فواز سالم كبارة
محام – خبير مالي و مصرفي
استاذ محاضر في جامعة البلمند
مؤلف كتاب “قانون التجارة الدولية” – دار صادر – بيروتان ما رغبت في تسليط الضوء عليه و سعيت في تبسيطه قدر الإمكان في هذا التحليل هو أن هذه الأزمة هي أبعد من أن تكون أزمة غابرة، و أقل من أن تكون مستديمة و في مطلق الأحوال تطرح التساؤل هل أن النظام الرأسمالي و مقوماته بخطر؟ أليست التدابير التي تلجأ إليها الحكومات و المصارف المركزية نقيض لهذا النظام ومبادئه الأساسية؟
للإجابة على هذا التساؤل نذكر أن النظام الرأسمالي يقوم على المبادرة الفردية و حرية التجارة و المبادلات. و هذا المبدأ مكرس حاليا بالنظام العالمي الذي ترعاه اتفاقية الغات و تديره منظمة التجارة العالمية التي تنتسب إليها أكثر من خمسين دولة و تترشح دول أخرى لدخولها. و هذا المبدأ ليس موضوع شك أو مناقشة و جدل. و لا يبدو في الأفق بوادر عودة عنه.
فالأزمة ليست أزمة تجارية اقتصادية أساسا، أقله عالميا، و بالتالي ليس النظام الرأسمالي سببا مباشرا لاندلاع هذه الأزمة. إنما الأزمة هي في الأساس أزمة مالية على خلفية استثمارية عقارية – استثمارية مالية ربحية. و لكنها ما كانت لتحصل لو أن القيمين على المؤسسات المالية و التمويلية قد عملوا بما يملي عليهم واجبهم المهني ضمن اصول النظام الرأسمالي و المالي التقنية و العلمية التي دأبت المصارف المركزية و هيئات الرقابة المصرفية و على أروقة البورصات على وضعها، و نذكر هنا بمقررات بازل، و هذا ما نرغب في تسليط الضوء عليه .
1) مراحل هذه الأزمة:
* في مرحلة أولى: التمويل العقاري: أمام سياسة مستمرة و متشبثة في مراقبة التضخم و ضبطه على حساب إطلاق الاقتصاد عن طريق سياسة الفوائد التي قادها الاحتياط الفدرالي الأمريكي، و أمام فائض السيولة المتوفرة في المصارف، لجأت الأخيرة إلى الإقراض العقاري بشكل موسع متجاوزة أصول التسليف (دخل المقترض و قدرته على السداد) و معتمدة على قيمة العقار المؤمن عليه (علما أن طبيعة النظام القانوني الأمريكي تسمح للمصرف بوضع اليد مباشرة على العقار في حال امتناع المدين عن سداد ما يتوجب عليه) معتقدة بأن القيم العقارية آخذة بالتصاعد.
* في مرحلة ثانية : فيض السيولة: إما لأسباب تتعلق في حاجتها إلى السيولة و إما لأسباب ربحية فحسب، قامت هذه المصارف إما مباشرة إما عن طريق مؤسسات متخصصة، بتجميع هذه القروض العقارية ضمن محفظات وأصدرت بموجبها سندات مالية ذات ريع مغر (collateralized debt obligations – CDO) عمدت إلى بيعها من مصارف و مؤسسات مالية أخرى (لتقوم هذه الأخيرة ببيعها من زبائن – أفرادا أو شركات تأمين أو ادخار- نظرا لعائداتها و لضماناتها العقارية). و قامت بعضها باستعمال هذه السيولة لاعادة تمويل قروض عقارية جديدة و هكذا تضخم حجم التمويل ليبلغ ارقاما خيالية. و قدر المحللون أن مجموع ما استثمره مصرف ليهمان برازرز مثلا في هذه السندات بلغ حوالي 700 مليار دولار.
