القطاعات الإنتاجية في لبنان
ضحيّة القوانين والمواصفات والإتفاقيات الخاطئة
(دراسة)
لم يعد خافياً على أصحاب القطاعات الإنتاجية في لبنان على أنّ القوانين التي إعتُمدت والمواصفات القياسية التي أُنزلت والإتفاقات التجارية التي أُبرِمت منذ 1990 تصبّ جميعها في خانة إستهدافها ودفعِها للإقفال. إنها حقاً مؤامرة حيكَت من قبل مؤسسات غربيّة بحجّة مساعدة لبنان على إعتماد الإنفتاح الإقتصادي وسيلةً لغزو منتجاته للأسواق العربية والعالمية بينما الهدف هو فتح الباب واسعاً أمام غزو المنتجات الغربية للأسواق اللبنانية والحلول محل الإنتاج الوطني.
لقد إنطلت على المسؤولين اللبنانيين في وزارات الإقتصاد والصناعة والزراعة والمالية كذبة الإنفتاح والعَولمة وسيلةً لدفع عجلة النمو وإستقطاب الإستثمارات والتكنولوجيا. فجنّدت مؤسسات رسمية أوروبيّة وأميركية محاميات لبنانيات كي تاخذن في الوزارات المختلفة مراكز لوضع قانون حماية الإنتاج الوطني وقانون حماية المستهلك ولإعتماد المواصفات القياسية الأوروبية المستحدثة للمنتجات اللبنانية ولدفع السلطات الجمركية على تخفيض الرسوم الجمركية على السلع المستوردة الى الحدود الدّنيا وتمرير كل ذلك على مجلس الوزراء ثمّ مجلس النواب وإعتمادها كقوانين ملزمة يصعب تعديلها.
لقد مرّ على مفاوضات لبنان للإنضمام الى منظمة التجارة العالمية عشرون سنة دون أن يتعدى عتبة العضو المراقِب بالرغم من إصدار قانون حماية الإنتاج الوطني وقانون حماية المستهلك وتخفيض الرسوم الجمركية الى معدل يقرب من 5%. لم يصبح لبنان عضواً كامل العضوية في هذه المنظمة لأنّ الولايات المتحدة تضغط عليه لكي يُلغي الرسوم الجمركية على ما تبقى من رسوم حمائية لمنتجات قليلة لا يتعدى عددها أصابع اليد الواحدة.
المؤسف المُبكي أنه تمّ تمرير قانون حماية الإنتاج الوطني وقانون حماية المستهلك على مجلس الوزراء ومجلس النواب وتمّت المصادقة عليهما دون أن يدرس لا مجلس الوزراء ولا مجلس النواب هذين القانونين بعناية وبوَحي من مصلحة لبنان واللبنانيين. يكفي أن يكون من أعدّ هذين القانونين جهابظة مُعيّنين من قبل USAID والمفوضية الأوروبية ومدفوعٌ أجرهم من قبل هاتين الهيئتَين الى ما شاء الله.
لو نظرنا الى النتائج التي ترتّبت على هذين القانونين وعلى تخفيض الرسوم الجمركية منذ عشرين سنة وحتى الآن وعلى توقيع إتفاقيات التبادل التجاري الحر لرأيناها تتلخص بالآتي:
- إقفال صناعات عديدة كصناعة النسيج والملبوسات والأحذية والأدوية والتوقف عن زراعات كالشمندر السكري والعدس والحمص والفول والتفاح والصناعات الغذائية كالفول المدمّس والحمص بالطحينة وتخفيض إنتاج الألبان ولحوم الدواجن الى ما دون الـ 50% من حاجة الإستهلاك المحلّي.
- هجرة الكفاءات والرساميل الى دول أخرى كأفريقيا للإستثمار فيها بدل الإستثمار في لبنان.
- هجرة ما يزيد عن عشرين ألف مواطن لبناني سنويّاً ذوي الإختصاصات العُليا والمتوسطة الى خارج لبنان بسبب قلّة فرص العمل فيه.
- إرتفاع العجز التجاري الى ما يزيد عن 17 مليار دولار سنوياً مع إنخفاض مضطرد في قيمة الصادرات وخاصةً صادرات الصناعات الغذائية التي كان يعوّل عليها الكثير.
