الازمة العالمية 2

في مقال سابق نشر بتاريخ 2 تشرين الثاني 2008 في جريدة النهار (الأزمة المالية العالمية – أزمة نظام أم ممارسة- القضايا) عرضت أسباب الأزمة العالمية و شرحت بعض العوامل التي أدت إليها و استبقت بعض الحلول و تقدمت ببعض المقترحات.

و ها هي الأزمة ترخي بظلالها على العالم متحولة من أزمة مالية إلى اقتصادية إلى اجتماعية . و كما توقعت و اقترحت يشاطرني في ذلك عدد من الخبراء الدوليين، قامت الحكومات و المصارف المركزية بتدابير سريعة لتدارك استفحال الأزمة، و منها

  1. ضخ مزيد من السيولة في الأسواق،
  2. تعزيز رساميل المؤسسات المالية و المصرفية و شركات التأمين و تعويم البعض منها،
  3. تخفيض الفوائد
  4. تخفيض الضرائب المباشرة و غير المباشرة لإطلاق العجلة الاقتصادية.

و الغايتان الرئيسيتان (من بين أهداف أخرى) من هذه التدابير هي إعادة الثقة التي تزعزعت في السوق المالي و الاستهلاكي و الانتاجي مما انعكس سلبا على العجلة الاقتصادية، و إعادة الحركة و الدورة إلى عمليات التسليف المالي و المصرفي الانتاجي و الاستهلاكي للحؤولة دون سقوط الاقتصاد في دوامة التراجع و الهبوط و الركود و الانهيار.

و لكن ما أشرت إليه في مقالتي عن فرضية وجود ممارسات خاطئة على خلفية سوء نية في اصدار السندات و استعمالها و تسويقها و تركت التحدث عنه لوقت آخر بانتظار تسلسل الاحداث و وضوح مجرى التحقيقات تبين و للأسف أنه حقيقة ساطعة. و ها هي الفضائح تظهر للعلن الواحدة تلو الأخرى . و يتبين لنا أن الجانب الأكبر من أسباب هذه الأزمة هو جانب ممارسات لا أخلاقية أكثر منه جانب علمي تقني مالي، ناهيك عن وجود عوامل ذاتية متعلقة بطبيعة بعض الصناعات و الخدمات كصناعة السيارات و الطيران و غيرها هذا ما سنؤكد عليه فيما يلي. و عليه سنعرض للتدابير التي قامت بها المصارف المركزية من جهة و الحكومات من جهة أخرى (أي التدابير السيادية) لدرء الانهيار المالي و الحؤول دون استفحال الأزمة و لتفعيل الدورة الاقتصادية و منعها من الهبوط في درك التراجع و الانهيار، أولا. ثم نتناول الممارسات اللا أخلاقية في عمليات الاستثمار المالي و التي كانت سببا رئيسيا في الازمة المالية العالمية و انهيار البورصات و افلاس بعض المؤسسات المالية و التأمينية.

أولا) التدابير السيادية المالية و الضريبية:
– تدخل المصارف المركزية ت تخفيضها للفوائد و ضخها لسيولة:
قامت المصارف المركزية في الولايات المتحدة و اوروبا و اليابان و حتى في الصين إلى تخفيض هام في نسبة الفوائد بلغت قرابة الصفر في الولايات المتحدة و اليابان، 2% في اوروبا، 6% في الصين و ذلك تسهيلا لعمليات الاقراض و توفيرا للسيولة بغية اطلاق الحركة الاقتصادية المرتكزة بشكل رئيسي على تسليف قطاع الانتاج و الخدمات من جهة و المستهلكين من جهة اخرى. وقد ضخت المصارف هذه كميات هائلة من السيولة في التداول عن طريق تقديم تسهيلات و قروض ميسرة للمصارف التجارية و الاستثمارية للسماح لها بمواجهة استحقاقاتها و الاستمرار في تسليف مختلف القطاعات الاقتصادية و المالية. و عمد الاحتياطي الأمريكي بدوره على شراء سندات الخزينة الأمريكية الطويلة الأمد ذات الفائدة المرتفعة دعما لهذا التوجه. و لكن ما زال تدخل المصرف الأوروبي في هذا المجال خجولا، إذ يضع مراقبة التضخم و لجمه في سابق أولوياته علما أن كل المؤشرات الاقتصادية الأوروبية (باستثناء فرنسا مؤقتا و نسبيا) تؤكد دخول الدول الاوروبية في مرحلة الكساد الاقتصادي، و ارتفاع البطالة يشملها كلها.