* في مرحلة ثالثة: بوادر العجز: حفاظا على مستوى التضخم و منعا لارتفاعه كما سبق و أشرنا إليه، رفع الاحتياط الفدرالي أو المصرف المركزي الأمريكي الفوائد. فاصبح عبء سداد الديون العقارية هذه على أصحاب الدخل المتوسط و المحدود أصعب. و بدأت بوادر التوقف عن الدفع و استرداد الأملاك العقارية تتفاقم. فقامت العبقرية المالية بمحاولة درء مخاطر السندات بأصدار سندات تأمينية مضادة (credit default swap-CDS) بحيث تدفع عندما يتعثر دفع قرض عقاري و بالتالي يتأخر سداد السندات العقارية CDO. و تهافتت المصارف على شرائها. و كان نصيب شركة التأمين الأمريكية AIG منها حوالي 450 مليار دولار.
حصل كل هذا في إطار رفعت عنه الأنظمة المصرفية الائتمانية بناء لطلب من المصارف الاستثمارية منذ العام 2004 (كان بولسن رئيس مجلس إدارة مصرف غولدمان ساكس في حينه – وزير الخزانة الأمريكية حاليا على رأس المطالبين برفع تطبيق الأنظمة الائتمانية على الأوراق المالية المتفرعة- derivatives و السندات – و هنا المفاجأة) بحيث بلغ قيمة السندات هذه و المتبادلة بين المصارف (و ما سمى sub prime) بحسب الاحصاءات المعلنة حتى الآن ما يقارب مجموعه 60 تريليون دولار أمريكي. و قد نبه اقتصاديان منذ 2002 (بافيت) و 2006 (روبيني) لمخاطر هذا البالون، و شبهها الأول “باسلحة دمار شاملة”.
* في مرحلة رابعة: كرة الثلج: توسعت الأزمة لأن استرداد العقارات رافقه أمران: الأول أن عددا من المالكين المستقرضين عمد إلى أتلاف العقارات قبل التخلي عنها، و الثاني أن المصارف المقرضة واجهت أزمة تصريف هذه العقارات نظرا لكثرة ما عرض في السوق في وقت واحد و ارتفاع فوائد التسليف لإعادة بيعها. فوجد الأفراد و المؤسسات و المصارف الاستثمارية الذين اشتروا السندات التي تمثل المحفظات العقارية المذكورة آنفا أنفسهم أمام أوراق مالية دون أيراد و قد فقدت نسبة لا يمكن تقديرها من قيمتها. ماذا نتج عن هذا ؟
2) نتائج الأزمة المباشرة:
أولا: إن المؤسسات و المصارف التي تحمل هذه السندات و تمولها فقدت قيمة أصولها و تدنت لديها السيولة بدرجة لا يمكنها مواجهة موجباتها المالية. فتقدمت من محاكم التجارة طالبة حمايتها بموجب قانون الافلاس الفصل 11 ( جاني ماي و فاني ماي و فريدي ماك) .
ثانيا: نذكر أنه لبيع هذه السندات المغرية لجأت هذه المصارف التمويلية إلى المصارف الاستثمارية و المتخصصة بإدارة المحافظ (مثال غولدمان ساكس، ليهمان برازرز، ميريل لينش و غيرها خارج الولايات المتحدة) لبيعها من زبائنها. و دورها هنا كوسيط لا يرتب عليها أية مخاطر. و لكن ما قامت به بعض هذه المصارف، و بما إنها معفاة من تطبيق الأنظمة الائتمانية المطبقة على المصارف التجارية و موجبات الاحتياط كما ذكرنا، أنها قامت بإقراض زبائن لها لغاية خمسة أضعاف موجوداتهم ليتمكنوا من شراء محفظات و اسهم و سندات بما فيها هذه السندات و هذا ما يعرف بمفهوم الرافعة (leverage) لأنه أمام كل مليون دولار استثمار يملكه الزبون كانت تسلفه لغاية خمسة ملايين مثلا لاستثمارها في هذه السندات. و لم يعد بإمكانها تحصيل قيمة ما أقرضته لعدم قدرتها على تحصيل قيمة السندات المستثمرة و بيعها. أما الزبائن فكانت خسارتهم شاملة لمبلغ استثمارهم الأساسي، مضافا إليه تعرضهم للملاحقة لدفع قيمة رصيد القروض الممنوحة. و من جهتها قامت هذه المصارف بالاستثمار مباشرة في هذه السندات لعدم خضوعها للأنظمة المصرفية خاصة بعد التسهيلات التي قدمها الاحتياط الفدرالي و هيئة الرقابة على البورصة للمصارف الاستثمارية. فتراكمت أمام هذه المصارف خسائر مباشرة ناجمة عن هذه السندات فاقدة القيمة، و خسائر ائتمانية ناتجة عن عدم دفع الزبائن الذين خسروا كل شيء و تمنعهم عن سداد ما يتوجب عليهم من القروض المشار إليها آنفا. و هذا ما حصل مع مصرف ليهمان برازرز و غيره. و هذا ما حدا برئيس هيئة الرقابة على البورصة الأمريكية على التصريح بأن سوق السندات غير منظم و غير مضبوط!
