حقوق المرأة المدنية الشخصية الأساسية

حقوق المرأة الإنسان و مباديء الحرية

منذ إعلان عام 1975 عام المرأة و منذ تخصيصها بيومين عالميين في الثامن من آذار (يوم المرأة) و في الخامس و العشرين من تشرين الثاني (يوم نبذ العنف ضد المرأة)، لا بد أن يستغرب المرء فكرة هذا الإعلان و أن تثير تساؤلاته عن مغزاه و أبعاده.

فعن مغزاه لا بد من طرح افتراضين أولهما أن تكون المبادرة التفاتة شبه ذكية من الجنس الآخر تجاه نصفه الثاني لكبح جماح ثورة دفينة تغلي في أعماقه و لإخماد التنهدات الحائرة في أحشائه. و الثاني أن يحمل في طياته مبادرة جدية و جريئة و مخلصة للتخلص من أمراض نفسية مزمنة و عادات إجتماعية متوارثة و رغبة في التفرغ لبحث المعضلات الاجتماعية البائتة و العمل على حل المشاكل التي تعاني منها بنات حواء في خضم صراعها مع التطور الحضاري و في محاولاتها الدؤوب الوقوف صفا واحدا إلى جانب قرينها الرجل في نضال الانسانية تجاه الطبيعة و من أجل حياة أفضل.

أما عن أبعاده فلا شك أنه محاولة واقعية غربيا و جريئة شرقيا لتسليط الضوء على عثرات المرأة في خطاها الحثيثة لمواكبة التطور الاقتصادي و الاجتماعي و دأبها على استنزاع بعض المكاسب و اجتزاز المعتقدات السائدة علها تتبوأ المكانة التي تستحق و تفرض نفسها في مجتمع يأبى أن يسمح للجنس اللطيف في مشاركة الرجل في كتابة التاريخ.

“إن الذين يتحدثون بالخير عن المرأة لا يعرفوها حق المعرفة أما الذين يتحدثون بالشر عنها فلا يعرفوها أبدا” قال الفيلسوف ليبرون. و لو استنطقنا تاريخ الركب الإنساني لوجدناه حافلا بصفحات قاتمات عن ماضي المرأة، تضيئها بعض الومضات البراقة حينا و الأسطر الناصعة التي كتبتها بعض النسوة الشهيرات في مسيرة تاريخهن الحافل بالنضال المستمر ضد الرجل المستبد المالك بغرض استرداد مكانتهن و اعتبارهن الانساني.

لقد سجل تاريخ المرأة تفسيرات عالم الرجال التقليدي المتنافضة حول العلاقات الاجتماعية و تجلت لديه حواء بأنها متعة علاوة على كونها مصدر الحياة. فكان هيرودوت اليوناني في القرن السابع قبل المسيح ينصح الرجال بأن يملكوا بيتا و إمرأة و بقرة على أن تتميز المرأة بقدرتها على رعاية البقرة و الإشراف عليها. من جهة أخرى جسدت المرأة الآلهة المعبودة التي تقدم إليها القرابين و لكنها بقيت ضمن إطار الحجارة و الأصنام الجامدة. أما المرأة الأنسان، الجسد و الروح، المرأة الأم فقد بقيت مستعبدة يتعالى عليها الرجال و ينكرون عليها حقها في الحياة و دورها في دفع الرجال إلى تسلق الأمجاد.

و كانت شرعة حمورابي التشريع الأول الذي أنشأ حوالي العام 2000 قبل ولادة السيد المسيح في بابل النص المكتوب الأول الذي حرم تعدي القوي على الضعيف. تبعها شرعة كسرى عام 570 ق م في فارس و التي أنشأت نظام الحرية و الأمن و الحقوق الإجتماعية و الاقتصادية. و لكنها لم تخص المرأة بحقوق خاصة.

و استخف اليونان بالمرأة فباعوها و اشتروها في أسواق النخاس، و عندما منحت إسبارطة المرأة بعض الحقوق استثمرها الرجل شهوة مبتذلة و لذة عابرة مما دفع بأرسطو إلى تعيير أهل إسبارطة بإعطاء هذه الحقوق و عزى سقوط المدينة و إضمحلالها إلى انتشار بعض هذه الحقوق و الحريات النسائية. و لم يكن الحال أحسن لدى الرومان إلا في عهد جوستنيان القانوني الذي أصدر بعض التشريعات التي حفظت مكانة المرأة و لكنها لم تلبت أن عادت إلى سابق عهدها بفعل سيادة القوي على الضعيف، هذا الناموس الطبيعي الذي قوم الرجل على المرأة. و عندما إنتشرت المسيحية في بلاد الغرب أثرت تعاليمها في اسلوب تفكيرهم و تطورهم الفكري فعقد الفرنسيون عام 586 م مجمعا علميا كان عنوانه “الطبيعة الإنسانية للمرأة” و قرروا بنهايته أن المرأة “إنسان” إنما خلق لخدمة الرجل.

و مثل تاريخ القرون الوسطى نقطة سوداء في الحياة الاجتماعية السائدة و حفل بظلامات بحق الجنس اللطيف المقهور حتى أن قانونا عرفيا انكليزيا استمر حتى عام 1805 كان يسمح للرجل ببيع زوجته و إجارها. ألم يقل الفيلسوف الألماني نيتشه:” المرأة ليست ليست بعد جديرة بالصداقة، إنها تبقى قطة أو عصفورة أو بقرة”. و لقد تباهى أمراء الأرستقراطية الأوروبية و نبلاء البلاط باقتناء العشيقات و بتبادل الزوجات و منح جسدها إلى الأعلى نفوذا و خاصة إلى الملوك السائدة طمعا في المناصب و التملك. إلى أن جاءت شرعة حقوق الانسان المنبثقة عن الثورة الفرنسية عام 1789 و التي أعطت الرجل و المرأة على السواء حقوقا سياسية و إجتماعية و اقتصادية.

و كان للثورة الفرنسية اليد الطولى في تحرير الإنسان من العبودية عامة و لكنها لم تخص ذوات الشعر الطويل بإلتفاتة خاصة، و لم تشملهن بكل مزاياها. و استمر المجتمع الذكوري و ما يتبعه من عادات بالية في فرض نفسه، إذ نص القانون الفرنسي الصادر آنذاك على أن المرأة غير أهل للتعاقد و على أن القاصرين هم الصبي و المجنون و المرأة. و استمر هذا التمييز لغاية عام 1938.

و في الشرق لم يكن حال المرأة أحسن من قرينتها الغربية. فكانت المرأة خادمة الرجل و كان الرجل إذا ما رزق بإبنة يستشيظ غيظا و يدفنها حية في رمال الصحراء. ألم يقل شاعر عربي:
“من غاية المجد و المكرمات بقاء البنين و موت البنات”

و لقد روي أن إعرابيا ولدت له إمرأته ثلاث بنات متواليات فتحول عنها إلى بيت قريب معرضا عن مواجهتها و عافا عن مقابلتها. فما كان من زوجته حين رأت منه ذلك إلا أن كتبت له البيتين التاليين:
“ما لأبي الزلفاء لا يأتينا و هو في البيت الذي يلينا
يغضب علينا إن لم نلد البنينا و إنما نعطي الذي اعطينا”
فما كان من هذا الإعرابي إلا أن لانت شوكته و عاد إلى زوجته قانعا مستغفرا.