- إعتماد لبنان على إستيراد ما يزيد عن 80% من غذائه وبالتالي ضرب سياسة الأمن الغذائي بالصميم وترك لبنان يعتمد على الدول الأخرى لتوفير الغذاء الذي يحتاج إليه بغض النظر عن أسعاره ونوعيّته وحتى توفّره بظل الزيادة المضطردة لعدد السكان في العالم.
- إبعاد لبنان عن إمكانية إنتقاله من دولة في طور النمو الى دولة نامية ثم الى دولة صناعية بظل دولة ريعيّة مستهلكة وليس دولة منتجة.
في قانون حماية الإنتاج الوطني
صدر قانون حماية الإنتاج الوطني بموجب المرسوم رقم 1204 تاريخ 18/12/2006 وتمّ نشره بالجريدة الرسمية العدد 14/ في 3/4/2008 وذلك بعد أن وافق عليه مجلس الوزراء في 18/3/2008 وبعد أن كان ألغي المرسوم الاشتراعي رقم 31 تاريخ 5/8/1967 بالقانون الصادر في 8/12/2006 كي يحل قانون حماية الانتاج الوطني محلّه.
إن الغاية من هذا القانون كما هو واضح من عنوانه هو حماية الانتاج الوطني، من منتجات صناعية وزراعية، من المنافسة غير المشروعة التي قد تحصل من منتجات مماثلة مستوردة بصورة مشروعة الى لبنان.
أولاً: حماية الانتاج الوطني تنطلق بموجب المادة 2 من هذا القانون من “تلقي جهاز حماية الانتاج الوطني الشكاوى المتعلقة بمكافحة الإغراق والدعم المتزايد في الواردات التي ترد من الصناعة أو الزراعة المحلية أو من ينوب عنها ويتولى أمر تسجيلها وإتمام عمليات التبليغ والنشر بأي أعمال أخرى وتطبيقاً لأحكام المادة 3 من قانون حماية الانتاج الوطني. ووفقاً لأحكام هذا المرسوم تتولى هيئة التحقيق ادارة التحقيق بأساليب حيادية وموضوعية، وعليها أن تصدر التوصيات اللازمة في كلّ مرحلة من مراحل التحقيق وترفعها الى وزير الاقتصاد والتجارة لانجاز الاجراء اللازم”.
فبينما تنص المادة 2 على أن وزير الاقتصاد والتجارة ينشىء بموجب قرار جهازاً لحماية الانتاج الوطني يرتبط مباشرة بالمدير العام، فإن القانون لم يلحظ كيفية انشاء هيئة التحقيق والتي تتولى كل التحقيقات والدراسات المرتبطة بأي شكوى ترد. وتعود لهذه الهيئة صلاحيات “إصدار التوصيات الخاصة بقبول أو رفض الشكاوى أو حول إتخاذ الاجراءات المؤقتة أو تعهدات الأسعار أو إنهاء التحقيق أو المراجعة، وكذلك قرارات النشر في الجريدة الرسمية خلال 10 أيام من تاريخ رفع التوصية كي يصدر وزير الاقتصاد والتجارة القرارات اللازمة بموجبها” (المادة 13).
إذاً كان من الواجب لحظ كيفية انشاء هيئة التحقيق ودرجة إختصاص المحققين، لما لها من دور هام في التحقيق وإصدار التوصيات.
ثانياً: تنص المادة 4 على انه “تسري الاجراءات والرسوم والتدابير التي تفرض وفقاً لأحكام هذا المرسوم على المنتجات المستوردة التي سجّل بها بيان جمركي”.
يعني ذلك أن حماية الانتاج الوطني بموجب هذا القانون لا تنطبق على المنتجات المهرّبة الى لبنان أو التي تمر عبر المعابر الشرعية دون بيان جمركي. وبالتالي فإن هذا القانون لا يحمي الإنتاج الوطني حماية كاملة بل منقوصة نقصاً فادحاً، خاصّة إذا ما علِمنا بالتجاوزات الحاصلة في المعابر الشرعية وغير الشرعية.
ثالثاً: إن التحقيقات في أي شكوى منوطة بما سمّته المادة 5 “بالمصلحة الوطنية العامة التي تأخذ بعين الإعتبار مصلحة الصناعة أو الزراعة المعنيّة، ووضع المنافسة المحلية للمنتج موضوع التحقيق وحاجات المستعملين الصناعيين أو الزراعيين ومصالح المستهلكين”.