و هكذا ساور الشك المصارف حول مدى تورط كل منها في هذه السندات و امكانية سقوطه في أزمة سيولة مالية كمصرف ليهمان برازرز، فبدأت تمتنع عن تبادل السيولة اليومية و تبادل القطع الضرورين لتسيير الاقتصاد العالمي.
و الجدير بالذكر أنه بما أننا نعيش في نظام العولمة الاقتصادية و المالية ، و بما أنه في بعض المناطق من العالم يوجد شغف بكل ما يصدر عن المصارف الأميركية، لم يقتصر هذا الاستثمار في السندات هذه على المصارف الأمريكية بل تعداه إلى مصارف في أوروبا و الخليج العربي و الشرق الأوسط أي حيث يوجد رأسمال استثماري. ناهيك عن أن كبار المصارف الاستثمارية الأمريكية و السويسرية و اللوكسمبورجوازية و غيرها تضم زبائن من كافة أنحاء العالم بما فيه من الشرق الأوسط. و عندما نتحدث عن زبائن فإنما نعني مصارف و مؤسسات ائتمان و استثمار و شركات و أفراد ، فمن سلم؟
ثالثا: في مرحلة سابقة قام عدد من المصارف في العالم بتمويل عمليات مختلفة لزبائنها بضمانة هذه الأوراق المالية و السندات. و طالما كانت هذه السندات سليمة و “غير مشبوهة” كانت تعتبر القروض سليمة. و لكن منذ أن أصبحت هذه السندات بدون قيمة ورقية، اصبحت القروض الممنوحة بضمانتها و كأنها قروض بدون ضمانات و بالتالي تدهور تصنيفها الائتماني مما اضطر المصارف إلى أخذ احتياطات في ميزانياتها لقاء هذه الديون عملا بالقواعد الائتمانية المصرفية المعتمدة عالميا (قواعد بال) و هذا ما أثر على ربحيتها و أدى في بعض المصارف إلى إعلان خسائر كتابية غير محققة.
رابعا: طلبت المصارف التي تمول زبائن لقاء هذه سندات إما بتأمين ضمانات أخرى أو بتسديد القروض الممنوحة لها كما هو مشار إليه أعلاه، فلجأ عدد منهم إلى تسييل محافظهم الاستثمارية عن طريق بيع ما تيسر لهم من سندات أخرى و أسهم و مواد أولية (معادن) في الأسواق المالية.
و هكذا انهار السوق المالي و كبرت كرة الثلج.
و بينما نتحدث عن السوق العقاري، لم تظهر بعد نتائج مصارف التمويل الاستهلاكي (سيارات و حاجيات منزلية و مخازن كبرى) و بطاقات الدفع و بطاقات الائتمان و المرتبطة بحالة المستهلك الأمريكي المادية، و انعكاسها على الاستهلاك في اوروبا، و هذا ما ننتظره بفارغ الصبر و القلق!
3) التداعيات المباشرة لهذه الأزمة و طبيعتها :
تداعيات مالية آنية، تحول من أزمة سيولة إلى مأزق اقتصادي، أزمة ثقة، من هو المسؤول، و أخيرا ضرورة معالجة مستقبلية.