و شكل الدين الإسلامي ثورة بوجه العادات الذكورية السائدة في المجتمع الشرقي. و كان له النصيب الأوفر في إطلاق المرأة من عقالها و النهوض بها من مواضع الذل و الجهل. فكرس الحق بالحياة بتحريمه وأد البنات ما جاء في آيته سبحانه ” وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا و هو كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بشر به : أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون” (النحل 57- 58) ، و حق المساواة كما جاء في القرآن الكريم ” وخلق الله السموات و الأرض بالحق و لتجزى كل نفس بما كسبت و هم لا يظلمون” (الجاثية 22) و “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر و أنثى، و جعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم” (الحجرات 13)، و كرس مبدأ العدالة و هذا ما تجلى في إعطاء المرأة حقوقا لم تكن موجودة و أصبح لها وجود إنساني و قانوني و ذمة مالية مستقلة عن الرجل و لها قسطا من المال و الميراث و قد جاء في كتابه الكريم “يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط، و لا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب إلى التقوى، و اتقوا الله إن الله خبير بما تعملون” (المائدة 8)، كما أن هذا الدين حرص على حماية الحق في الحرية الشخصية و كما قال الخليفة عمر “متى استعبدتم الناس و قد ولدتهم أمهاتهم أحرارا”، و الحق في الكرامة و هذا يتضمن احترام العرض و السيرة بقوله تعالى :إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم” (النور 19). يضاف إلى ما تقدم الحرص على حماية الخصوصية و حرمة المنازل و قد جاء في الكتاب العزيز “يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا و تسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم و إن قيل إرجعوا فارجعوا هو أزكى لكم و الله بما تعملون عليم” (النور 27 – 28).

و لكن جهل الأيام و فساد الزمان عادا ليرميا المرأة بين براثن الجهل و النكران مما دفع بعدد من الحكماء و المفكرين أمثال ولي الدين يكن و قاسم أمين و جبران إلى استصراخ الحرية لبنات الحياة، للحب الدفين في أروقة المنازل خلف الحجب و الأحجية.

و شكل التطور الاقتصادي و إنتقال المجتمع من عمل زراعي إلى إنتاج صناعي نقلة نوعية سمح للمرأة أن تستفيد منها بدئا من مطلع القرن التاسع عشر. فخرجت المرأة من نظام السيادة الإقطاعية و الأبوة العائلية و سطوة القوي التي يقتضيها العمل الزراعي لتخوض غمار النقلة النوعية و لتشارك في عملية التحول الصناعي. فوقفت إلى جانب الرجل تشاركه المسؤوليات و تنافسه في المهارات، و انهزم المكوك الذي الذي كان يتدلى من تلك الأيادي الناعمة عند مداخل المنازل أمام دوران الآلات الناسجة و تناولت أناملهن العبث بالأزرار تشرف بواسطتها على إدارة الماكينات الصناعية.

و لكن هذه العاملة التي خرجت من بيتها البائس لتجانب الرجل أمام صخب الآلات أصبحت ، و مرة أخرى، وسيلة لاستغلال الرجل الصناعي. و غدت تلك الشاحبة الهزيلة المرقعة بالأعمال البالية، تقف في الصفوف الطويلة لتنال عيشها في حقبة من البؤس لم تعرف مثلها أوروبا و أمريكا. فقال ميشيليه:” العاملة طاغية دنسة، إن إنخراطها في العمل تحديا للطبيعة و السعادة و الحضارة”. و لكن المسيرة لم تتوقف و دم النضال لم ينضب في عروقهن و اصبحت 45% من نساء أوروبا خارج بيوتهن في أواخر القرن التاسع عشر.

و قد كان لاختراع الآلة الكاتبة عام 1890 تاثير كبير إذ جعل هذه الحسناء سيدة الإدارة و مخزن الأسرار، حتى قال عنها جان أنوي ساخرا:”إن المرأة الوحيدة التي يمكنك أن تملي عليها ما ينبغي القيام به هي الضاربة على الآلة الكاتبة”. و هكذا تحولت المرأة من قطعة من أثاث المنزل إلى ناقة تساعد الرجل على إجتياز الصحراء، كما قال كلود باستور. و إنطلقت في العالم تغزو مكامنه و تكتشف خباياه و تساهم في تسطير التاريخ بخط ناعم جعل العديد من النقاد الساخرين يعتقدون بانتقال ملكية العالم إلى المرأة مثال ساشا غيتري الذي اشار إلى “أن العالم تغزوه النساء فهو يسير ذات اليمين و ذات اليسار. و بما أن الكثير من الرجال لهم زوجات و عشيقات من هنا كان الشد و الجذب في اتجاهين معاكسين”. و إنقض على الفكرة التي كان يرددها البعض و على راسهم شوبنهاور و القائلة بأن المرأة “لا تصلح إلا لحفظ النسل و تدوير الساعة و غسيل الصحون”.

هكذا انطلقت الشرارة و ومضت في العالم فحملتها المرأة المهاجرة إلى أصقاع العالم. و عقدت نساء أميركا مؤتمر سينيكا فول عام 1848 الذي شكل أو تحرك نسائي في العالم. و لكن فشله في الاتفاق على إعلان موحد لحقوق المرأة لم يوقف المسيرة و شكل نقطة بداية لدخول المرأة في ميادين جديدة. فجرت عام 1901 أول مباراة تنس نسائية بين طالبات أوكسفورد و كامبريدج اللواتي كن قد استنزعن حق دخول الجامعات. تبعها حصول المرأة الأمريكية على حق التصويت عام 1906 . كما حصل وفد من النساء الأوروبيات برئاسة الليدي أبردين زوجة نائب ملك إيرلندة على حق حضور مؤتمر السلام في الوقت الذي كان لينين يتأبط ملف تحرير المرأة و تأكد دخول المرأة الأشتراكية العاملة معترك الحياة الكبير. أما السيدة الراسمالية فأصبحت السيدة المشاركة للرجل في الحياة العملية و في النشاطات الليبرالية الحرة، تتاجر و تستثمر و تدير الشركات و تدخل في المجمعات المالية. و لكنها لم تكن تتمتع بملء الحرية في كل مكان فقد اشترطت بعض القوانين الأوروبية (كسويسرا و فرنسا) و المشرقية (كالسعودية و لبنان) ضرورة استحصال الزوجة على موافقة زوجها قبل ممارسة اي نشاط تجاري أو مالي. و ما زالت بعض هذه القوانين نافذة لتاريخه.

و من الناحية الأجتماعية فقد تفاوت وضع المرأة و انقسم إلى ثلاث طبقات: السيدة المترفة أولا، اللامبالية بمتاع الحياة و متاعب التحصيل، تغوى الظهور و تهوى التألق غاضة الطرف عن واجباتها الأصيلة. و ثانيا السيدة المناضلة المكافحة التي تعاكس تيار العصر و تلاطم أمواج الحياة لترقى بنفسها و ترفع بأبنائها إلى مراتب العلم و الرقي فتعطي أمتها عينة صالحة و قدوة مثالية تبشر بمستقبل مشرق. و أخيرا تبقى السيدة الجاهلة المنغمسة في مجاهل الأمية و الفساد و هي مكسورة الخاطر متقاعسة ، منزوية بسبب ظروف العيش، مجبرة بإهواء الضرورة و تسيرها إرادات متسلطة قليلة الإدراك و العلم.

و هاته السيدات في طبقاتها الثلاث فئات مختلفة. فمنها السيدة المتحررة من القيود الواهية الوهمية التي تحد من انعتاق الفكر و انطلاق البصيرة. و منها السيدة الضعيفة الواجلة التي تستعبدها معتقدات و أعراف موروثة لا تمت إلى حقائق الإيمان و القيم بصلة، يزرعها في النفوس الضعيفة الخائفة من الانطلاق في رحب الحياة الفسيح بضع من الرجال الذين يعيشون في زمن غابر و لم يتسنى لهم متابعة قراءة التاريخ و التعايش مع التطور الحضاري. و تبقى أخيرا السيدة التافهة التي تجعل من التحرر مظهرا و من المدنية إدعاء متجاهلة حقيقة القيم الثابتة و المبادئ الراسخة التي تحفظ كيان المجتمع.

أما السيدة المعاصرة ، العاملة، المشاركة لمباهج الحياة و متاعبها، الفاعلة في كتابة حضارة اليوم و بناء اسس المستقبل فهي الصخرة الثابتة التي تتحطم عليها أمواج صعوبات الحياة العاتية و تصمد بوجه العواصف و الأنواء و تعالج مصاعب الحياة بذكاء و حكمة و تشارك الرجل بكل ندية لبناء الأسرة المتوازنة و المجتمع الصالح. و لم تعد “الجهاز الثرثار المزود بالإمكانية الناجعة لتبذير كل النقود التي يملكها الرجل” كما إدعى وليم فولكنر. بل “إن قبول مشاركة المرأة مشاركة حقة دليل أكيد على الحضارة و هي تضاعف القوة الفكرية للجنس البشري”. كما أكد الفيلسوف ستاندال.