إذاً فشكوى الصناعيين أو المزارعين لا تعني بالضرورة أن يُؤخذ بها. ولا ندري من يقرر الأخذ بها ومن يقرر المصلحة الوطنية العامة. هل هي هيئة التحقيق أم جهاز حماية الانتاج الوطني أم وزير الإقتصاد والتجارة أم مجلس الوزراء؟
رابعاً: تنص المادة 11 من القانون أنه “لا تعتبر الشكوى المقدمّة من الصناعة أو الزراعة المحلّية أو من ينوب عنها إلاّ إذا كانت نسبة المُنتجين المحلّيين المؤيّدين للشكوى تشكل أكثر من 50% من إجمالي إنتاج المنتج المماثل من الصناعة أو الزراعة المحلية الذي أيّد الطلب أو عارضه، وعلى أن لا تقل نسبة المنتجين الذين يؤيدون الشكوى عن 25% من إجمالي إنتاج الصناعة أو الزراعة المحلية من المنتج المماثل”.
ذلك يعني أن مجرّد قبول طلب الشكوى يقتضي إثباتاً يصعب إقراره من الجهة المقدّمة للشكوى أو من جهاز حماية الإنتاج الوطني المتلقي للشكوى، وبالتالي يصبح عرضةً للتأويل والأخذ والرّد، خاصةً وأنّ إحصاء الإنتاج على صعيد الوطن لأي مادة ليس بالأمر السهل وكذلك إثبات عدد المنتجين لهذه المادة.
خامساً: تعطي المادة 22 من القانون هيئة التحقيق مهلة تتراوح بين 60 و 120 يوماً لإجراء تحديد أوّلي لثبوت الإغراق أو الدعم والضرر أو الضرر البالغ. وتعطي المادة 23 الهيئة مهلة 120 يوماً إضافية لإجراء تحديد نهائي لثبوت الإغراق والدعم والضرر. كما تعطي المادة 26 الهيئة مهلة قد تصل إلى ثمانية عشر شهراً من تاريخ بدء التحقيق كي تُنهي إجراءات التحقيق.
هذا يعني أنّ على مقدّم الطلب إنتظار مدة قد تصل الى ثمانية عشر شهراً لمعرفة قرار هيئة التحقيق النهائي. وفي هذه الأثناء وبموجب المادة 6 “لا يجوز عرقلة إجراءات التخليص الجمركي للمنتج موضوع التحقيق” وبالتالي فإنّ المستورِد قد يلجأ إلى زيادة مستورداته من ذات المنتج وتخزينها مستفيداً من الرسوم المخفضّة قبل صدور قرار بزيادتها.
سادساً: إنّ إجراءات التحقيق الواردة في الفصلين الرابع والخامس والتي تشمل تحديد الإغراق وتحديد الدعم وإثبات الضرر والتهديد بإحداث ضرر والتأخير في إقامة الصناعة أو الزراعة المحلية جراء الإغراق أو الدعم هي في الواقع إجراءات بالغة التعقيد تستوجب جمع قدر كبير من المعلومات من البلدان المصدّرة إلى لبنان والتي قد لا تتوفر بصورة صحيحة تماماً، الأمر الذي يمكن أن يدعو هيئة التحقيق إلى إلغاء طلب التحقيق وإغلاق الملف وبالتالي إبقاء الإستيراد على مستواه الذي ينافس ويؤثر بالإنتاج المحلي.
ثمّ إنّ المواد 83 و 84 و 85 تحدد إمكانية إلغاء الرسوم التعويضية بعد وضعها بمدة سنة إذا ما رأت الهيئة مبرراً لذلك، وفي جميع الحالات لا يجوز أن يتعدى فرض الرسوم التعويضية مدة خمس سنوات على أي منتج.
ذلك يعني أنّ الحد الأقصى لهذا الإجراء الحمائي هو خمس سنوات وهي مدة قصيرة لا تحفّز المستثمرين في تحديث منشآتهم ولا في إحياء مشاريع صناعية وزراعية جديدة كون الدعم أو الإغراق سوف يُستأنف بعد هذه المدة.
سابعاً: قد تكون الإجراءات الوقائية من التزايد في الورادات والمنصوص عنها في الفصل السادس من قانون حماية الإنتاج الوطني هي الأكثر فاعلية والأسهل من المنتجات المستوردة إلى لبنان.