أولا) التداعيات المالية المباشرة: أزمة السيولة:
أ) تبخر القيم المالية : نتيجة لما تقدم سقطت قيم السندات و الأسهم و القيم المالية ناهيك عن تدني القدرة الشرائية و الاستثمارية لشريحة مهمة من الستثمرين و الموظفين و المواطنين الذين بين ليلة و ضحاها تبخرت ثروات كانوا يعتقدون أنهم يمتلكوها. يضاف إلى ما تقدم أنه يطرح السؤال جديا عن وضعية محفظة الشركات و المؤسسات الكبرى التي تستثمر أموال المدخرين و المتقاعدين (insurance and pension funds) و ماذا سيكون مستقبل عائدات آلاف المستفيدين إذا لم تلملم الأسواق المالية جراحها بسرعة!
ب) انخفاض السيولة المتداولة في السوق: نتيجة لما تقدم انكمشت السيولة من الأسواق و مرد ذلك لثلاثة أسباب. الأول بديهي متعلق بانخفاض القيم عامة (انخفاض قيم الأوراق المالية رافقه انخفاض في قيمة المواد الأولية الأساسية مما ساعد السوق على التنفس نسبيا) . الثاني مرتبط بانعدام الثقة بين المصارف لخوفها من خسارة ودائعها مع مصرف متورط في استثمار في سندات هالكة كما حصل مع مصرف ليمان برازرز، و احجامها عن تبادل الاقتراض اليومي و ذات الأجال. و الثالث احجام اصحاب الادخار عن الايداع خوفا من المصارف نفسها. و ينعكس انخفاض السيولة و انكماش الكتلة النقدية عامة احجاما في الانفاق الاستهلاكي عامة. و هذا ما سينعكس على اقتصاديات الدول و قطاعات الانتاج الذي بدأت بوادره تظهر في أكثر من قطاع (السيارات، البناء، الطيران، السياحة و غيرها)
ج) توقف عمليات التسليف: نظرا لعدم توفر السيولة، و لانعدام الثقة بين المتعاملين و تخوفهم من تبادل القروض القصيرة و المتوسطة الآجال لتمويل عملياتهم المصرفية بما فيها عمليات تبادل القطع، و نظرا لغلاء القروض بين المتعاملين ذات الثقة، و بالنظر لانخفاض قيم المحافظ بما فيها قيمة أسهم المصارف نفسها و انخفاض أصولها و أموالها الخاصة و أضطرارها إلى اتخاذ احتياطات عامة و خاصة لقاء ديون مشكوك فيها (و لو غير محققة)، لقاء كل هذه المخاطر، أصبح عدد من المصارف في وضع لا يسمح له في تقديم قروض تجارية و شخصية و لو كانت عادية و مضمونة، خاصة إذا أصبح وضعها المالي لا ينسجم مع شروط السيولة و الملاءة النظامية المفروضة من قبل المصارف المركزية و المقررة في بال. و بما ن عصب النظام الاقتصادي المعاصر يقوم على التسليف الاستلاكي و الانتاجي نترك للقارئ استنتاج الآثار على الاقتصاد.
د) التخوف من تسلط الأموال الخارجة عن السيطرة و الواقعة في الجنات المالية (موناكو، لوكسامبورغ، ليشتنشتاين، جيرسي و غيرها من دول تعتمد السرية المصرفية) و التي لا يمكن التحكم بها و معرفة حجمها و مصادر ودائعها و كيفية تلاعبها بالسوق و تأثيرها عليه من خلال استثمارها الكثيف في محفظات مختلفة يعتقد الرسميون أن عددا كبيرا منها يخفي تبييض أموال.