بعد هذا العرض التاريخي الواقعي لوضع المرأة، اين هي المسيرة؟

لقد أصبحت المرأة في القرن العشرين ، كما يقول مخائيل نعيمة، مخلوقا جديدا لو أبصرته القرون السابقة لأنكرته و لكنه مخلوق غير وجه البشرية و إتجاهها، و بين لها أنها لا تستطيع التحليق بجناح واحد هو الرجل، بل بجناحين متساويين: هما الرجل و المرأة معا، متحدية بذلك قول الفيلسوف المتشائم شوبنهاور:”إن قوانين الزواج في أوروبا فاسدة المبنى بمساواتها بين الرجل و المرأة. فقد جعلتنا نقتصر على زوجة واحدة فأفقدتنا نصف حقوقنا و ضاعفت علينا واجباتنا، على أنها ما دامت أتاحت للمرأة مقدمات مثل الرجل كان من اللازم أن يمنحها ايضا عقلا مثل عقله”.

و يبقى الجواب على السؤال، ما هي حقوق المرأة في القرن الحادي و العشرين بعد نضال طويل؟ ما هو وضع العاملة و الأم و الأخت و المرأة بكل طبقاتها و فئاتها؟

إن الدور الطبيعي للمرأة هو الزوجة و الأم: وكل ما يمكن أن يقدم عليها هذا المخلوق الرائع فإنما ينتزع من صلب المؤسسة الأساسية و هي الأمومة فيفقدها العنصر الطبيعي الذي تتميز به عن الرجل جسدا و عطفا و عناية و غريزة و مسؤولية. فما هي الحقوق التي قدمها المجتمع لحماية هذا الدور الطليعي البديهي للمرأة؟

أما الدور الثاني فيكمن في المشاركة. و المشاركة كلمة فسيحة المعاني و تشمل دخول المرأة في مختلف الميادين لتقف إلى جانب الرجل في تحمل المسؤوليات و اتخاذ القرارات و تنفيذ المهمات. و هذه المشاركة لا تقتصر على العمل الاجتماعي الأنساني فيجب أن يشمل العمل السياسي بحيث تشارك المرأة التي تدير شؤون البيت العائلي في إدارة البيت الوطني و في اتخاذ القرارات الهامة التي تعني المجتمع على إختلاف فئاته. كما أن المشاركة تشمل المراكز الهامة في المؤسسات العامة و المشاريع الخاصة. فالمرأة المسؤولة المشاركة في اتخاذ القرارات على أنواعها، قيمة مضافة و ضرورة لإدخال فكر جديد على الحياة القيادية خاصة في بلادنا و في مجتمعاتنا الذكورية حيث يتفرد الرجل باتخاذ قرارات لا تأخذ بعبن الاعتبار متطلبات يراها العنصر النسائي بعين ساهرة و مصيبة. و لئن يرى عدد من المحللين السياسيين أن العمل السياسي مضن و يتطلب تفكير عقلاني في الوقت الذي تتحكم العاطفة و الغريزة في خيارات المرأة السياسية (لهذا السبب تأخر منح الحقوق السياسية للنساء في فرنسا و سويسرا مثلا) فإن التاريخ أثبت أن السيدات اللواتي إطلعن بمسؤوليات سياسية و أدرن شؤون بلادهن قد تألقن في مهامهن (الهند،.باكستان، سيلان-سريلانكا، آيسلاند، استراليا، بريطانيا الخ..). كما أن عدد السيدات اللواتي تحملن مسؤوليات وزارية و نيابية و بلدية و سواها في أوروبا بلغ نصف المراكز تقريبا. و أثبتت المرأة عن حسن إدارتها و صلابة مواقفها و حكمة قراراتها.

إلا أن دور المشاركة دونه عقبات إنسانية و موضوعية متعلقة بدور السيدة الزوجة و الأم و تعارض هذا الدور الطبيعي جسديا و إنسانيا و صحيا و تربويا و إجتماعيا مع متطلبات عالم الإنتاج و العمل المعاصر. و هنا تواجه المرأة خيارا صعبا بين طموحها العملي و الشخصي و المهني و بين حقها و واجبها الطبيعي الغريزي و الصحي الذي يقتضيه موضوع الزواج و الأمومة. و من البديهي أن النظام الإقتصادي المعاصر لا يأتلف مع مفهوم العائلة التقليدي. و بالتالي و بالرغم من بعض التشريعات التي أعطت للمرأة بعض الحقوق و التسهيلات في موضوع الأمومة و التربية فإن المرأة تتنازل عن أحد الحقوق الإنسانية الهامة بالنسبة لها. الحق في ديمومة العمل المهني و التقدم في مراتبه صنوا بالرجل، أو الحق بالأمومة لصالح توكيل مؤسسات و اشخاص غريبين للعناية بالأولاد مع ما يترتب على ذلك من نتائج أسرية و عائلية من نتائج. و هذا ما يفسر إنخفاض عدد الزيجات و نسب الولادات في بعض الدول الصناعية.

و قد يكون الحل في إشراك الرجل في هذه المسؤولية عن طريق إنشاء إجازة الأبوة و دعمها بحيث يقوم الأب بالإهتمام بالأولاد في غياب الأم لأسباب مهنية. و هنا تكمن الشراكة الحقيقية المطلقة.

و لا يمكن إغفال موضوع أساسي متعلق بحق المرأة الإنسانة خاصة في المشرق. و ألا و هو موضوع الحياة و الحرية و الظروف التي تعيشها بنات منطقتنا على الأخص في هذا المجتمع الذكوري المعقد حينا و المفكك طورا. و بالتالي فإن فكرة الحرية، هذه الكلمة التي ما فتئت نساء العالم ترددها ، ليست حرية التحرك ضمن قوقعة هواء أو حرية الخيار بين سيدين. “إن حرية إختيار السادة لا يلغي السادة و لا العبيد”، كما يقول المفكر فرانسوا بيرو. إنها الحرية الإنسانية المطلقة بمعناها الإلاهي و الانساني و الاجتماعي. فلا تحتاج المرأة المصانة إلى رقابة أو إذن في ممارساتها و تصرفاتها. و لا تعاقب على جرم يعفى منه الرجل المشارك في ارتكابه. و لا تحرم من حقوق قانونية و ميراثية و مالية لأسباب مختلفة. إنها الحرية التي لا تقيدها معتقدات و تابوهات متوارثة و لا تمت إلى القيم الإنسانية و الدينية بصلة نشأت مع تطور المجتمع الذكوري. إنها الحرية التي التي لا تحول دونها معوقات قانونية أو عرفية أو إجتماعية عصبية تنال من شرفها و سمعتها و جسدها و حقها في الحياة.

و إن كانت المسؤولية الكبرى في واقع النساء بالرغم من التطورات المهمة التي استحدثها نضالهن تقع على عالم ذكوري، فإن تقاعس النساء و تسليمهن بالأمر الواقع و عدم رغبتهن في التطور و التغيير و المواجهة أحيانا، يحول دون إنعتاقهن من هذه القيود البالية، و كما قالت سيمون دو بوفوار :” إن النساء يكبلن أنفسهن بالأصفاد التي لا يتمنى الرجال زجهن بها”.

لذلك فإن المرأة العربية عامة و اللبنانية خاصة مدعوة إلى التعبير عن حقوقها الأساسيىة التي يجب أن تناضل من أجل تبنيها و تنفيذها في مجتمع متناقض.

