ترامب بين نشوة الانتصار و هوة الانتحار

ترامب بين نشوة الانتصار و هوة الانتحار

منذ قرابة 27 عاما سقط جدار برلين و سقطت معه منظومة سادت لمدة نصف قرن و انهارت الحواجز. و مؤخرا و في نفس التاريخ تقريبا انتخب الشعب الأميريكي مرشحا على خلفية خطاب غريزي و برنامج انعزالي و ينادي ببناء جدار يحميه من محيطه الجغرافي و يطالب بسحب توقيع الولايات المتحدة من اتفاقيات دولية و بالانسحاب من منظمات عالمية. و بين سذاجة الرجل الذي فرض نفسه من خارج المنظومة السياسية السائدة، و بين سراب الوعود الانتخابية الفضفاضة و بين حقيقة الواقع العملي و القانوني فسحة واسعة سيفيق الرجل من نشوة الانتصار ليواجه خطر انتحار مجازي على أكثر من صعيد. و قبل تحليل معاني هذا الانتحار المعنوي لا بد من الاشارة إلى أسباب الانتصار.

أسباب الأنتصار: لقد تجمعت أميركا البيضاء المحافظة بكل مكوناتها من مزارعين إلى الطبقة المتوسطة مرورا بالواسب وصولا إلى اليمين المتطرف المدافعين عن مواقعهم أمام المد السكاني من مهاجرين آسيويين و شرق أوسطيين و لاتينيين و أفريقيين و الذين تشير الإحصاءات على أن الغلبة السكانية ستكون لهم بعد عقدين، حول الشعارات التي أطلقها المرشح ترامب خاصة و أن هذه الطبقة لم تتقبل انتخاب رئيس من أصول افريقية. و قد تغاضى هؤلاء عن ماضي ترامب الحافل بالمغامرات و التهرب من الضرائب و الخروج عن القيم البروتستانتية و رحبوا بخطابه المناهض للإسلام خاصة و أن المواطن الأمريكي ما زال تحت وطأة أحداث الحادي عشر من ايلول و متأثرا بما ينقله الإعلام الغربي عن بعض الممارسات التي تقوم بها جماعات مسلحة تحت ستار الاسلام. و كأني بصمويل هانتغتون قد اصاب في نظريته عن صراع الحضارات أم أنه كان من الممهدين لها(؟؟). إن جشع الرأسمالية الحديثة السائدة في الولايات المتحدة تحت قيادة الجمهوريين خاصة أدى إلى أزمات اقتصادية و مالية كانت آثارها كارثية على الشعب الأميريكي. و كان لا بد من إيجاد عدو خارجي لإلهاء الشعب الرازح تحت وطئ هذه الأزمات. فبعد أفول الخصم الشيوعي تم توجيه الأنظار باتجاه عدو آخر متمثل تارة بالقاعدة و أفغانستان و تارة بإيران و بالعراق و من ثم بسوريا و الجماعات المسلحة (و معظمها صنيعة المخابرات الاجنبية). و هنا يجب البحث عن لوبيين: الأول هو لوبي السلاح الذي انخفضت أرباحه بعد سقوط الاتحاد السوفياتي و بالتالي عمل على خلق توترات عالمية متفرقة، و الثاني هو لوبي شركات البترول على خلفية مد أنابيب الطاقة بين أفغانستان و تركيا من جهة، و بين قطر و أوروبا مرورا بسوريا و ذلك بغرض تطويق إيران و روسيا و تحرير أوروبا من الضغط السلافي من جهة أخرى. و هذا ما يفسر موقف روسيا و محاولتها تثبيت اقدامها في سوريا دفاعا عن مصالها الاستراتيجية. و في هذه الحلبة الجيوبوليتيكية تدفع الشعوب الثمن الباهظ من أرواح بريئة و من أموال و ممتلكات. ناهيك عن اللوبي الصهيوني الذي يسعى منذ زمن لخلق الفوضى حول إسرائيل لإراحتها. يضاف إليه أن المناخ السياسي قد تغير عالميا و انقلب مزاج الناخب في الدول المعروفة بعراقتها الديمقراطية و انتقل الخطاب من تنافس على برامج اقتصادية و اجتماعية و سياسية إلى دعوات غريزية و شعبوية يثيرها متطرفون و أحزاب إنعزالية تلقي اللوم على الأجنبي. ففنلندا و النمسا و المجر و بريطانيا و إيطاليا و ربما فرنسا مثال على ذلك.