ثانيا: تحول الأزمة من أزمة سيولة مالية إلى مأزق اقتصادي و ليس أزمة نظام:
هنا تلامس الأزمة المالية الاقتصاد و تؤدي إلى الركود و ربما إلى الانهيار. لأن الاقتصاد يعتمد بشكل رئيسي على التمويل الاستهلاكي و على التمويل التشغيلي اليومي و على التمويل الدولي الائتماني (اعتمادات و ضمانات) الضرورية للمبادلات الدولية، و على التمويل المتوسط و الطويل المدى للتجهيز و الانشاء البنيوي التي تؤمنها المصارف لقطاع الانتاج. و هذا ما فهمه أخيرا رؤساء هذا العالم. فالأزمة بداية كانت مالية و ليس اقتصادية أو أزمة نظام رأسمالي. و لكنه من البديهي الاستنتاج أن هذه الأزمة كان لا بد من أن تتحول إلى أزمة اقتصادية لسببين رئيسيين. الأول متعلق بالثقة (ثقة المؤسات المالية و ثقة المستهلك) و طالما لم تختف الضبابية المحيطة بموضوع السندات (sub prime) ستبقى الثقة مزعزعة بالرغم من أننا نرى أن التدابير الحكومية الأوروبية مهمة. و هذا يحتاج إلى وقت و إلى فعالية المؤسسات المالية الحكومية في ضبط الوضع. و الثاني متعلق بالاقراض و السيولة. و طالما ترتعب المصارف أو أنها في وضع لا يمكنها من الاقراض للاسباب التي ذكرناها آنفا، فإن الاقتصاد سيجمد و سيركد و يدخل مرحلة من التراجع و الترقب اقلها لثلاث سنوات. يضاف إلى ما تقدم إن تقلص القيم المالية عامة سينعكس سلبا على الحركة الاقتصادية استهلاكا فانتاجا و بالتالي فإن العجلة الاقتصادية ستصاب بركود و نقص حاد في السيولة. و هنا فإن التدابير الحكومية تصب في هذه الخانة. أي إعادة رسملة المصارف لتصبح في وضع مالي و نظامي يسمح لها بالعودة إلى التسليف. و هذا كله من صلب قواعد النظام المالي و الاقتصادي الرأسمالي. و هنا نورد على سبيل التذكير مشروع تسوية الديون الذي تقدمت به جمعيات التجار منتصف عام 2003 و الذي كان يتضمن تدابير مشابهة تؤدي إلى تسوية أوضاعهم المتعثرة بسبب ارتفاع الفوائد و تعويم اصولهم و ضخ سيولة و بالتالي تنشيط الاقتصاد، و لكن المشروع رفض في حينه و استعاض عنه مصرف لبنان بتعميم في تشرين الأول يأخذ جانب تسوية الديون فقط.
ثالثا: الأزمة أخلاقية: (ethic) – أين الحوكمة (governance)؟ يتبين مما سقناه أعلاه أن الممارسة التي قامت بها المصارف الأمريكية في مراحلها المتعددة تفتقر إلى الانضباط القانوني، المصرفي و الأخلاقي و يملي عليها سلوكها هم واحد ألا و هو الربحية. و يبدو أن ذلك من طبيعة الأمور في هذا البلد. و لكن لهذا البلد قواعد للعبة ايضا، الويل لمن يشذ عنها. فكيف أمكن إعفاء المصارف الاستثمارية و الأوراق المالية الجانبية و المشتقة و السندات التي تصدرها من أصول الائتمان و واجبات المحافظة و الاحتياط ليبلغ الاستهتار بأموال الناس و ادخاراتهم و مستقبلهم أدنى الدرجات من اللا مبالات؟ ففي الواقع إنها أزمة عدم احترام قواعد النظام المالي. ففي الوقت الذي يتشاطر فيه البنك الدولي على الدول النامية و يشاطره في ذلك منظمة النقد الدولية طالبين منها التشدد في السياسة الادارية و وضع قواعد للممارسة المالية الشفافة و ضبط الانفاق و هذا ما يطلق عليه قواعد الحوكمة ( governance) نرى أن الولايات المتحدة باسم الربحية و الجشع المادي و لاعتقادها السخيف برأينا أن السوق ينظم نفسه، و إرضاء لمجموعات الضغط المالية الاستثمارية، قامت برفع عدد من الضوابط الأساسية لعمل المصارف الاستثمارية، مما سمح لها بتجاوز المعقول و نفخ البالون لدرجة أنه انفجر بشكل مدو جدا. فالأزمة هي أزمة عدم وجود نظام إذا و ليست أزمة نظام. و الحل يكمن في إعادة النظام إلى عالم المال كما جاء على لسان حكام المصارف المركزية (الاوروبي و الأمريكي و الكندي) و الرئيس الفرنسي و الكندي و الاسترالي و البريطاني. أما التدابير التي اتخذوها فلا تمس النظام الرأسمالي لأنها ترمي إلى إعادة ضخ السيولة في التداول. و يتساءل القارئ هنا من المسؤول؟
رابعا) المسؤوليات المترتبة على الأزمة الحالية: هل هذه الأزمة وليدة القضاء و القدر، أم إذا سلمنا بوجود أخطاء فمن المسؤول عنها؟ و كيف يمكن تداركها؟
برأينا هناك مسؤول معنوي كبير هو النظام المالي الاستثماري و في هرميته سلسلة من المسؤولين يدفعون باتجاه الانحراف الحاصل.