فما هي هذه الحقوق و ما هي المنهجية التي يقتضي اتباعها للتوصل إلى نتائج إيجابية بشأنها؟

ما يهمنا في هذه الدراسة هو تناول جانب أساسي من حقوق الانسان ألا و هو حقوق المرأة الانسان المدنية الخاصة أي التي تتعلق بذاتها و بشخصها و بجسدها و ما يتفرع عن ذلك من نقاط سنعرض لها بالتفصيل فيما يلي. و في غياب قانون مدني موحد يعرض لمبادئ حقوق الفرد الشخصية و ما يتفرع عنه من حقوق موحدة للرجل و المرأة دون تمييز و يحددها بشكل مباشر، كما هو الحال في القانون المدني في فرنسا و في التعديلات الدستورية في الولايات المتحدة مثلا، نجد بشكل مبعثر هنا و هناك (في الدستور و في بعض الاتفاقيات التي صادق عليها لبنان و قانون العقوبات أو في قانون الموجبات و العقود و في بعض قوانين الأحوال الشخصية و غيرها من القوانين) بعض المواد و القواعد التي تمنح جانب من بعض هذه الحقوق أو تحول دون ممارستها بشكل مساو. و قد عمل الاجتهاد على ملء بعض من هذا الفراغ.

أولا: ماهية حقوق المرأة الإنسانية:

يمكن تعريف حقوق الأنسان بشكل بسيط “بأنها الحقوق الأصيلة في طبيعتها و التي بدونها لا نستطيع العيش كبشر”. و عرفت الأتفاقية الأممية التمييز ضد المرأة بكونه “التمييز و الاقصاء الممارس على اساس الفرق في الجنس و الذين من شأنهما حرمان المرأة من حقوقها الأنسانية الإساسية و ممارسة حرياتها العامة في الحقل السياسي و الإقتصادي و الإجتماعي و الثقافي و المدني و في أي مجال آخر”.

و التمييز يمكن أن يكون مباشر و غير مباشر. المباشر يكون برفض قبول عمل أو طلب إمرأة لموضوع معين بسبب جنسها أو عدم السماح لمرأة في ممارسة حقها في الوقت أتيح هذا العمل أو الحق إلى الجنس الآخر.أما التمييز غير المباشر فيكمن في وضع قوانين أو قواعد أو شروط من شأنها أن تحد من إمكانية مشاركة المرأة.

و في الوقت الذي نصت اتفاقية 1979 و ما تلاها من تعليقات على إدخال المرأة في برنامج التطور (integrating women into development) بدأت المنظمات الدولية منذ مطلع 1990 تتحدث عن مساهمة الجنس الآخر و مشاركته الفعالة المباشرة في سياسة التطوير و التخطيط الاجتماعي و الاقتصادي.

في هذه الأيام يستعمل التعبيران “حقوق المرأة” و “المساواة في الجنس” للتعبير عن الموضوع نفسه في الوقت أن تعبير حقوق المرأة يعني حصول المرأة على كافة الحقوق الانسانية المنصوص عنها في الدساتير و المعاهدات الدولية بدون تمييز. أما التعبير المساواة في الجنس فإنها تشير إلى المساواة بين المرأة و الرجل في المعاملة في حالة واحدة متشابهة أكانت في الحقل العام أم في الحقل الخاص.

ثانيا: عناصر هذه الحقوق:

إن عناصر هذه الحقوق مادية و معنوية و قانونية :

أ) فالعناصر المادية هي: جسدية و يترتب عليها مجموعة من الحقوق الفرعية نصت عنها الشرعة الأوروبية لحقوق الانسان و هي:

– الحق في الحياة لكل إنسان و حماية جسده و منع التعرض له
– حق الجنين في بطن أمه في الحياة و منع التعدي على الجنين في بطن إمه مما يستتبع عدم جواز الاجهاض إلا في حالات مبررة طبيا أو أخلاقيا و مع إحترام إرادة الأم
– منع الاعتداء على جسد الانسان و بتر أي عضو من أعضائه لأي سبب من الأسباب
– منع التعامل و التجارة في الأعضاء البشرية (استثناء بيع أعضاء معينة لأسباب متعلقة بالأبحاث أو لأسباب قاهرة مسموحة في بلدان قليلة)
– منع حجز حرية أو اختطاف أي إنسان
– تحريم التعذيب الجسد والتعذيب النفسي بالأذى و الضرب و التعدي الجنسي و التشويه بأي طريقة أو أسلوب لأي سبب من اللأسباب و هذا التحريم يشمل السلطات العامة كما يشمل الضغط النفسي و التعذيب في العمل (psychological harassment) لدفع الموظفة إلى الخطأ أو ترك العمل، و يشمل أيضا الاستغلال في ظروف العمل للوصول إلى مآرب جسدية منافية للحشمة و غيرها
– عدم التفرقة بسبب اللون أو المرض أو الشكل أو الجنس أو المصدر (تفرقة عنصرية)
– الحق على صورتها إذ أن للإنسان حق على صورته و صورة جسمه ، فلا يحق لأي طرف تصوير المرأة بدون موافقتها

ب) العناصر المعنوية و هي كل ما من شأنه أن يتسبب بضرر شخصي أو إجتماعي للمرأة بمعناه الواسع. و من العناصر المعنوية:

– الحق بالكرامة و منع التعدي عليها
– الحق بحماية صورتها المادية (منع استعمال صورتها الشخصية لأي سبب دون موافقتها)، و صورتها المعنوية أي عدم المساس بسمعتها، بسيرتها في حياتها و بعد مماتها و عدم التشهير بها)
– الحرية الشخصية مقدسة و يمنع التعدي على الخصوصية (هاتف، مراسلات، انترنت و ما شابه ذلك، معلومات شخصية طبية أو دراسية أو خاصة أو مهنية لا تتعلق بالجمهور)
– حرية الزواج
– حرية العمل و المساوة فيه

ت) العناصر القانونية يترتب على ذلك التمتع بكافة الحقوق التي ينص عنها الدستور و الحقوق و الموجبات المدنية. و تشمل:
– الحق بالجنسية
– الحق بالتملك
– الحق بالزواج
– الحق بالبنوة
– الحق بالميراث
– حق المرأة بضمان الشيخوخة و الحصول عى حياة تقاعدية كريمة
– حق المرأة في التعلم في مدارس و جامعات وطنية لها رفعتها و مستواها التعليمي و تؤمن المساواة في التعليم لكل المواطنين
– المساواة في فرص العمل و في المعاملة ضمن الإطار المهني الواحد
– و كافة الحقوق التي تنص عليها القوانين الوضعية إسوة بالرجل

ثالثا: اشكالية تاريخية: الحقوق الدين و العادات و التقاليد:

إن معالجة موضوع الحقوق الأساسية للإنسان، و بالنظر للسرد التاريخي الذي سبق، تطرح إشكاليتين:

* الإشكالية الأولى أصولية و أدبية لا يمكن تجاوزها تعود إلى مسببات القهر و الاضطهاد اللذين أديا إلى لجوء المرأة إلى المطالبة بحقوق إنسانية بمعزل عن القيم الدينية و الاجتماعية السائدة. فالسؤال الذي يفرض نفسه: هل يمكن الاستنتاج أن بعض المبادئ الدينية تتناقض مع الحقوق المدنية الأساسية للمرأة أم أن هناك مشكلة ممارسة؟ و هل أن المبادئ القانونية الأخلاقية المطلقة هي مبادي فلسفية كما ذكر أرسطو؟ و هل يمكن التحدث عن مبادئ حقوق المرأة و قيمها بمعزل عن الدين؟ أو بتعبير آخر هل تتناقض مع الدين؟

* أما الاشكالية الثانية فهي تنفيذية أي تتعلق بابتعاد أهل القيم و أدبيات السلوك المثالي عن المبادئ التي ينادون بها كما حصل مع رجال الدين و الثورات و إنغماسهم في متاهات السلطة و نتائجها القمعية. فهل تعتبر مبادئ حقوق المرأة نوعا من أنواع المثاليات أو اليوتوبيا؟

إذا ما عدنا إلى المبادئ و القيم و التعاليم الدينية المشار إليها أعلاه على إختلاف انتماءاتها، نخلص إلى القول بأن الأديان السماوية حفظت حق الانسان و المرأة بشكل أو آخر. إن الأخلاق أو القيم (ethics) المشتقة من اليونانية (ethos) و من اللاتينية (ethicus) و التي دأبت العقائد الشرقية تتباهى بها و نشرها لا تضاهي القيم و الأخلاق الحميدة التي بشر بها الأنبياء و الرسل في الأديان السماوية من خلال الممارسات الدينية و الدنيوية التي دعوا إليها. فالصراع ليس قائما بين الدين و الفلسفة أو بين الدين و الأخلاق مطلقا. و إنما المشكلة تكمن في ممارسة ذكورية و مجتمع مبني على تقاليد موروثة.