الأنتحار : سأعرض لبعض ما حمل برنامج الرئيس ترامب من وعود انتخابية محاولا تحليل مدى إمكانية تحقيقها و آثارها الانتحارية على الولايات المتحدة أو على المواضيع التي تتناولها:

أولا: أولوية البضائع الأمريكية: يدعي ترامب أنه سيعطي الأولوية للبضائع المنتجة أميريكيا و سيحد من استيراد البضائع الأجنبية من خلال فرض ضرائب عليها. إن هذا الشعار المثير للغرائز الوطنية غير واقعي لإنه يتناقض مع مبدأ اقتصادي ليبرالي تدعمه الولايات المتحدة و تدافع عنه و هو حرية إنتقال الأشخاص و الأموال. لقد ساهمت الولايات المتحدة بإنشاء منظمة التجارة الدولية و حثت الدول على الانتساب إليها و العمل بموجب نظام المنافسة. و هنا سيجد الرئيس ترامب نفسه أمام مسؤولية إيفاء الوعود الانتخابية و أن يتخذ قرارات تتناقض مع مبادئ التجارة الحرة و الانسحاب من منظمة التجارة العالمية ! يضاف إليها الاتفاقيات التجارية الاقليمية الأخرى! و ضمن إطار العولمة هذه انتشرت مئات الشركات الأميريكية المتعددة الجنسيات في أنحاء العالم تبيع بضائعها و تستثمر خيرات الدول المضيفة. فما عساه سيفعل بوجه هذه الشركات الأمريكية و التي تشكل عماد الاقتصاد الأمريكي و هل سيصطدم معها؟ و ماذا سيفعل تجاه آلاف الاستثمارات الاجنبية المالية و التجارية و الصناعية في الولايات المتحدة و التي تساهم في دعم الاقتصاد الأمريكي إذا ما قررت الدول الأخرى الرد بالمثل؟ هل سيقارع السوق المالي و الاستثماري المتمثل بالمصارف و شركات التأمين و بوول ستريت؟ هل سينعزل عن الاقتصاد الدولي و هنا الانتحار الأقتصادي؟ أم يتراجع عن وعوده الانتخابية و تظهر الكذبة و الوعود غير الواقعية و هذا الانتحار السياسي؟

ثانيا: منع دخول الأشخاص الذين يؤمنون بالاسلام إلى الولايات المتحدة الأمريكية: إن هذا الشعار لن يصمد أمام القانون و الواقع. فكيف يمكن تصنيف الإنسان بحسب إيمانه و على اي أساس؟ أليست الولايات المتحدة مجموعة من المهاجرين المتساوين في الحقوق و الفرص دستوريا؟ ألا يتناقض هذا الوعد مع الدستور الأمريكي نفسه و مع المعاهدات الدولية التي صادقت الولايات المتحدة عليها بدئا بمعاهدة حقوق الانسان لعام 1948. فهل يضرب ترامب بدستور الولايات المتحدة و بالاتفاقيات الدولية التي ترعى حقوق الانسان و ايمانه عرض الحائط و يقدم على تدابير تتعارض معها و تصبح الولايات المتحدة دولة خارجة عن القانون؟ أم أن الرئيس المنتخب سينكل بوعوده الانتخابية و يكذب مرة أخرى؟

ثالثا: سحب توقيع الولايات المتحدة من إتفاقية باريس المعنية بالحد من الانبعاثات الحرارية: وقعت الولايات المتحدة اتفاقية باريس للحد من الانبعاثات الحرارية و صادقت عليها بعد طول انتظار. و حدا حدوها معظم الدول الصناعية بغية إنقاذ الكرة الأرضية من الكوارث الطبيعية المرتقبة. و مرة أخرى يتحفنا ترامب باقتراح سحب توقيع الولايات المتحدة من هذه الإتفاقية و بإطلاق العنان للصناعة المحلية الملوثة ضاربا عرض الحائط بمستقبل الأجيال القادمة و بمستتقبل الكرة الأرضية و بيئتها و هذا انتحار انساني و بيئي جماعي! أم أن الرئيس المنتخب سيعي خطورة هذه الخطوة من الناحية العملية و القانونية و يمتنع عن تنفيذ هذا البند من برنامجه و يضيف كذبة أخرى إلى وعوده الانتخابية؟