- الزبائن الذين لا تتوقف متطلباتهم و اصرارهم على طلب المزيد من الربحية و العائدات للاستثماراتهم
- المساهمين الذين يتطلبون عائدات لاسهمهم و يحاسبون مجلس الادارة و رئيسه على ربحية المصرف و تصاعد نسبة الارباح السنوية و يربطون راتبهم و تعويضاتهم بنتائج المصرف
- مجلس الادارة و رئيسه الذي يعكس طلب المساهمين على كوادر الادارة العامة لتنفيذ خطة الربحية المتوقعة للعام و يربط رواتبهم و مكافئاتهم بالنتائج المحققة
- الادارة العامة التي تحث موظفيها على العمل الحثيث و استنباط الافكار و استجلاب الزبائن من أجل تحقيق الأهداف التي وضعها لهم مجلس الادارة تحت طائلة فقدان العمل
- الموظفون الذي يسعون إلى المحافظة على استمرارية مؤسساتهم و عملهم الخ…
و هكذا دواليك و الكل شريك في الرغبة في تحقيق الربح الأكيد و السريع. و من يتقاعس يعاقب.
و لكن أين حدود الاستثمار الاقتصادي و إلى أي مدى يمكن استنباط أدوات مالية استثارية دون مخاطر؟ و هل باسم الربحية تستباح المحرمات الاخلاقية و الاقتصادية و الانسانية؟ إن من يريد أن يذوق حلوها عليه أن يتوقع مرها! و يجب أن يكون هناك حد أدنى من الأخلاقيات العامة في الإدارة و الممارسة ethic و هذا ما دأبت عليه معظم الشركات و عملت عليه حتى الأمم المتحدةcode of conduct for enterprises .
هذا على الصعيد المعنوي المجازي و لكن ألم يكن هناك مسؤوليات قانونية و مالية مباشرة؟ أطرح التساؤل بكل تحفظ من زاوية خبرتي المصرفية و القانونية لعدم شفافية الاوراق التي بيعت، أو على الأقل، لأن الأحجام و المبالغ التي وصلت إليها قيم السندات تفوق بتصوري قيم السوق العقاري الحقيقي و حجمه. فإما أنه حصل تضخيم للقيم للحصول على سيولة و هذه مخادعة، و إما تم إصدار سندات دون مراعاة مرجعها القانوني و الاقتصادي الحقيقي. أي أنها كانت بدون قيمة حقيقية عند إصدارها (خاصة الشطرات الأخيرة منها عند بدء اكتشاف التوقف عن الدفع). و على كل، فقد فتحت تحقيقات و ربما تعلن الحقيقة. و في مطلق الأحوال و بموجب قانون البورصة الأمريكية يعود للمستثمر المتضرر أن يطلب التأكد من صحة الأوراق المباعة إذا ما تبين له أنه هناك شك في ذلك أو أنه حصل تلاعب في تداولها. و بالنظر لحجم ما حصل فلا أعتقد أن أحدا من كبار المستثمرين و على رأسهم محكمة التجارة المشرفة على تصفية المصارف الموضوعة تحت حمايتها بموجب الفصل 11 من قانون الافلاس سيوفر الفرصة للتأكد من ذلك.