فقد كان الحكم باسم الدين يعني الحكم باسم الايمان أي الخضوع لمشيئة الله، و الخضوع لمشيئة الحاكم تعني الخضوع لمشيئة الله الذي يحكم باسم الدين و مشيئة الله و الخروج عن الحاكم تعني الكفر و الزندقة و الردة و الحكم بالموت. فتوجب الخروج من هذه الحلقة المفرغة و هذا الفخ الذي يستعمل فيه الحكام (و الناطقون باسم الدين) الارادة الإلهية و يسخروها لصالح حكمهم و مشيئتهم و غاياتهم و نزواتهم الشخصية و يتجاوزون في معظم الأحيان القيم الدينية و يستغلون إيمان الناس و بساطتهم و رضوخهم فيسيؤن إلى الدين و الايمان[ Ignaz Goldziher, Le dogme et la loi dans l’Islam, Geuthner, 2000
]. و التاريخ حافل بمآثر هؤلاء على مد السنوات و على اختلاف المذاهب و الأديان. و خير دليل على ذلك ما حصل مع مفكر مصري شهير منذ فترة وجيزة حيث تم تطليقه من زوجته قسرا و خلافا لإرادة الزوجين على خلفية أفكار متطورة لا تروق لبعض رجال الدين. إن صون الدين و حماية الايمان من تعسف أهل السلطة تقضي بالحكم باسم الحق و القانون اللذين يستمدان قوتهما و أصولهما من مبادئ إنسانية اساسية تمت إلى أصول البشرية و حمايتها و إرساء قواعد الحرية و العدالة و القيم الأخلاقية بين الناس التي جاءت كل الديانات السماوية و المعتقدات البشرية لتؤكد عليها ليسود العدل و الحرية و المساواة بين أجناس البشر.

إن فكرة حقوق الانسان و المرأة و حريتهما تجلى في العقد الاجتماعي و في كتابات و أفكار أطلقها عدد كبير من المفكرين و الفلاسفة أمثال لوك و فولتير و جان جاك روسو و مونتيسكيو و توكفيل و سبينوزا و شوبينهاور و هوبز و قاسم أمين و مصطفى عرابي و أتباع مدرسة سيسرون المثالية و غيرهم. و كما أعلن المفكر الثوري المحامي سان جوست (Saint Just) حينها “لا تكتب الحرية لشعب بدون قوانين”[ Le Droit International, Archives de Philosophies du Droit, Tome 32, Sirey 1987
]. و أدى التطور الفكري و قيام حركات النهضة الفكرية كما سبق و أشرنا، بغض النظر عن اختلاف مصادرها التاريخية، إلى تكريس حقوق إنسانية فردية أساسية في مجموعة من الشرع و الاتفاقيات الدولية نذكر من أهمها الاعلان العالمي بحقوق الانسان لعام 1948، إتفاقية 1980 المتعلقة بإلغاء كل أشكال التمييز ضد المرأة، الإعلان الاسلامي لحقوق الإنسان الذي أعلن بتاريخ 19/9/1981 أمام الهيئة العامة للأونيسكو بمبادرة من تجمع مسلمي فرنسا. و قد أدخلت معظم هذه المبادئ في تشريعات الدول التي ما فتئت محاكمها تحكم بموجبها عندما يتعرض أي إنسان مقيم على أراضيها لأي اعتداء على شخصه و حقوقه الأساسية (صادق لبنان على البعض منها). إن حضارة مجتمع تقاس بطريقة معاملته للأقليات (مهاتما غاندي).

رابعا: موقف القانون اللبناني و الحقوق التي يحميها؟

الدستور اللبناني:

ينص الدستور اللبناني في مواده السابعة و الأثني عشرة و الرابعة و العشرين على مبدأ مساواة الرجل و المرأة أمام القانون و في حقهم في الوظائف و في حقهم الانتخابي ترشيحا و انتخابا.

و عليه فإن المواطنين رجالا و نساء متساوون في الحقوق و الواجبات و أمام القانون. و ما التمييز و التقاضل في أي موضوع سوى الشواذ عن القاعدة. و بتعبير قانوني آخر فإن الأحكام القانونية المتعارضة مع المباديء الدستورية هي “غير دستورية” بالمعنى القانوني و تتعارض مع مبادئ النظام العام لأنها تمس بمبادئ رئيسية و هي الحرية و المساواة و العدالة.

الاتفاقيات الدولية:

لقد انتسب لبنان و صادق على الاتفاقية العامة لحقوق الانسان لعام 1948 و على معاهدة الأمم المتحدة حول إلغاء كل اشكال التمييز ضد المرأة لعام 1979 the UN Convention on the Elimination of All Forms of Discrimination against Women (CEDAW), 1979. . كما أن لبنان قد إنتسب إلى عدد من المعاهدات الدولية التي تعنى بشكل أو آخر ببعض الحقوق الأساسية كمعاهدة الأمم المتحدة لعام 1998المتعلقة بمنع الاتجار بالأشخاص و خاصة الأطفال و النساء، و معاهدة التمييز ضد المرأة عام 1996، و معاهدة الحماية المدنية عام 2004 و غيرها. و من الملاحظ غياب تطبيق المعاهدات في القوانين الوضعية و في الأمور اليومية و في معالجة المشاكل التي تعترض المرأة.

و الجدير بالذكر أن لبنان كان من أنشط الفاعلين في إنشاء المنظمة العربية لإنهاض المرأة عام 2001 (و قد إنضم إليها بموجب القانون 472/2001) و في وضع قواعدها و مبادئها التي تنص في مادتها الخامسة على “المساهمة في تعزيز التعاون والتنسيق العربي المشترك في مجال تطوير وضع المرأة وتدعيم دورها في المجتمع … وعلى الاخص:
تحقيق تضامن المرأة العربية باعتباره ركناً اساسياً للتضامن العربي
تنسيق مواقف عربية مشتركة في الشأن العام العربي والدولي ولدى تناول قضايا المرأة في المحافل الاقليمية والدولية
تنمية الوعي بقضايا المرأة العربية في جوانبها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقانونية والاعلامية
دعم التعاون المشترك وتبادل الخبرات في مجال النهوض بالمرأة
ادماج قضايا المرأة ضمن اولويات خطط وسياسات التنمية الشاملة
تنمية امكانات المرأة وبناء قدراتها كفرد وكمواطنة على المساهمة بدور فعال في مؤسسات المجتمع وفي ميادين العمل والاعمال كافة وعلى المشاركة في اتخاذ القرارات
النهوض بالخدمات الصحية والتعليمية الضرورية للمرأة.

و تنص المادة السادسة على آلية العمل و الوسائل والتدابير التي تتخذها المنظمة لتحقيق اهدافها وتمارس الانشطة اللازمة للاضطلاع بمهامها .. وعلى الاخص:
جمع ونشر البيانات المتعلقة بأوضاع المرأة
دعم وتنسيق الجهود المحلية والقومية المتصلة بقضايا المرأة
متابعة مختلف التطورات بالمحافل الدولية في مجال اختصاصها
اعداد البرامج المتكاملة والنموذجية لتنمية اوضاع المرأة في شتى المجالات
الاتصال والتعاون مع المنظمات الحكومية وغير الحكومية العربية والدولية المعنية
عقد الندوات وورش العمل لتنسيق العمل العربي المشترك في مجال المرأة
القيام بالدراسات والبحوث حول المرأة وموقعها في المجتمع.

و لكن هذه المنظمة و مقرراتها بقيت بعيدة عن عالم الحقيقة المرة التي تعاني منها المرأة في مجتمعنا المتوتر.