ذلك أنّ هيئة التحقيق تعتمد على المعلومات والإحصاءات المتوفرة في لبنان لإتخاذ توصيتها بوضع قيود على الكميات المسموح إستيرادها أو وضع رسوم جمركية، إضافةً للرسوم المعمول بها على المنتج موضوع التحقيق. ثم إنّ مدة سريان التدابير الوقائية بموجب المادة 95 هي ست سنوات يجوز تمديدها إلى عشر سنوات. وهذه المدة، خلافاً للرسوم التعويضية، هي كافية لحماية الإنتاج المحلي كي يحدِّث منشآته ويخفّض من كلفة إنتاجه ويحسّن نوعيته.
ومع أن هذه الإجراءات تسري على المنتجات التي يزداد حجم إستيرادها إلى لبنان، فإنه من الطبيعي أن يحصل ذلك لكل منتج منافس بإسعاره للمنتجات المماثلة في لبنان إن كان ذلك نتيجة لإجرءات إغراقية أو لدعم إنتاجه في بلد المنشأ.
مع أنّ قانون حماية الإنتاج المحلي لا يشير إلى الإتفاقات الإقتصادية المبرمة مع دول أو مجموعات فإننا نستنتج أنّ تطبيق أحكامه يسري على كل الدول بغض النظر عن الإتفاقات المبرمة ونرجو أن يكون كذلك.
إننا ننادي المسؤولين وعلى رأسهم وزير الإقتصاد والتجارة ووزير المالية ورئيس مجلس الوزراء بإعتماد رسوم جمركية فاعلة على كل المنتجات المستوردة والتي يمكنها أن تنافس مثيلاتها من المنتجات المحلية أو تلك التي يمكن أن تنتج في لبنان إذا ما كانت محميةً حماية جمركية كافية وذلك قبل وشريطة دخول لبنان بمنظمة التجارة العالمية. ذلك أنّ أفضل وسيلة لتحفيز الإنتاج المحلي وتخفيف حجم الإستيراد تكمن في الحماية الجمركية الثابتة بدلاً من اللجوء إلى الإجراءات المعقّدة من جهة والآنية من جهة أخرى لقانون حماية الإنتاج الوطني. وإذا إعترضت بعض الدول الشركاء في منظمة التجارة العالمية على التعرفات الجمركية الفاعلة وبالتالي لم توافق على دخولنا المنظمة فليكن والأحرى بنا البقاء خارجها لأنّ لا مصلحة للبنان بدخول المنظمة إلاّ بالرسوم الجمركية المرتفعة نظراً لأنّ صادراتنا هي متواضعة نسبة لحجم إستيراداتنا ويصعب زيادتها بسبب إرتفاع كلفة إنتاجنا في لبنان.
أمّا إذا إختار المسؤولون دخول منظمة التجارة العالمية برسوم جمركية منخفضة ترضى عنها الدول الأعضاء / الشركاء كي يصبح لبنان عضواً فإنه يتوجب على وزير الإقتصاد والتجارة إعتماد التدابير الوقائية النهائية المنصوص عنها في قانون حماية الإنتاج الوطني إعتماداً مفرطاً من أجل حماية الإنتاج الصناعي والزراعي في لبنان وعدم اللجوء إلى فرض رسوم مكافحة الإغراق أو الرسوم التعويضية التي تأخذ وقتاً طويلاً لإقرارها وبسبب قصر مدة صلاحيتها.
في قانون حماية المستهلك
منذ وُضِع قانون حماية المستهلك موضع التنفيذ في 4/2/2005 إنكّبت الهيئات الاقتصادية والصناعية والتجارية على دراسة مواده بدقة وخلُصت إلى أنّ القانون جائر جداً يقتضي التوقف عن تنفيذه والعمل الجاد على تعديله.
وهنا لا بدّ من التأكيد على ضرورة التعاون مع وزارة الاقتصاد للخروج بقانون لحماية المستهلك يؤكد على حمايته والمحافظة على مصلحته لكن بالتزامن مع المحافظة على مصلحة المحترف والمصنع والتاجر وعدم إعتبار المستهلك مستهدفاً بينما مؤدّو الخدمة مجرِمون إلى أن تثبُت براءتهم. ففي الحصيلة النهائية إن الأطراف المذكورة هم مواطنون شرفاء همُّهم العيش الكريم.
