مستقلة بهم. و كان سعدي بك كما يخاطبه أبناء البلد يعمل في أكثر من مجال في الحقل النضالي و الخدماتي جنبا إلى جنب مع والدي مما ترك في نفسي عندما كنت أجتمع به و من ذكريات والدي التي تلقفتها أثرا طيبا. كما يذكر كل من عاشر هذا الانسان أنه كان مثقفا مهذبا خلوقا سموحا و منفتحا. و قد خخص حياته للحقل العام و لم يتزوج. و تروى في هذا المجال نادرة حين اجتمع مرة بالرئيس الشهيد رشيد كرامي و أصر عليه قائلا:” لا تغلط غلطتي يا رشيد”. و الباقي معروف عند الجميع.
هذه باقتضاب قصة رجل مميز من طرابلس . و تتميز هذه المدينة بوفائها و برها برجالها البارزين فهل يتم العمل على إعطاء هذا الرجل حقه من خلال إطلاق إسمه على موقع أو شارع يليق بذكراه؟ كما أنه و على الصعيد الوطني من الضروري أن يكون المغفور له سعدي المنلا من بين الرجال الذين يكرمون في عيد الاستقلال لاسيما و أنه واضع علم الاستقلال و ذلك أسوة برجال الآستقلال الآخرين خاصة و أن الدولة اللبنانية تكرم رجالا لا تعلو بعضهم شأنا عما يمثله هذا الرجل.
ملاحظة أخيرة، و أقولها نتيجة لتجربة تعليمية، لا يعلو شأن وطن يجهل أبناؤه تاريخهم و قيمة صانعيه.
فواز سالم كبارة