4) ما هو الحل؟ سبل المعالجة:
يكمن الحل في إعادة الثقة إلى السوق عن طريق إعادة جميع المتعاملين إلى حظيرة النظام و القانون الذي يكفل الشفافية و التوازن و احترام الضوابط التي تمنع الاستهتار بأبسط مقومات التحفظ و الاحتراز و صيانة أموال المتعاملين و مدخراتهم. و يتم ذلك عن طريق التدابير التالية و التي بعض منها موجود في التشريعات المصرفية و توصيات بال، إلا أنه تم الخروج عنها أو التخفيف منها مؤخرا باسم حرية السوق في الولايات المتحدة الأمريكية:
على الصعيد العملي:
- و في مرحلة أولى يجب التوقف عن التهافت على بيع الأصول و المحافظ و المساهمة في انخفاضها إلا لمن له حاجة ملحة في ذلك
و على صعيد التدابير: - الفصل بين المصارف التجارية و المصارف الاستثمارية أي المصارف التي تكمن وظيفتها في تشغيل محفظة أموال المستثمرين أي أنهم وسطاء
- منع المصارف الاستثمارية من الاستثمار مباشرة في الأسواق
- منع المصارف الاستثمارية من تسليف زبائنها
- منع التسليف و الاقراض من أجل الاستثمار في البورصة من أجل المضاربة و اقتصار التسليف على استثمار متوسط و طويل الاجل في الشركات من أجل تكوين رأسمال
- إخضاع المصارف عامة بما فيها المصارف الاستثمارية لرقابة أجهزة الرقابة المصرفية إضافة لخضوع الأخيرة لرقابة هيئة الرقابة على البورصة و الأوراق المالية
- لا يمكن تداول أي منتج مالي (سند أو أسهم أو أوراق جانبية و غيرها إلا من خلال البورصة و بعد موافقة هيئة رقابة البورصة عليها و يكون المنتج المالي ممهور بشهادة مدقق مالي و محاسبي عالمي يمكن الرجوع إليه لفهم تفاصيله و يتحمل مسؤوليته
- التشديد على مسؤولية أجهزة التدقيق و الرقابة المحاسبية في تقاريرهم عن الشركات و الصناديق المالية و الأوراق المالية المتداولة
- التشديد على مسؤولية أجهزة التصنيف الائتماني العالمية في تقيمها للشركات و الدول و الاوراق المالية المتداولة
- يجب تعزيز حق حملة الأوراق في ملاحقة المصارف الاستثمارية (و العملاء الوسطاء في البورصة) الذين يدفعون في اتجاه شراء اسهم أو اوراق معينة مما يعرف في بعض التشريعات بواجب الشفافية و النصح و أو عن الاهمال في إدارة المحفظة . أعتقد أن مبدأ الادارة الاعتباطية و التفويض المطلق حيث يقوم المصرف أو الوسيط بالشراء و البيع لحساب الزبون دون رقابة يجب أن يحاط بضوابط.
- يجب ربط الزبائن مع مصارفهم الاستثمارية و أو وسطائهم بعقد ثقة أو code of conduct
- يــجب ألا تكون المسؤولية في المصارف و المؤسسات الاستثمارية على هرميتها إدارية فقط بحيث يقال رئيس مجلس الادارة و أو الموظف مخلفا وراءه فيضا من خسائر لمؤسسته و لزبائنه ليس هو مسؤولا مباشرا عنها، بل يجب وضع تشريع جزائي بحيث يتحمل كل موظف على مستواه المسؤولية الجزائية و المالية (نسبيا) المباشرة للخطأ المرتكب عمدا أو اهمالا. فمن يرغب في المكافأة (الجزرة) عليه تقبل العصاة. فأموال الناس ليست سلعة. يرافق ذلك الحق/واجب لكل موظف بالتصريح عن كل خلل يشعر به و تجاوز لقواعد اللعبة لتداركه و الحؤول دون وقوع الكارثة.
- إنشاء صندوق مصرفي عالمي (أو عن طريق دعم و توسيع صلاحيات البنك الدولي) تضع فيه المصارف المركزية و المصارف الوطنية عن طريق المصارف المركزية احتياط سنوي يتفق عليه يخصص لدرء مخاطر اية خضة مالية و اقتصادية و يخصص لحماية أموال المدخرين.