يتميز هذا القانون بإعطائه صلاحيات واسعة ومطلقة لأفراد مديرية حماية المستهلك من مراقبين ومعاونين وأفراد الضابطة العدلية في مداهمة المحلات والمستودعات ومصادرة البضائع وأخذ عينات وكتمان أوراق. إن مضمون ملاحظاتنا التفصيلية على القانون هي التالية:
أولاً: إن روح القانون مبنيّة على أنّ المحترف والمصنّع لا بد وأنهما يبغيان غشّ المستهلك في كل تصرفاتهما، وعليه وجبت حمايته من عبثهما والعمل الجاد على كشف الغشّ الذي لا بدّ وأنه مخبّأ في مكان ما. هذه هي القاعدة أمّا الإستثناء فهو الفشل في كشف الغش وليس نيّة المحترف والمصنّع لخدمة المستهلك والعمل الشريف لكسب الرزق الحلال.
من هنا جاءت العقوبات في الفصل الخامس عشر جائرةً لا تترك للخطأ غير المتعمّد مجالاً بل تعاقب المحترف والمصنّع أقصى درجات العقوبة لا توازيها إلاّ جرائم التعدّي والسرقة.
ثانياً: لقد وضِعت الصيغة الأولية لقانون حماية المستهلك فـي عهد الوزير المرحوم باسـل فليحان ولم يتضمن المشروع في ذلك الوقت أياً من عقوبات السجن المجحفة التي وردت في القانون الذي أقِرَّ لاحقاً. ومّما قاله الوزير فليحان خلال مناقشته للصيغة الأولية للقانون “… إنني لا أرضى أن يُسجن أيّ من الناس فهذه الصيغ مرفوضة لدي …”، لكن فوجئنا بصدور قانون حماية المستهلك وبالعقوبات المجحفة بالسجن من ثلاثة أشهر إلى عدة سنوات بالإضافة إلى عقوبات بالملايين لا تُحتَمَل لا في الظروف العادية للسوق ولا في يومنا هذا، ومختلف القطاعات الإقتصادية في لبنان تتكبّد الخسائر الكبيرة بسبب الأزمة الخانقة التي نعاني منها.
إنّ مبدأ فرض عقوبات بالسجن في القانون المذكور، وخاصةً في الظروف الحالية التي تتعرض لها إدارات الدولة وأجهزتها والسلك القضائي للمساءلة والإتهامات بالفساد من مختلف النواب والسياسيين، يوحي بعدم الإطمئنان إلى حسن تنفيذ هذا القانون. وعليه فإننا نطالب بإلغاء عقوبة السجن من هذا القانون وإعادة النظر بمقدار الغرامات.
ثالثاً: إنّ مثل هذه العقوبات ستخيف المحتـرف وتجعله يتردد في التعاطي بالمواد الغذائية، والتي هي الأكثر إستهدافاً بهذا القانون. لا بل ستجعله أكثر إطمئناناً للتعاطي بالمواد الغذائية المستوردة على حساب المواد الغذائية المنتجَة محلياً لأنه يعلم بقرارة نفسه أنّ المحاسبة سوف تكون أسهل على المنتجات المحلية كون المصنّعين في متناول اليد، بينما مصنّعي المستورَد هم خارج الحدود اللبنانية ويصعب الوصول إليهم. ناهيك على أنّ إمكانية المحترف للدفاع عن نفسه في حالة إكتشاف مخالفة لمنتج مستورد تصبح أكبر لأن حجّته ستكون أقوى بأنه هو وسيط بيع وليس مصنِّعاً وبأن المواد المصنّعة دخلت لبنان بعد مرورها على أجهزة الرقابة المختصة وحصلت على موافقتها فأين مسؤوليته؟ وهنا لا بد من فصل مسؤولية المستورد عن مسؤولية البائع.
رابعاً: إن المادة 8 لا تحـدد المخالفـات علـى المواد الغذائية غير الموضّبة وتتركها إلـى إجتهادات مراقبي مديرية حماية المستهلك. كما أن المخالفات في هذه المواد غير مشمولة في الفصل الخامس عشر – العقوبات.