القانون اللبناني:

أن القانون اللبناني لا يتضمن من حيث علاقة الإنسان الفرد بحقوقه الشخصية المدنية سوى قانونين أساسيين: قانون الأحوال الشخصية (بشقيه الاسلامي و غير المحمدي) و قانون الموجبات و العقود. و يغيب عن تشريعنا مواد أو مبادئ تلحظ حماية المواطن(ة) كما هو ملحوظ أعلاه في شرع حقوق الانسان و على الأخص في شرعة الحقوق الأوروبية و التي تبناها القانون الفرنسي (المواد 9 و 16 من القانون المدني) و توسع في شرحها الفقه و الاجتهادان الأوروبي و الفرنسي.

و لكن ذلك لا يعني أن في لبنان شريعة الغاب و أنه لا يوجد بعض القواعد الحمائية. من نافل القول أن الدستور اللبناني في مادته الأولى فقرة ج يحمي حرية المعتقد و الفكر و سائر الحريات السياسية. و تنص المادة السابعة على مبدأ المساواة بين المواطنين بغض النظر عن الجنس. و تعرف المادة الأولى من قانون الموجبات و العقود الموجب بأنها “رابطة قانونية تجعل لشخص أو لعدة أشخاص حقيقيين أو معنويين صفة المديون بحق شخص أو عدة أشخاص يوصفون بالدائنين”. و يستنتج من هذا التعريف أن القانون المدني اللبناني لا يفرق بين الجنس في الموجبات و لكنه ينظر إلى الموضوع من زاوية الموجبات و ليس من زاوية الحقوق الشخصية. و من ناحيته فأن قانون العقوبات يعاقب التعدي على الأشخاص و منعهم من ممارسة حقوقهم (مادة 329) ، و على التعدي على النساء و اغتصابهن (مادة 530 و ما يتبع) ، و على التعدي على الجسد و القتل (مادة 547 و ما يلي) ، و على الحرمان من الحرية (مادة 569)، و على التعدي على حرية االقصار في الزواج (مادة 483) .

و المشرع اللبناني قد أصدر بعض القوانين المبعثرة التي تعنى ببعض الحقوق المدنية خاصة فيما يتعلق بحقوق المرأة كقانون 720/1998 الخاص بإنشاء هيئة تعنى بشؤون المرأة و حقوقها. و قانون العمل التي تلزم رب العمل بمراعاة النساء في ساعات العمل و منحها بعض الحقوق المتعلقة بالإجازات المرضية و الأمومة.

يوازي ذلك وجود بعض الأحكام القانونية و الممارسات التي تنتقص من حقوق المرأة البديهية و تتعارض مع المبادئ الدستورية و المعاهدات الموقعة. ففي المواد 23 و 43 من القانون العقاري مثلا يشترط مراعاة قوانين الأحوال الشخصية التي تتطلب موافقة الزوج على إتمام بعض المعاملات العقارية. و في بعض الأنظمة التقاعدية تفقد المرأة جزئا من راتب زوجها التقاعدي بعد وفاته في حين لا يمس هذا الراتب في حالة وفاة الزوجة قبل الزوج. و تشترط بعض المحاكم الشرعية تمثيل الأب أو ولي الأمر الذكر أو موافقته في عقد قران الأمرأة حتى و لو كانت راشدة عملا بقراءة متشددة لأحكام المواد 35 و 47 من قانون الأحوال الشخصية. و تنص المادة 73 منه على ضرورة إطاعة الزوجة لزوجها بينما تطلب حسن المعاملة فقط من الرجل.

و في قانون الضمان الاجتماعي نلحظ مثلا فارقا بين المرسوم 5103 تاريخ 24/3/2001 المتعلق بالتعويضات العائلية و طريقة توزيعها بين الزوجة و الأولاد بصورة عامة و بين المرسوم رقم 2188 تاريخ 5/6/2009 و المتعلق بنفس الموضوع و المختص بتعويضات زوجات و أولاد سائقي السيارات العمومية. ففي المرسوم الأول حدد التعويض العائلي للزوجة بستين الف ليرة بينما حدده بخمسين الف ليرة في الحالة الثانية.

يضاف إلى ما تقدم القرار رقم 15 تاريخ 19/1/1925 المتعلق بالجنسية الذي ينص في الفقرة الثالثة من المادة الأولى على أنه يكتسب الجنسية كل مولود من أب لبناني غافلا حق الأم في الموضوع.

ناهيك عن التمييز الباطني و العلني المتأتيين من المواد 6 و 7 و 8 و 12 من قانون تنظيم العائلة الصادر بتاريخ 25/10/1997. و يستشم من قراءة المواد 13 إلى 19 شعور بالأنتقاص من كرامة المرأة و الحد من حريتها.

تكمن المشكلة إذا في كون بعض هذه النصوص تتعارض مع المباديء الدستورية و مع المعاهدات الدولية التي صادق عليها لبنان. و بموجب القانون الدولي و هرمية كلسن فإن القوانين و القرارات التي تتعارض مع الأحكام الدستورية و المعاهدات الدولية تعتبر غير نافذة و لا تطبق على أصحاب العلاقة. و من جهة أخرى لا تنص القوانين الحمائية المشار إليها على قواعد الحقوق الانسانية التي يحق للمواطن الاعتداد بها و الاعتماد عليها للمطالبة بحقه بشكل عفوي. فبموجب أحكام القوانين الحالية كحماية المستهلك مثلا على المتضرر إن يتقدم بشكوى و أن يطلب تعويضا إذا تلازم فعل الجاني مع ضرر مباشر، و إلا فعليه التقدم بدعوى المسؤولية المدنية عن الضرر الذي يلحقه ضمن إطار المسؤولية المدنية و تلازمه مع الفعل. و هذا الموضوع يستلزم أمرين: أولا: ثقافة مواطنية تحمل المواطن على اختيار الطريق القانوني و القضائي السليم لاستحصال حقوقه المباشرة خارج إطار العقوبات التي تقر بها النيابة العامة و الهيئات الاتهامية، و الثاني أن يكون الضرر معترفا به قانونا و اجتهادا. و لم يتسنى للقضاء البت في موضوع تطبيق قانون حماية المرأة.

دور الفقه و الاجتهاد اللبنانيين:
في غياب نصوص صريحة قام الفقه و الاجتهاد اللبنانيان، مستوحيين من المبادئ الدينية و الانسانية البديهية و مستلهمين من الاجتهاد الفرنسي، باستنباط عدد من الحقوق الأساسية فدخلت بدورها في معجم قواعد الحق اللبناني. فبالإضافة إلى الضرر المادي الذي ينتج عن الفعل المباشر ضمن إطار نظرية المسؤولية أكانت تعاقدية أو ناجمة عن الخطأ أو الإهمال و القصد، فقد صدرت مجموعة من الآراء و الاجتهادات التي أقرت بالضرر المعنوي لصالح الفرد عامة و المرأة خاصة نتيجة لخطأ يرتكبه احد بحقه. مثال ذلك الأخطاء الشخصية و المهنية. فما هي الحقوق التي أقر بها الفقه و الاجتهاد اللبنانيان و ما هي مصادره القانونية؟

لقد استلهم الاجتهاد اللبناني من الاجتهاد الفرنسي و من المبادئ الانسانية و القيم الدينية و الأخلاقية بعض الأسس و القواعد التي اعتمدها ليكرس في حالات معينة بعض الحقوق الفردية الشخصية الأساسية خاصة تجاه المرأة و ذلك انطلاقا من نص المادتين 134 و 263 من قانون الموجبات و العقود اللتين اعتبرتا أنه يمكن أن يعتد بالضرر المعنوي كما يعتد بالضرر المادي. و رأى بعض الفقهاء أن هذا الشرط الوارد في مجال المسؤولية العقدية يسري أيضا في المسؤولية التقصيرية لأن النصوص القانونية تكمل بعضها[ د. مصطفى عوجي- القانون المدني-ج 2، ص. 168]. و قد عرف الضرر المعنوي بأنه “الأذى الذي يلحق بغير ماديات الانسان فيمس بمشاعره او باحساسه او بعاطفته او بنفسه او بمكانته العائلية او المهنية او الاجتماعية محدثا لديه الألم النفسي او الشعور بالانتقاص من قدره”. و مرة أخرى نلاحظ أن هذا الضرر المعنوي لا ينتج عن مساس بحقوق أساسية بل في معرض مسؤولية تعاقدية أو تقصيرية. فما هي الحقوق التي كرسها الاجتهاد بطريقة غير مباشرة في معرض تناوله للأذى و الضرر المعنوي؟

– حق الانسان على جسده و صورته: إن إصابة آنسة عزباء و فنانة بجروح في جسدها و وجهها ينتج عنه تعطيل و تشويه دائم يؤثر في تعاطيها مهنتها الفنية الغنائية يعطيها الحق بالتعويض عن الضرر المادي و المعنوي الذي لحق بها[ المحكمة الادارية الخاصة، 6/4/1970، ن ق 1970 ص 410 ] .