– تدخل الحكومات من خلال مشاريع مالية تعويمية تقوم على :
أ- تأمين سيولة عن طريق قروض متوسطة و أو طويلة الأجل للسماح للقطاعات التي تواجه مشاكل مالية نتيجة للازمة المالية من مرور هذه الفترة العصيبة بسلام. و من المعلوم أن اختيار القطاع الذي يستفيد من برنامج التعويم (bailout) يخضع لقواعد متشددة و هذا ما يفسر تردد مجلس الشيوخ الأميركي و معارضته في إفادة قطاع السيارات من برنامج التعويم الحكومي لأن هذا قطاع يعاني من مشاكل بنيوية خاصة به تعود لسنوات تسبق الازمة و ترتبط بعدم تكيفه مع متطلبات العصر و توفير استهلاك الطاقة و قواعد اتفاقية كيوتو المتعلقة بتخفيض الانبعاث الحراري و التي ما زالت الولايات المتحدة ترفض التوقيع عليها بسبب عدم تكيف صناعتها مع شروطها و على رأسها صناعة السيارات. و لكن الحكومة الأمريكية استعاضت عن ذلك ببرنامج خاص لانقاذ بضعة مئة آلاف فرصة العمل في قطاع السيارات و الحؤول دون إفلاس أكبر شركة إنتاجية في أمريكا مثال جنرال موتورز. مع التنويه هنا أن شركات مثل كرايسلر و فورد و دودج و غيرها تعاني بدورها من مشاكل كبيرة و قد اندمجت في الماضي مع شركات انتاج سيارات اوروبية و يابانية ثم انفصلت عنها وما زالت تبحث عمن ينقذها من هبوط انتاجها الحاد. و ها هي كرايسلر اليوم بعد انفصالها عن شركة ديملر بنز تعقد خطوبة مع شركة فيات الايطالية المتميزة ببرنامجها البيئي و بمحركاتها ذات المصروف الأوفر للطاقة في العالم.
ب- تأمين سيولة أساسية للمؤسسات المالية و التأمينية التي أصيبت هيكليتها و بنيتها رأس المالية من جراء الأزمة المالية و الاقتصادية بشكل لا يسمح لها الاستمرار في أداء عملها مما ينعكس على الاقتصاد الوطني (مصرف سيتي غروب، بنك أوف أميريكا، باركليز بنك، مجموعة كريدي أكركول، أتحاد المصارف السويسرية، الشركة المصرفية العامة، بنك باريس الوطني باريبا و غيرها) عن طريق قروض يشكل سندات دولة أو عن طريق المساهمة لفترة من الزمن في رأسمالها.

التدابير الضريبية: تفاوتت التدابير الضريبية حسب البلدان و نظامها الضريبي المتبع. و كما ذكرت في مقالي السابقة فإن هامش تصرف الحكومات في هذا المجال ضيق بسبب العجز المالي الذي يصيب موازنات أكثر الدول. فتوزعت التخفيضات الضريبية بين اعادة النظر في جدول الضرائب المباشرة، و بين اعفاءات ضريبية استثمارية، من جهة، و بين تخفيض معدلات الفائدة على القيمة المضافة التي تطال بعض الأصناف الأساسية، من جهة أخرى.
ثانيا) الممارسات اللا أخلاقية في عمليات الاستثمار المالي.
إن ما أظهرته التحقيقات الجارية إن على الصعيد القضائي أو البرلماني في الكونغرس الأمريكي أظهر حصول مخالفتان رئيسيتان لمبادئ الممارسات المالية الأخلاقية: الأولى تكمن في رفع القواعد الضوابط المالية و المصرفية النظامية تحت ضغوط و ممارسات هي بذاتها غير أخلاقية. و الثانية تكم في الافادة من غياب هذه الضوابط و الرقابة للعبث في ملعب الممارسات المالية و إصدار أوراق مالية غير سليمة.

رفع القواعد المالية و المصرفية عن مصارف الاستثمار و عمليات الاصدار المالية.