هذا على الصعيد القانوني و المالي و الإداري لاستعادة الثقة ، أما على الصعيد المالي و الاقتصادي فإن التدابير التي قامت بها المصارف المركزية عن طريق تخفيض الفوائد (و يجب تخفيضها أيضا لتسسيل الادخار و تخفيف العبء عن الدين الانتاجي و التجاري و تشجيع الاستهلاك) و عن طريق ضخ السيولة من جهة، و الحكومات عن طريق ضخ السيولة و رسملة المصارف لتمكينها من التسليف (لتكون على انسجام مع انظمة التسليف من زاوية السيولة و الملاءة كما اشرنا إليه) ، و إعطائها سلف مخصصة للتسليف، و ضمانها للودائع بين المصارف و ودائع الزبائن، كفيلة في الأجل المنظور بأن تمنع جنوح التدهور و أن تحرك الحركة الاقتصادية و يجب أن يرافق ذلك اعفاءات ضريبية. و لن تنجح الخطة إذا لم تعد الثقة إلى السوق. و على الأخص ثقة المستهلك. و كيف تعود هذه الثقة و بدأت أزمة بطالة تلوح في الأفق؟ و هامش تحرك الحكومات الغربية ضيق لاستدانتها الدائمة و عجز موازناتها. و بالتالي فهي بحاجة لدعم دول تتمتع بفائض كالصين و الهند و البرازيل و المملكة العربية السعودية و بعض دول الخليج. ما هو ثمن ذلك و نتيجته؟ هل تغيير في موازين القوى و في منهجية السياسة الشرق أوسطية؟
5) آثار الأزمة على لبنان:
لهذه الأزة آثار إيجابية: فالبترول ينخفض تلقائيا و ينخفض عجز الكهرباء، و المواد الأولية تنخفض فتنزل الأسعار لأول مرة، و ينخفض سعر الدواء و عجز الضمان. أما الخسائر المالية فتصيب شريحة من اللبنانيين في أموالهم الموظفة خارجا، و من بعض اللبنانيين الذين يعملون في الخارج، و تؤثر على قدرتهم الشرائية و الاستثمارية من بعدها.
أما انعكاساتها على المصارف اللبنانية، فماذا تبقى للمصارف اللبنانية من سيولة خارج التسليفات الداخلية و الخارجية و سندات الخزينة لكي توظف من سيولة في مصارف أستثمارية و سندات بالونية؟
و في مطلق الأحوال، و مهما كان حجم استثمار أي مصرف لبناني في سندات أو أسهم ، فهو نسبي و لن يؤثر على ملاءته بالنظر إلى حجم المصارف اللبنانية و التدابير النظامية التي اتخذها مصرف لبنان. و لكن المصارف ملزمة بإيداع فائض السيولة و تشغيلها في مصارف أخرى يوميا و لأجل، و غالبية المصارف اللبنانية تتعامل فيما بينها أو مع مصرف لبنان أو مع مصارف أوروبية. و بالتالي فقد تتأثر نسبيا بمشكلة تصريف السيولة مرحليا وضعها وضع المصارف الأوروبية. و لكن بما أن ايداعاتها بالعملات الأجنبية و تداولها بالليرات اللبنانية و سوقه محصور محليا فلا أرى مشكلة سيولة بالليرة اللبنانية. أما العملات الأجنبية كالدولار فمعروض بوفرة بالسوق حاليا. و لا تفرحن بزيادة الودائع، فمن أين تأتي ؟ و أين ستوظف؟
التأثير الوحيد الذي سيشعر به لبنان هو انخفاض في الاستثمار (العقاري) و في المردود السياحي إذا تأثرت القدرة الشرائية لعدد كبير من اللبنانيين من جراء الخسائر المشار إليها أو للانكماش الاقتصادي الذي قد يصيب منطقة الخليج العربي من جراء الأزمة و انخفاض سعر البترول ناهيك عن انخفاض سعر اليورو. يواجهه تحسن في ميزان المدفوعات لارتفاع سعر الدولار على اليورو و لانخفاض سعر البترول و معظم أسعار المواد الاستهلاكية المستوردة.
و لكن المشكلة التي قد تواجهها الحكومة اللبنانية هي أيفاء التزامات باريس 3 . و تقوم حاليا بجس نبض الدول المانحة لمعرفة مدى تأثرها بالأزمة و انعكاسها على تعهداتها. و سوف نراقب بكل اهتمام الاستحقاقات المقبلة لسندات الخزينة و كيف ستتعامل معها الحكومة.