رابعا: الانسحاب من منظومة الأطلسي و عدم تمويلها: إن إنسحاب الولايات المتحدة من منظمة الأطلسي أو عدم تمويلها يعني فقدان توازن القوى العالمية، سقوط الثقة بالولايات المتحدة، إنهيار النظام العالمي الأمني و المالي و الاقتصادي الذي تدعمه الولايات المتحدة، و اتجاه سائر الدول المنتسبة إلى هذه المنظمة إلى توفير مصادر تسلح و تمويل بديلة إلى ما يترتب على ذلك من توتر أمني و أعباء مالية و اقتصادية غير منظورة و تعثر جديد في الاقتصاد العالمي المترنح حاليا. و هذا انتحار سياسي و أمني.

مفاعيل الوعود الترامبية: الانتحار القانوني و الشخصي:
– الانتحار القانوني: يرتكز القانون الدولي العام المعاصر و مبادئ السياسة الدولية إلى منظومة دولية من المعاهدات و الاتفاقيات الثنائية و الجماعية و القواعد التي تنظم العلاقات بين الدول و تحفظ حقوق مواطنيها. و من مبادئ هذه المنظومة و القواعد القانونية المنبثقة عنها أن الدول تلتزم بتوقيعها على المعاهدات و الاتفاقيات و بمصادقتها عليها أصولا. و تتميز هذه الالتزامات بالاستمرارية كيفما تغير الرؤساء و الحكومات و الأنظمة ناهيك عن تعرض الدول المخالفة إلى المساءلة أمام محكمة العدل الدولية و إلى الإنعزال في المجتمع الدولي و إلى فقدان مصداقيتها. و يتعرض المجتمع الدولي إلى حال من الفوضى و هذا هو الانتحار القانوني.

– عدم امكانية مخالفة الدستور الأمريكي: لا يحق لأي رئيس أمريكي أن يخالف الدستور لأي سبب يتعارض مع أحكامه كما أنه لا يحق له الكذب. و هنا فإن المرشح ترامب سيصبح مسؤولا و سيعود إلى كنف المنظومة القانونية الدستورية التي تملي عليه إحترام المبادئ الدستورية و القانونية الوطنية و الدولية، و إلا فإنه سيعصى على الدستور و هذا انتحار له، أو سيحول الدولة إلى دكتاتورية و هذا انتحار لدستور الأمة. و هذا انتحار دستوري.

– الانتحار الشخصي: هل يعي ترامب عمق المسؤولية أم هو من السذاجة بمكان أن أطلق العنان لغرائزه و وصوليته؟ فإذا كان يستعمل الكذب المتعمد لمخاطبة غرائز المواطنين الرازحين تحت وطأة الأزمة المالية و اللعب على العواطف الدينية فهذا مخالف للقيم الأخلاقية و انتحار شخصي. أما إذا كان كذبه ناميا عن جهل فستظهر الأيام القادمة مفاجآت أهم دلائلها بداية التراجع عن عدد من الوعود غير القابلة للتنفيذ و هنا الخيبة الكبرى لمن عقد الآمال عليه و هذا هو الانتحار الشخصي.

– الانتحار الجماعي: إذا استمر الرئيس ترامب في اتخاذ قرارت عشوائية خارجة عن الدستور و المعاهدات و القوانين كإنهاء الاتفاقيات مع إيران و دفع إسرائيل إلى مزيد من التصلب فهو سيثير الاضطرابات و يضع العالم على شفير الهاوية. و العواقب ستكون وخيمة و التاريخ حافل بقصص رجال لاعقلانيين كانوا كارثة على المدنية و على تاريخ القيم الانسانية و هذا هو الانتحار الجماعي.
إن ملامح الغيث بدأت تظهر عناصره مع بدء الصدام مع المنظومة الحاكمة و أجهزتها الحزبية و الأمنية. فهل يصمد الرئيس المنتخب أمامها و يبقى كطير يغرد في غير سربه؟

و نقف أمام الوعود الفارغة و “Trumperie” متسائلين! مذا بعد و إلى أين؟ و تبقى بارقة أمل و قد علمنا التاريخ أن بعض الرجال الذين لم يخرجوا من رحم المنظومات التقليدية قد يفاجئوا العالم بقرارات جريئة، و نأمل لما فيه الأحسن و خاصة لمنطقتنا و إن غدا لناظره قريب.