إنّ هذا الأمر سيشجع المحترف اللبناني للتعاطي بالمواد غير الموضّبة والتي لا تحمل إسم المصنّع ولا تاريخ الإنتاج والصلاحية. وعلى هذا، فإن القانون سيعيد المساءلة إلى الوراء ويعيد لبنان إلى أوائل القرن الماضي بالتعاطي بالمواد الغذائية. كما أنه سيخيف المصنّع من توضيب إنتاجه ويشجعه على بيعه غير موضّب.
خامساً: إن نص المادة 11 – في الإعلان الخادع – غير محكوم بضوابط واضحة وهو يترك العنان لاجتهاد مراقبي مديرية حماية المستهلك.
سادساً: إن إمكانية المخالفات الواردة في الفصل الثالث عشر – معاينة المخالفات – من المادة 71 إلى 81 لا تحدد بصورة واضحة كيفية أداء مهام مراقبي مديرية حماية المستهلك.
- هل ستتم بواسطة تكليف خطي لدى كل معاينة بذاتها أم لهم الحق فـي المعاينة كما يشاؤون؟
- مـن يكلّف الموظفين المختصين فـي الوزارات الأخرى للقيام بمهام المعاينة ولمن يتم تسليم تقاريرهم؟
- لماذا لحظت المادة 74 وضع السلعة المشتبهة حتى 45 يوماً تحت الحجز بينما يمكن الحصول على نتائج معظم التحاليل خلال أسبوعين؟
- لحظت المادة 77 إنه يجوز الإستغناء عن التحاليل المخبريّة في حال كان الغشّ أو التقليد واضحاً. هذا الأمر خاضع للإجتهاد الشخصي من المراقب.
سابعاً: ذكر القانون فـي مواده 9، 14، 47، 79 أنّ وزير الاقتصاد سيصدر قرارات أو يقترح إصدار مراسيم من مجلس الوزراء بغية تنفيذ جوانب عدة من القانون.
كما لحظت المادتين 39 و 40 على أنّ المجلس اللبناني للإعتماد سيحدد المختبرات ووكالات الإعتماد ومكاتب المراقبة المحلية والدولية وكذلك شروط منح مؤسسات علمية صلاحية إصدار شهادات المطابقة تنفيذاً لقانون حماية المستهلك.
إنه بغياب كل المراسيم والقرارات المذكورة يصبح تنفيذ القانون شبه مستحيل، وعليه انتظار صدور المراسيم والقرارات قبل البدء بالتنفيذ وليس في أول شباط 2005 كما أعلنت وزارة الاقتصاد.
ثامناً: إنّ الفصل الخـامس عشـر – العقوبات – لم يحدد المسؤول الذي تقع عليه عقوبـة السجن. هل هو مدير قسم الإنتاج في المصانع أو مدير المبيعات لدى المحترف أم تقع عقوبة السجن على مدير عام المؤسسة أو الشركة أو رئيس مجلس إدارتها؟
تاسعاً: إن العقوبات مـن حبـس وغرامات مدداً ومبالغ واسعـة الطيف وتترك مجالاً كبيراً لمزاج القاضي وقناعاته بدل أن تكون أكثر حصراً أو أكثر تفصيلاً.
عاشراً: توزيع الغرامات بموجب المادة 128 تجعـل مـن القضاء ومديرية حماية المستهلك طرفان منتفعان من تحديد المخالفات والعقوبات، الأمر الذي يحفز الطرفان لإستخدام أقصى المعايير في تحديد المخالفات وأقصى العقوبات.
حادي عشر: لم تلحظ المادة 41 ضرورة الإحتفاظ بعيّنة رديفة للعينة التي أُرسلت للفحص ولا مكان حفظها حتى يُعاد الفحص في حالة الاختلاف على النتائج أو لزيادة التأكيد منها.
ثاني عشر: أعطت المادة 55 المستهلك حق إعادة السلعة المشتراة بعد مدة أقصاها عشرة أيام شرط ألاّ تكون قد تعرّضت لسوء الحيازة لديه. إنّ مثل هذا الحق يترك مجالاً واسعاً للمستهلك بإعادة سلع تلفَت وخاصةً إذا كانت مواداً غذائية، دون إمكانية إتهامه بإهمال حفظها.
ثالث عشر: تعطي المادة 81 مديريـة حماية المستهلك حـق إحالـة المحاضر إلى النيابة العامة مباشرةً وبذلك فإنّ صاحب العلاقة قد لا يستفيد من حق طلب تحقيق أو تحليل إضافي كما أعطته ذات المادة هذا الحق.