– حق الولد بحقه بالكرامة و المساواة: يحق للإبنة غير الشرعية ، ثمرة معاشرة خارج الزواج، أن تطالب والدها بالتعويض عن الضرر الذي لحق بها بتسببه بوجودها بشكل منتقص الحقوق كإبنة غير شرعية ذات مكانة إجتماعية منتقصة في هذه الدنيا. مما ألحق فيها ألما نفسيا رافقها مدى حياتها[ تمييز مدنية 14/4/1067، ن ق 1967 ص 835].

– كما يحق للأب أن يقاضي إبنته و عشيقها عن العار الذي ألحقته به بسبب استسلامها للغير في سن يقرب من سن الانعتاق من الولاية[ محكمة ابتدائية البقاع 21/7/1948، ن ق 1949 ص 554 ]. (نتحفظ على محاسبة الإبنة لتمتعها بكل حرية بجسدها إلا إذا كان قد غرر بها من قبل عشيقها ، ففي هذه الحالة يحاسب العشيق للضرر المتسبب به للإبنة و للعائلة).

– حق التمتع في الحياة: حكم الاجتهاد في أكثر من مناسبة و أرفق إلى جانب التعويض عن الضرر الجسدي التعويض عن الضرر المعنوي الناتج عن الحرمان من متع الحياة. مثل الرياضي الذي يحرم من ممارسة هوايته أو حرفته. و لم يقتصر الحرمان على الأممور و الاعاقات أو الأضرار الجسدية بل تعداها ليطال الأضرار الذهنية و الفكرية و النفسية[ د. مصطفى عوجي، المرجع نفسه، ص. 181 . و عاطف النقيب، النظرية العامة الناشئة عن الفعل الشخصي. 1983، ص 321]. و ينسحب هذا الاجتهاد على تعويض المرأة عن الضرر المادي و المعنوي الذب يصيبها من جراء التعرض لها جسديا و معنويا.

– حق زوج المرأة التي جرحت و تشوه وجهها على إثر حادث بتعويض عن الضرر المعنوي الذي لحق به بمعزل عن التعويض الذي يستحق للمرأة[ محكمة الجنايات تاريخ 5/1/1951 المحامي 12/1951 ] و من البديهي أن يشمل هذا الحق الزوجة.

– حق الانسان على جسمه و عورته: كل فعل يقع على عورات الغير و من شأنه أن يخدش عاطفة الحياء ، و أن الأفعال التي تقع على أجزاء الجسم من دون أن يكون لها طابع الفحش و من دون ملامسة عورات الغير تعتبر من الأفعال الفاضحة أو المنافية للحياء.

و بمقتضى المادة 134 موجبات و عقود يعتد بالضرر الأدبي كما يعتد بالضرر المعنوي و المادي. فللقاضي أن ينظر بعين الاعتبار إلى شأن المحبة إذا كان هناك ما يبررها من صلة القربى الشرعية أو صلة الرحم. و يحق للأقارب و ذوي القربى و للورثة و لسواهم من ذوي القربى الشرعية أو من ذوي صلة الرحم أن يطالبوا بالأضرار المادية و المعنوية التي نالتهم بسبب موت مورثهم بخطأ الغير. و لأشقاء المتوفي أن يطالبوا بمثل هذه الأضرار حتى و لم يكونوا من الورثة لأن الحق الذي يدعون به على هذه الصورة ليس منتقلا عن الميت بل هو شخصي متعلق بهم ناشيء عن صلة المحبة و القربى[ محكمة الاستئناف، قرار 751، تاريخ 31/5/1949 ، مصنف شمس الدين 1949 ، المستشار].

و لكن هذه القرارات القضائية مشوبة بعيوب جوهرية شكلية و موضوعية متصلة بجوهر الموضوع الذي نحن بصدده و ليس بجوهر و أساس القرارات الصادرة بحد ذاتها. فبعض هذه الحقوق أشير إليها في معرض النطق بها بطريقة غير مباشرة من زاوية التعويض عن الضرر المترتب. و تمنياتنا أن تكرس هذه الحقوق كمبادئ قانونية لحماية المرأة و المجتمع.

خامسا: كيفية ممارسة هذه الحقوق:
نشر الحقوق و العلم بها:
لا يجب الاكتفاء بإعلان المبادئ الحقوقية و إدخالها في المنظومة القانونية الدولية و المحلية بل يجب نشرها و إدخالها كثقافة إجتماعية اساسية في المناهج التعليمية للرجال و النساء على السواء.
اللجوء إلى الوسائل القانونية و القضائية:
إن وسائل النضال لا تكمن في الصراخ و التظاهر فحسب بل يجب أن تلجأ صاحبات العلاقة إلى استعمال كل الوسائل القانونية و القضائية المتاحة لحماية حرياتهن و الاستحصال على حقوقهن.

وسائل الضغط
يتوجب على المنظمات و الهيآت العاملة في حقل حماية الحريات النسائية و دعم حقوقها الإنسانية التعاون و التكافل لتشكيل مجموعات ضغط على أصحاب القرار من أجل إدخال تشريعات جديدة و تعديل ما هو مجحف حاليا. كما أنه يتوجب عليها تدفع بعناصرها لتمارس الحياة العامة سياسيا و اقتصاديا و اجتماعيا و ماليا بشكل أكثر فعالية ليشكل وجودها في هذه المحافل أداة ضغط و درع حماية لصالح الحقوق النسائية. هذا مع الإشارة هنا إلى الهيئة الوطنية لحقوق المرأة التي أنشئت بموجب القانون 720 تاريخ 5/11/1998، و التي ينص نظامها على مهام استشارية و تنسيقية و تنفيذية.

العلم و الثقافة:
نشر التعليم و محاربة الجهل الذي يطال بصفة خاصة النساء و توعية النساء حول حقوقهن المشروعة و التركيز على التربية المنزلية و نبذ الفكر الذكوري في مجتمعنا الشرقي.

المشاركة الفعالة
على المرأة المشاركة بشكل فعال في كافة المجالات بصرف النظر عن النسب (كوتا) التي نعتبرها مهينة بحق الرجل و المرأة على السواء و متناقضة مع مبدأ المساواة. إن هذه المشاركة في تحمل مسؤولية التخطيط و البناء و اتخاذ القرارات تغير الوجه الحضاري للمجتمع. و خير دليل على ذلك ما قدمته مشاركة باقة من المحاميات إلى مجلس نقابتهن في طرابلس و هذا ما تميزت به نقابة محامي طرابلس عن عدد كبير من الفعاليات المختلطة في منطقة الشمال. كما أن مدينة طرابلس قد اختارت سابقا لفيف من السيدات إلى عضوية المجلس البلدي، و انتخبت مؤخرا سيدة حقوقية ، صحافية، ذات حاجة خاصة إلى العمل البلدي في خضم تنافس ذكوري حاد مما يثبت أن المجتمع منفتح على إعطاء الثقة لكل عمل جاد و السماح بمشاركة فعالة للمرأة في الشؤون العامة. و نأمل أن ينسحب هذا الأمر على الإنتخابات التشريعية.

من يفرض تطبيق قواعد حماية المرأة و يحمي حقوقها؟
– الدولة من خلال جعل هذه القواعد من مبادئ النظام العام مما يتوجب على السلطات الأمنية و القضائية إثارتها عفوا
– أصحاب الشأن و المتضررين أنفسهم بتقديم الإعتراضات و الشكاوى حيث و حين تدعو الحاجة
– المنظمات الرسمية و الخاصة المعترف بها بشكل تثير فيه الموضوع أمام السلطات المعنية

ممارسة الحقوق القضائية بممارسة أصول الادعاء:
– عملا بأحكام المادة 212 عقوبات فإن الدعوى تقام بوجه فاعل الجريمة و شركائه و المتدخلين فيها و المحرضين عليه
– أما في الدعوى المدنية التي ترمي إلى المطالبة بالتعويض فإنها تقام بوجه الفاعل و الشريك و المتدخل و المحرض بالاضافة إلى المسؤول بالمال و الوريث و الضامن و الهيئات المعنوية.
– و يحق مقاضاة الشخص المعنوي عن الضرر الذي يتسبب به عملا بأحكام المادة 122 موجبات و عقود معطوفة على المادة 210 عقوبات بحيث أن الشركة (أي الشخص لمعنوي) يكون مسؤولا عن الضرر المادي الذي تسبب به العاملون فيها الذين يعملون باسمها و لمصلحتها (مديرا أو عضوا في إدارتها أو ممثلا لها أو عاملا فيها) اثناء ممارسة عملهم فيها و لها و بوسائلها.
– على المتضرر إقامة الدعوى و إثبات العلاقة السببية بين الفعل و الضرر و تقدير قيمته. و يكون الضرر قد حصل.
– في حال انتهاك حرمة السمعة أو السيرة الذاتية أو تاريخ المرأة مثلا، على الأخيرة أن تثبت الواقعة بشكل تعاقدي أو جزائي و أن تكون هذه الوقائع مثبتة بشكل موثق.
– قبل حصول الضرر: يمكن للمواطن الذي يعلم بوجود حالة تعد على أحد حقوقه التقدم بدعوى أمام قاضي الأمور المستعجلة طالبا: منع حصول الفعل أو منع النشر أو إبطال الفعل الخ..
– إتخاذ صفة الادعاء الشخصي ضد الموظف بسبب التقصير أو الخطأ
– بعد حصول الضرر: المطالبة بالعطل و الضرر المادي و المعنوي حسب الحالة
– الادعاء جزائيا في حال وقوع اعتداء جسدي أو معنوي و أو إتيان فعل يعاقب عليه جزائيا

سادسا: بعض المعوقات العملية و الواقعية:
تستمد هذه المعوقات وجودها من تقاليد و عادات و بعض النصوص و الأحكام القانونية المتوارثة كما أشير إليه أعلاه. من جهة أخرى تتعارض بعض المعوقات الإجتماعية و الموروثات الثقافية مع مبدأ حرية المرأة و حقوقها، مثال ذلك:

الزواج المنظم و إرغام الفتيات خاصة إذا كن قاصرات على الزواج
تمثيل المرأة برجل (ولي أمر) في عقود الزواج
إشتراط موافقة الزوج من أجل الحصول على إذن سفر أو جواز سفر المرأة أو الأولاد
ممارسة الختان في بعض الأوساط الاجتماعية
القتل لأسباب متعلقة بالغيرة و العار
الزواج من مغتصب
استعمال بعض القيم الدينية لقهر حرية المرأة أو تقييدها
تقييد حرية الدراسة

علما أن هذه العادات و الموانع تتغير من مجتمع إلى آخر و من منطقة إلى أخرى مما يرفع عنها مبدأ ارتباطها بقيم اساسية.

يضاف إلى ما تقدم بعض الأعتداءات و الممارسات الفعلية بحق المرأة و منها:
الضغط النفسي و الترهيب الجسدي في العمل و في الأماكن الخاصة و العامة
العنف الأسري على إختلاف أشكاله
التجارة بالمرأة و الفتياة رقا و جسديا
استعمال جسم المرأة لأسباب تجارية و ترفيهية

سابعا: نتائج قوننة هذه الحقوق:
إن إدخال هذه الحقوق في صلب التشريع الدستوري أو المدني أو الجزائي و إزالة المعوقات الموروثة يترتب عليه نتائج و آثار مهمة على الأفراد و المجتمع. و هذه الآثار نفسية و سلوكية و ثقافية.

بالنسبة لأصحاب الحقوق أولا، إن شعور المواطن رجلا كان أم إمرأة بوجود حق يحميه يغير من نفسيته و سلوكه و يحول دون السماح لأي كان بتجاوز حقوقه الأساسية . في الوقت نفسه أن شعوره بوجود هذه الحقوق لصالحه ينتج عنها ترتب نفس الحقوق لصالح المواطن الأخر بغض النظر عن جنسه. و ينتج عن ذلك شعور بضرورة احترام حقوق الأخرين بقدر ما يترتب عليهم احترام حقوقه. إنها العقد الاجتماعي و الثقافة الجماعية بضرور احترام حرية الآخر و حقوقه و ما ينتج عليها من التزامات.

و ينسحب هذا الشعور الفردي على المجتمع و الادارة و السلطة ثانيا، حيث تنتقل هذه الثقافة إلى القيمين على إدارة شؤون الناس بحيث يصبحون حريصين على احترام حقوق المواطن سواسية بغض النظر عن العرق و الجنس و حمايتها بقدر حرصهم على احترام حقوقهم كمواطنين من جهة، و بحيث أنهم يخشون من عاقبة تجاوز حدود السلطة و التعسف في استعمالها لوجود العقاب و الملاحقة و الحماية التي يتمتع بها المواطن بوجود حقوقه الأساسية في الدستور و المعاهدات و القانون من جهة أخرى.

إن شعور المواطنين رجالا و نساء بوجود حقوق أساسية تحميهم سواسية و إمكانية ممارستهم لها تشعرهم بالكرامة و الحماية، من جهة ، و تحول هذه الحقوق دون كل من تخوله نفسه التطاول عليها أكان شخصا عاديا أو شخصا معنويا أو موظفا إداريا بشكل تعرضه للملاحقة العامة أو الفردية و تحول دون التمييز بين الأجناس و الأعراق و النوع. و تضع المواطن اللبناني رجلا كان أو إمرأة في مرتبة إنسانية رفيعة، حضارية و راقية.

خلاصة و توصيات:

هذا ما يحدو بنا إلى التفكير جديا في إعادة النظر في بعض التشريعات الحالية و دمج التشريعات المدنية و الأحوال الشخصية الدينية (مع المحافظة على خصوصيات البعض منها و التي تميز قيم مجتمعنا) في قانون مشترك يضم في مقدمته القيم الأساسية للأنسان و المرأة و حقوقها الانسانية الأساسية التي لا تختلف عليها الديانات و الحضارات. و يقضي ذلك تعديلا لقوانين مختلفة مما يتلاءم مع حماية هذه الحقوق.

أن إدراج هذه الحقوق في نظام دستوري و قانوني موحد يجعل من التعدي عليها فعلا، إداريا أو تعاقديا باطلا حكما لتعارضها مع النظام العام و بالتالي يكون لهذه الحقوق مفعول حمائي وقائي سابق و هذا ما ينسجم مع روحية الدستور و المعاهدات و المواثيق الدولية التي وقع عليها لبنان، و لا تبقى مفعولا علاجيا بعد أن يحصل الضرر كما هو الحال الآن لأنه لا يحق للغير تناول خصوصيات و حقوق الفرد دون موافقته المسبقة. و عليه نقترح أن تدرج هذه الحقوق في مواد قانونية دستورية و مدنية .

و في المطلق علمتنا التجارب أنه في الشرق العربي عامة و في لبنان خاصة، ليست العبرة في سن القوانين و إطلاق الحقوق و المبادئ بل في إرساء الثقافة الحقوقية و في التطبيق، و أني أرى أننا قبل كل شيء بحاجة إلى ثورة فكرية و إجتماعية و ورشة عمل قانونية من أجل إرساء قواعد الحق و العدالة و الحرية و المساواة ثقافة و فعلا.

فواز سالم كبارة

محام بالاستئناف

أ

س

ت

ا

ذ

 

ج

ا

م

ع

ي