رابع عشر: إنّ الإعلان عن الثمن بالليرة اللبنانية، كما جاء بالمادة 5، يكون ممكناً وعادياً في ظل إستمرار الإستقرار النقدي. أمّا فـي حال إنخفاض سعـر الصرف بدرجة كبيـرة (كما حصل في السابق) فإن التشدّد في تطبيق هذه المادة سيؤدي إلى خسائر كبيرة للمحترف. كما أنه يوجد لغط كبير لجهة القياس الرسمي للأوزان والأحجام كما تبيّن من أوزان السلع الموضّبة من مشتقات الحليب كالأجبان والألبان.
خامس عشر: يصعب وضع بلد المنشأ، المذكور في المادة 7، على عدد كبير من السلع مثل الأدوات المنـزليـة والخرضـوات والألعاب إذ أن المـورّد يكتفي بوضع بلـد المنشأ (وخاصة الصين) على الصندوق الخارجي وليس على السلعة نفسها. وسيتسبّب وضع لاصقات من قِبَل المحلات أو التجار بكلفة إضافية يدفع المستهلك بالنهاية ثمنها.
سادس عشر: إعتماد اللغة العربية بموجب المادة 9. إنّ عـدد كبير مـن السلع تكون ملصقاتهـا بالفرنسية أو الإنكليزية وليس للتجار القدرة على وضع ملصقات بالعربية على كل السلع وهي بمئات الآلاف. كما أنّ هذا التقييد يؤدي إلى إستحالة استيراد بضاعة إلاّ عن طريق الوكيل الذي يكون عادةً الوحيد القادر على طلب بضاعة مع ملصقات بالعربية، ممّا يقلل المنافسة ويرفع الأسعار في السوق.
سابع عشر: نصّت المادة 67 من هذا القانون على تأسيس جمعيات المستهلك وأهدافها وصلاحياتها المطلقة، ممّا أكسبها حصانة معنوية لم تعطَ لأي دائرة رسمية من قبل لا سيّما في إعداد برامج إعلانية وإصدار نشرات والبث عبر وسائل الإعلام وتقديم الإستشارات والتقاضي بإسم المستهلكين وإقامة الدعاوى وذلك بدون أن تحدّد هذه المادة أي ضوابط لهذه الأعمال. ذلك يعني أنّ باستطاعة إحدى جمعيات المستهلك أن تنشر خبراً غير دقيق عن إحدى الشركات، أو أحد التجار، ممّا يؤدي إلى التشهير به حتى الوصول إلى مقاضاته وأن تخرج من أي محاكمة بدون مساءلة أو حتى تعويض على الشخص المتضرر البريء لعدم وجود نص في هذا القانون يحمِّلها تبعات أعمالها الخاطئة في حال حصل ذلك.
وإن تطبيق قانون الجمعيات على جمعيات المستهلك كما نصت المادة 68 هو خير دليل على صحة كلامنا. ذلك أنّ أقصى عقوبة ممكن أن يحكم على جمعية هي حلّها ومصادرة أموالها مهما بلغت، أي ممكن وبكل بساطة أن يكون هناك قرش واحد في صندوق هذه الجمعية مع الأخذ بعين الإعتبار أنّ موارد معظم الجمعيات تكون من التبرعات. فمن يعوّض التاجر المشهر به بعد إثبات براءته وخسارته؟
لذلك نقترح إعادة النظر بهذا القانون لهذه الجهة أيضاً وعبر إضافة نص خاص يمكّن التاجر أو المحترف من خلاله مقاضاة جمعيات المستهلكين عن أي خطأ من هذا النوع صادر عن أي جمعية كانت وعن أفرادها وأعضائها بالتكافل فيما بينهم لأي عمل من شأنه الإضرار بمصالح التجار والمستثمرين.
تحليل بعض مستوردات لبنان وإمكانية تخفيضها
في محاولة لتبيان المواد التي يمكن إنتاجها في لبنان بصورة سريعة تقريباً سعياً لزيادة الإستثمار ولتوفير فرص عمل للّبنانيين، تبيّن أنّ المواد الواردة في الفصول التعريفيّة الجمركيّة التالية هي القابلة لمثل هذه المحاولة:
| الفصل الجمركي | نوع المنتج | قيمة مستوردات 2014 بملايين الدولارات | تقدير قيمة الإنتاج المحلي الممكن منها بملايين الدولارات |
| 4 | ألبان ومنتجاتها | 402 | 321 |
| 7 | خضار | 147 | 132 |
| 8 | فاكهة | 159 | 135 |
| 10 | حبوب | 361 | 289 |
| 16 | محضرات لحوم وأسماك | 116 | 93 |
| 17 | سكر ومصنوعاتها | 165 | 148 |
| 18 | الكاكاو ومحضراته | 96 | 67 |
| 19 | محضرات حبوب ودقيق | 244 | 220 |
| 20 | محضرات خضر وثمار وفواكه | 89 | 80 |
| 21 | محضرات غذائية متنوعة | 203 | 183 |
| 22 | مشروبات كحولية | 132 | 79 |
| 25 | اسمنت وملح وكبريت | 135 | 95 |
| 30 | منتجات الصيدلة | 1,141 | 913 |
| 34 | صابون ومحضرات غسيل | 138 | 124 |
| 39 | لدائن ومصنوعاتها | 695 | 347 |
| 48 | مصنّعات ورقية و كرتونية | 297 | 208 |
| 57 | سّجاد وأغطية أرضية | 30 | 24 |
| 58 | نسج ومطرزات | 31 | 23 |
| 60 | أقمشة مصنّرة | 30 | 23 |
| 61 | البسة مصنّرة | 203 | 183 |
| 62 | البسة غير مُصّنرة | 305 | 183 |
| 63 | أصناف أخرى نسيجية | 55 | 39 |
| 64 | أحذية | 147 | 103 |
| 69 | منتجات خزفية | 226 | 170 |
| 70 | زجاج ومصنوعاته | 125 | 94 |
| 73 | مصنوعات من حديد صب | 236 | 189 |
| 74 | نحاس ومصنوعاته | 109 | 76 |
| 76 | المونيوم ومصنوعاته | 205 | 154 |
| 82 | عدد وأدوات من معدن | 47 | 28 |
| 83 | أصناف متنوعة من معدن | 85 | 68 |
| 85 | الآت وأجهزة كهربائية | 922 | 553 |
| 96 | مصنوعات متنوعة | 98 | 69 |
| 98 | الأثاث والأدوات المنزلية | 11 | 7 |
| المجموع | 7,385 | 5,420 | |
تشكل قيمة المنتجات الممكن إنتاجها في لبنان للحلول محل بعض المستوردات 5,4 مليار دولار من أصل 7,4 مليار دولار أي 72% من ذات المنتجات. تحتاج هذه المنتجات إستثمارات لإنتاجها تُقدّر بخمسة مليارات دولار ويمكنها توفير خمسين ألف فرصة عمل جديدة.
الخلاصة
على المسؤولين أن يعوا أنّ ضياع 25 سنة في متاهات فزلكة العَولمة وإقتصاد السوق قد جعلت من لبنان بلداً مستهلكاً غير منتج. ثمّ أنّ فرضية أن لبنان هو بلد سياحي منفتح ثبُت فشلها بظل الأزمات الأمنيّة المتلاحقة فخسرنا السياحة وخسرنا الإنتاج.
عليهم أن يُعيدوا النظر بكل السياسات العقيمة التي إعتمدوها وأن يلجأوا الى إعتماد رسوم جمركية فاعلة على كل المنتجات المستوردة والتي تنتج أو يمكن أن تنتج في لبنان.
عليهم أن يوقفوا العمل بكل إتفاقيات التبادل التجاري الحرّ وإتفاقية اليورو متوسطية وإتفاقية المنطقة الحرة العربية ويعتمدوا مبدأ حرية التجارة والمتاجرة بدل تكبيل لبنان بإتفاقيات تبادل حرّ كون الأخيرة تجعل من لبنان بلداً مستهلكاً. لا بأس إذا ظلّ لبنان خارج منظمة التجارة العالمية لأنه لم يستفد ولن يستفيد من تخفيض الرسوم الجمركية تخفيضاً قاسياً لمراعاة شروط أعضاء المنظمة، بل توقّف عن تطوير قطاعاته الإنتاجية وقام بتصدير كفاءاته وطالبي العمل والرساميل الى خارج لبنان.
المهندس موسى فريجي
mfreiji@tanmia.com.lb
mfreiji@tanmia.com.lb
بيروت في 16/06/2015

